نشر موقع إيلاف الإلكتروني منذ ما يقرب الشهر مقالاً لأنسي الحاج بعنوان صعود المقال يرى فيه أن أكثر ما يقرأ الآن ومنذ عقود هو المقال الصحافي، ويذهب أيضاً إلى الاعتقاد بأن نجاح قصيدة النثر، العربية على وجه الخصوص، تمثل في تخفيف صدمة الانتقال من الأوزان إلى النثر تمهيداً للانتقال من عهد القصيدة إلى عهد المقال. آراء الحاج في هذا المقال تمتلئ بوجهات نظر عديدة ومتلاحقة وموزعة الاهتمام بحيث يلهث القارئ في تأمل كل فقرة من فقرات المقال الذي لا تتجاوز كلماته 500 كلمة.
نتوقف مرة ثانية مع الحاج في تأكيده على انتهاء الصحافة كوسيلة إخبارية أو فوتوغرافية، حيث لم يعد يميزها إلا المقال وبالتالي فإن على عاتق كاتبه يقع عبء الارتقاء بثقافة وذائقة المتلقي. ولكن الحاج لا يدعو الى مبايعة المقال وحسب توصيفه بئس الصحافة فهي لا تهتم إلا بالضحالة اليومية وتعاسة الوجود الخانق. لقد بات المضطلعون بفن التعبير، حسب الحاج، أقلية على شفا الانقراض وأشبه بجماعة سرية تختبئ من ضياعها في محيط توهمه التكنولوجيا بأنه كوني وليس هو غير اجترار الذات النرجسية لنفسها.
منذ فترة بسيطة أصدر الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي كتاب قصيدة النثر أو القصيدة الخرساء وهو عبارة عن مجموعة من المقالات نشرها في صحف قاهرية ليعبر فيها عن رأيه الرافض لقصيدة النثر بكل مفرداتها وتاريخها ووجودها في الوطن العربي، يستحق كل مقال في كتاب حجازي أن يناقش بدوره بأسلوب علمي هادئ ورزين خاصة وأن حجازي يقصي قصيدة النثر جملة وتفصيلاً من أفق الإبداع العربي المعاصر.
قصيدة النثر وفق حجازي أميبا شعرية تتغذى من ضرعين مسمومين: انهيار اللغة وتراجع الشعور بالانتماء، وهي قصيدة خرساء تكسر الغنائية الشعرية العربية والتي تسعى إلى الامتاع وإثارة النشوة في نفس السامع أو القارئ، لا هي نثر ولا هي قصيدة، إنها من حيث الشكل كائن هلامي لم يسكن في جسد، ولم تتبلور ملامحه.
والسؤال ما الذي يجمع التبشير التحقيري لأنسي الحاج بصعود المقال والهجوم الاقصائي الذي قاده حجازي ضد قصيدة النثر؟ الأول والذي ظلت مقدمته لديوان لن البيان النظري اليتيم لقصيدة النثر لسنوات طويلة، والثاني يضاف اسمه مع صلاح عبدالصبور كرائدين لحركة الشعر الجديد في مصر في منتصف خمسينات القرن الماضي. ان روح كلام حجازي تتماهى بل تتطابق مع رأي العقاد في شعر التفعيلة ومضمون مقال الحاج يتشابه مع ما ذهب إليه حجازي حول قصيدة النثر، إنها سلسلة ذهبية من الدعوة إلى لتمرد والتجديد ثم النكوص والانكفاء ربما تمتد إلى تراثنا القديم وككل ظواهرنا الثقافية تمثل إشكالية يتطلب النظر فيها البحث والتنقيب.
الرهاب
نغوص في التراث إلى عدد من المتكلمين والذين نصغي إلى دعواتهم على فراش الموت حيث نفاجأ بالتبرؤ من كل شيء وتمني الرحيل وفق معتقدات الآباء والأجداد، نرتحل إلى السوسيولوجيا لنبحث هشاشة التكوين الاجتماعي المعاصر للمثقف العربي. نقرأ اطروحات حول العقلية الانشطارية في وعينا العربي، نبحر إلى الضفة الأخرى، نلتمس العذر لهؤلاء حيث نستشعر معهم رهاب الآخر المكتسح حضارياً وثقافياً وسياسياً، فقصيدة النثر هي التعبير الأدبي الملعون والذي سيقضي على ديوان العرب، ومع صعود المقال ينهار كل شيء، وكل منهما صناعة غربية بامتياز.
مداخل عدة ننظر عبرها إلى تلك الإشكالية قد تفتح ملف الثقافة العربية بأكمله والنتيجة ليست في مصلحتنا بالتأكيد، سنكتشف رؤى حدية مطعمة باستشراق عربي لا يختلف كثيراً عن الاستشراق الكلاسيكي، ونبصر ضعف النخبة المثقفة والخواء الذي تعانيه، ذلك الخواء الذي دفع العامة إلى النظر بملل يصل إلى حد مخاصمة كلمة ثقافة. سندرك أشياء تحتاج إلى ملفات تدفعنا إلى المطالبة بحراك ثقافي عاجل يناقش كل إشكالياتنا الثقافية بوضوح وصراحة.
إن مناقشة على هذا المستوى تكتسب مشروعيتها من ظواهر عدة نلمحها بأسى على ساحة الثقافة العربية، فلا توجد دراسات علمية حقيقية وجادة تؤكد أننا نعيش مثلاً زمن الرواية أو تجزم بوفاة القصة القصيرة أو انقراض الشعر العمودي أو تراجع شعر التفعيلة، كل ما نجده آراء حدية إقصائية وللأسف نقول ان مقال الحاج لا يستند إلى أية شواهد واقعية، والمحزن أن شاعراً بوزن حجازي يصدر كتاباً حول قصيدة النثر لا يوجد فيه تحليل واحد لأية قصيدة نثر عربية، هل هو الاستناد إلى الأبوية الثقافية أم الفحولة الشعرية على حد تعبير الغذامي في كتاب النقد الثقافي؟ لا ندري، ونقف حيارى نسأل كيف يمكن مناقشة أطروحات لا علمية بأسلوب علمي؟
المشكلة الكبرى في لغتنا الفصحى أنها لغة نقرؤها بعيوننا ولا نكاد ننطقها بألسنتنا، لأننا لا نتعامل بها، ولا نفسح لها في حياتنا.. وإنك لتجد الرجل يقرأ ثم يضطر إلى أن ينطق فتدرك أنه عاجز عن النطق الصحيح، وإذا، فهو عاجز عن الفهم الصحيح رأي لحجازي يتناص مع أطروحة لمحمد عابد الجابري في الجزء الأول من رباعيته الشهيرة نقد العقل العربي والمعنون بتكوين العقل العربي، فاللغة العربية لا تقرأ وإنما تسمع، مقولة تستدعي الاستشراق من البوابة الخلفية بحجة الدفاع عن الوزن والقافية وهو نفس الإحساس المهيمن على الحاج، فالمقال هو حالة الحسم النهائي لرحلة طويلة من الأذن إلى العين، ومن السمع إلى البصر، وإن كانت رحلة نتاجها النهائي مرفوض.
في الحالتين وكعادة المثقف العربي هناك توسل بالآخر لمحاربته. كل شيء يبدأ من الآخر ويعود إليه نظراً لصعوبة دراسة المجتمع العربي بنيوياً من خلال طبقات محددة المعالم وفق ما يذهب هشام شرابي من أن الأدب العربي المعاصر يحتاج إلى دراسة حقيقية لتشكيلات وتكوينات طبقاتنا الاجتماعية ولذا سنظل نردد أن الرواية بنت المدينة ونتيجة لاتساع الطبقة الوسطى، بينما تؤكد السوسيولوجيا انه لا وجود للمدينة بمعناها الغربي في المنطقة العربية، وان طبقتنا الوسطى الآن منهارة.
أسئلة عدة
لقد فرض الخرس الثقافي في حياتنا العربية قصيدة النثر على ثقافتنا فالثقافة الخرساء هي المتباهية بقصيدة النثر، يقول حجازي نعتمد على مفهوم المخالفة لنسأل: هل تراث الحداثة الغربية بأكمله والذي ننقده مرة ونرفضه مرة ولكننا في النهاية ننتمي إليه، هل هذا التراث المحتفي بقصيدة النثر، هو تراث أخرس؟ وكيف يمكن وصف جنس أدبي بالخرس؟ هل الرواية خرساء؟ ومتى سينتهي الجدل حول قصيدة النثر بدءاً من المصطلح وحتى اللعن والرجم والتبرؤ؟ ماذا نفعل بمئات الشعراء الذين يكتبونها؟ ولماذا التصميم الغريب على غنائية اللغة العربية وتمايزها عن لغات الأرض بأكملها؟
العقلية الانشطارية التي لا تستطيع المزج بين المتناقضات يمكن وصفها بأنها عقلية خرساء لا تراجع نفسها ولا تستمع لأحد. تسمع صوتها فحسب وتبصر ذاتها كنرسيس تتحول إلى الفحولة إلى شعرنة الذات وتحتفي بكل سلف ينتمي إلى مجالها ودائرتها، يقول حجازي ولنفرض في النهاية أني أكرر العقاد. فمن ذا الذي يكررني؟.
نحن خرس لا نقول ولا ننشد إحالة أخرى لحجازي، ربما إلى السياسة إلى زمن التشرذم العربي، فالخرس هو النقيض للكلام، للحوار، هو كتابة لا تحاور إلا ذاتها، تدور في مجالها الضيق، ولذلك يناقش حجازي في كتابه ذلك السباق المتجاوز منذ عقود بين العراق وبلاد الشام ومصر حول الريادة في الشعر والقدرة على التجديد. الخرس يعود إلى النقطة صفر، حول معايير الشعر وتعريفه والجيد والرديء منه، ولذلك تفتح آفاق العودة إلى السلف الشعري القديم والسلف الشعري الحديث والآخر الغربي، لا يهم استخدام أي نوع من السلاح، المهم أن تقام المعركة.
وإذا كان الخرس نقيضاً للحوار، فإن رهاب صعود المقال إذا كان حقيقياً هو الآخر يمثل رهاباً بدوره تجاه الصورة، إذا ربطنا المقال بالصورة، بالبصر والقراءة الفردية والتي طالما بشر بها المثقف العربي، قد نقول بتجاوز ان الصورة تصعد في العالم بأكمله في مقابل تراجع حاد لمنتجات الكلمة، والمشكل في الثقافة العربية لا يتمثل في إنتاج كمي للرواية أو لقصيدة النثر أو للمقال وإنما في جودة هذا الإنتاج.
نتذكر بصعوبة أية رواية صدرت مؤخراً وأضافت جديداً إلى تقنيات السرد العربي، والشيء نفسه نفعله في الشعر أو المقال، لذلك ليس غريباً على الإطلاق المآتم التي أقيمت لنجيب محفوظ ومحمود درويش والقيمة التي نشعر بها تجاههما، الأول يظل يجرب بحرية في أساليب السرد حتى يوم رحيله والثاني بقي وفياً لشعر التفعيلة وكتب نثراً يدمج فيه بين قصيدة النثر والشعر والمقال، حالتان ضد الخرس، تحاوران الإبداع وتبصران ذاتهما والآخر بلا أي ضجيج أو نزعة إقصائية.
ربما تحتاج مناقشة علمية لقصيدة النثر الدخول إلى عوالم الشعر والبلاغة ثم فتح كتب التراث فالتحول إلى سلسلة ذهبية من شعراء الحداثة في الغرب تضم بودلير وويتمان وت.اس. اليوت وغيرهم وتنحو إلى الاستشهاد بكوهين وسوزان برنار وتتطرق إلى أصول وفصول الحداثة ونتائجها ثم تناضل لرصد تجليات كل ذلك في الوطن العربي وبالمثل تفعل دراسة أخرى بالنسبة لمقولة صعود المقال ولكننا توقفنا عند الرمز، فصعود قصيدة النثر ثم المقال هو دلالة أكيدة على الخرس والذي أصبنا به جميعاً منذ العام 1978 فهو ليس بحالة جديدة تتطلب مراجعة حقيقية لكل منتجنا الثقافي ورموزه ومقولاته وأطره المرجعية وحتى أساليب البرهنة والأوصاف التي يستخدمها في طرح قضاياه.