الإسلام لا يمت بأية صلة إلى الظواهر السلبية التي أعلنت عن نفسها في العصر الحاضر داخل العالم الإسلامي وخارجه، وتمثلت في عمليات إرهابية هنا أو هناك تستهدف قتل أكبر عدد من الأبرياء الذين لا ذنب لهم ولا جريرة.

وهنا نود أن نوضح نقطتين مهمتين هما الجهاد وقتل النفس، فقد شرّع الإسلام الجهاد للدفاع عن الإسلام والمسلمين، فإذا اعتدى فرد أو جماعة أو دولة على المسلمين يصبح الجهاد فرضا على المسلمين للدفاع عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وديارهم. فالجهاد قتال ضد العدو المعتدي. وقد أذن الله للمسلمين أن يردوا عدوان المعتدين في قوله تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، وفي قوله: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير.

آداب الحرب

وهذا يعني أن الجهاد بمعنى القتال هو حرب دفاعية مشروعة لرد عدوان المعتدين. وللحرب في الإسلام آداب وأخلاق مرعية يحرص عليها الإسلام. فلا يجوز قتل النساء والأطفال والشيوخ وغير المحاربين، ولا تدمير العمران أو قطع الأشجار، أو إساءة معاملة الأسرى. والجهاد في الإسلام لا يقتصر على هذا الجانب فقط، بل إن الجهاد كما يكون بالقتال لرد العدوان يكون أيضا بالمال. ويكون بالعلم، ويكون بالأساليب الدبلوماسية وغير ذلك من أساليب تتفق مع كل الظروف والأحوال، ولم يشرّع الإسلام الجهاد للعدوان على الآخرين من دون مبرر مشروع ولا لإجبار الآخرين على الدخول في الإسلام.

وفضلا عن ذلك فإن مفهوم الجهاد في الإسلام يشمل جهاد النفس وهذا ما يسمى بالجهاد الأكبر، وهو جهاد ضد نوازع الشر في نفوس الناس، والتغلب على الأخلاق السيئة والعادات القبيحة والميول الأنانية في النفس الإنسانية.

أما الإرهاب أو القتل غير المشروع للآخرين فإنه مرفوض إسلاميا جملة وتفصيلا ولا يمت لمبادئ الإسلام وقيمه بأدنى صلة فالإنسان بنيان الله والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: ملعون من هدم بنيان الله.

وتفجير الشخص لنفسه بهدف قتل أكبر عدد من الأبرياء أمر مرفوض إسلاميا فهو جريمة في حق الله واهب الحياة والذي له وحده الحق المطلق في استردادها في الوقت الذي يشاء، ومن هنا فليس من حق بشر أن يحدد لنفسه أو للآخرين ساعة موته أو موتهم فهذا تدخل في حق الله.

عدوان لا يقره الإسلام

ومن ناحية أخرى فإن قتل الآخرين من السياح الأبرياء يعد عدوانا لا يقره الإسلام، بل يعتبر أن قتل نفس واحدة يعد بمثابة قتل للبشرية كلها: من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا.

والسائح الذي يأتي إلى بلاد المسلمين لمشاهدة آثارها والتعرف إلى حضارتها لا يجوز المساس به بأي حال من الأحوال، فهو معاهَد، وتأشيرة الدخول التي يحملها هي عهد من الدولة المسلمة بحمايته وتوفير الأمن له حتى يعود إلى بلده آمنا مطمئنا.

وقد طلب الإسلام توفير الأمن لغير المسلمين حتى لو كانوا مشركين وفي ذلك يقول القرآن الكريم: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه.

وفضلا عن ذلك فإن قتل أجنبي في ديار المسلمين سائحا كان أو مستثمرا أو غير ذلك من شأنه أن يجعل هؤلاء يحجمون عن السفر إلى البلد المسلم الذي ينتشر فيه مثل هذا العدوان، وفي ذلك محاربة لأرزاق مئات الآلاف، بل الملايين، الذين يعيشون على ما يكسبونه من وراء العمل في مجال السياحة أو الاستثمار.

تصرفات حمقاء

وإذا كان الإسلام يتهم في العصر الحاضر من جانب وسائل الإعلام العالمية بالعدوان والإرهاب والدموية فإننا نحن المسلمين نتحمل قدرا من المسؤولية عن هذا التشهير بالإسلام، وذلك من خلال بعض التصرفات الحمقاء التي تصدر عن بعض أبناء المسلمين في العديد من البلاد الإسلامية رافعة شعار الإسلام، والإسلام منها براء براءة الذئب من دم ابن يعقوب.

وعندما نناقش الآخرين نقول لهم: إن الإرهاب لا وطن ولا دين له، وإنما هو ظاهرة عالمية، موجودة في البلاد المتقدمة كما هي موجودة في بلاد المسلمين، فلماذا تزجون باسم الإسلام وتخلطون الأوراق وتنعتون ما يحدث على يد بعض المسلمين بأنه إرهاب إسلامي؟ يجيبون بأن ما يصدر من عمليات إرهابية في بلاد مسيحية أو يهودية أو بوذية أو هندوسية لا يدعي لنفسه أنه يمارس ذلك باسم دين من الأديان، أما في العالم الإسلامي فإن الإرهاب يرفع دائما شعار الإسلام.

ولكن هذا ليس مبررا على الإطلاق لاتهام الإسلام بأنه يشجع على مثل هذه الأعمال الإرهابية. فالعدل والإنصاف والموضوعية ونزاهة العلم تحتم على كل عاقل أن يكون عادلا في أحكامه.

والإسلام كدين ليس مسؤولا عن أحداث القتل والتدمير التي تحدث هنا وهناك.

والإسلام دين مضى على ظهوره أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان، وكان سببا في بناء حضارة راقية استمرت ما يقرب من ثمانية قرون. ولم يتغير في الإسلام شيء فلماذا هذا الظلم الصارخ لهذا الدين الذي جاء رحمة للعالمين؟

إن الوحشية والدموية والقتل والتدمير عرفتها أوروبا في القرن الماضي على نحو لم يشهد العالم لها مثيلا في التاريخ، وأن ذلك كله على يد الأوروبيين الذين أشعلوا في القرن العشرين نار حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من ستين مليونا من البشر، وفي عام 1995 قام الصرب بذبح أكثر من ثمانية آلاف مسلم في البوسنة في مدينة واحدة تحت سمع وبصر العالم المتحضر، وقد كانت هذه المدينة المنكوبة (سبرينتشا) تحت حماية الأمم المتحدة، وهذا لم يحدث له نظير في تاريخ المسلمين.

إن الإسلام بتعاليمه السمحة وقيمه النبيلة كان ولا يزال وسيظل إلى نهاية العالم هو دين التسامح والرحمة والتحضر والرقي الإنساني ماديا ومعنويا، وعلى المسلمين أن يلتفتوا إلى قيم دينهم من ناحية، ويمارسوا النقد الذاتي من ناحية أخرى، في محاولة جهادية لتصحيح أوضاعهم والارتقاء بالحياة في بلادهم.

* وزير الأوقاف المصري