أستاذة الاقتصاد بجامعة الأزهر، د .زينب الأشوح، تنقل لنا اليوم ملامح النظام الاقتصادي في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه والنموذج الفريد الذي قدمه لإدارة الأزمات الاقتصادية، وهو مطروح أمام كل من له عقل ووعي في بلادنا العربية للاستفادة منه في كيفية التعامل مع الأزمات الاقتصادية التي تلاحقنا ونتعامل معها بعشوائية .
الملكية الفردية
وملامح النظام الاقتصادي الإسلامي في فترة خلافة عمر بن الخطاب - كما تقول د . زينب - واضحة وأبرزها: ربط الملكية الفردية بالمصلحة العامة، وذلك على عكس النظام الرأسمالي السائد في معظم بلادنا العربية والإسلامية الآن، والذي يقوم على تغليب الملكية الفردية حتى وإن تسبب ذلك في الإجحاف بحق الأكثرية الذين يعانون الفقر والحاجة وعلى عكس النظام الاشتراكي الذي يغلب الملكية العامة، حتى إن أدى ذلك إلى ظلم الأكثر صدقاً وجدية وبذلاً للجهود في عملهم المهني والتنموي المطلوب، ومعروف أن الإسلام هو دين الوسطية الذي يقر الملكية الفردية أو الخاصة ويشجع على الذود عنها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتِل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتِل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتِل دون أهله فهو شهيد"، كما يأمر بأشياء لابد من إتاحة امتلاكها للعامة لأنها ضرورية لتلبية احتياجات معيشية أساسية "الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار"، وكان عمر بن الخطاب حريصاً على المواءمة بين هاتين القاعدتين المتقابلتين بحيث لا يغبن في عهده من له ملكية خاصة، ولكن على ألا يكون ذلك على حساب المصالح العامة .
ومما فعله عمر في هذا الإطار أنه عندما اضطر لأسباب سياسية وحربية لإجلاء نصارى نجران، ويهود خيبر من قلب شبه الجزيرة العربية وأرسلهم إلى العراق والشام أمر بإعطائهم أراضي في الأماكن الجديدة كبديلة مما تركوا من أراض في الموطن الأصلي، وفي عمليات توسيع للمسجد الحرام في مكة، اضطر عمر إلى انتزاع ملكية بعض الدور القائمة في المنطقة المعنية، وذلك لضرورة ملحة، لكنه احتراماً لتلك الملكيات الخاصة قدم تعويضات عادلة للفئات المتضررة .
ومراعاة للمصالح العامة التي يمكن أن تضار ببعض أنماط الملكيات الخاصة، تبرز قصة بلال بن الحارث المزني الذي كان قد طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستقطعه أرضاً، فأقطعه الرسول مساحة كبيرة من الأرض ورأى عمر أن الرجل لم يستغلها بكاملها، وبالتالي رأى عمر أن المسلمين أحق بذلك الجزء غير المستغل فأخذه منه وضمه إلى الممتلكات العامة للمسلمين، وبذلك تم إرساء قاعدة مهمة في مجال الاستثمار الفعال للملكيات الخاصة، جديرة بالاقتداء المعاصر، وهي أن لولي الأمر أن يتصرف بما يحول دون إساءة استغلال الملكيات الخاصة وإهدارها بشكل يضر بالمصلحة العامة .
رفض الكسل والطبقية
ومن ملامح النظام الاقتصادي في عهد عمر بن الخطاب: رفض المساواة المطلقة بين المجتهدين والكسالى من البشر، وكذلك رفض الطبقية العنصرية الظالمة، فمما يؤخذ على النظام الرأسمالي الغربي أنه يتطرف بقسوة لمصلحة الطبقة الثرية على حساب كل الطبقات الضعيفة الأخرى، أما النظام الشيوعي فهو يدعي إنصاف الطبقات الفقيرة، مع أنه يتميز بتطرف لمصلحة طبقة "البروليتاريا" على حساب رجال الأعمال والمستثمرين ذوي الكفاءات المتميزة، بل لقد أثبتت التجارب التاريخية الواقعية اتصاف ذلك النظام بديكتاتورية بالغة القسوة، حتى إنها تصل إلى تكميم الأفواه وإلى توقيع عقوبات صارمة على المخالف لقوانين الدولة، أما النظام الإسلامي القائم على العدل والموضوعية - والذي فهمه عمر بن الخطاب وطبقه تطبيقاً صحيحاً - فهو لا يقر بوجود مساواة مطلقة بين البشر وذلك ضماناً للتواصل والتعاون البشري في إعمار الأرض وتوفير مقتضيات المعيشة بشكلها المتكامل، وفي ذلك يقول الله تعالى: "ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون"، ومن أجل تأصيل تلك القاعدة وتوضيح أنها تنطوي على منتهى العدل يذكرنا الحديث الشريف بتفاوت الكفاءات والقدرات بين البشر "كل ميسر لما خُلق له"، وحدد الإسلام معياراً حاسماً للمفاضلة بين البشر وهو "التقوى" "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى" .
وعلى النهج الوسطي ذاته كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يشجع على الطبقية العنصرية، ولكنه لا يسمح أيضاً بالإلغاء التام للفوارق بين أفراد الأمة، ففي المناسبات الاجتماعية والرسمية، كان يدعو إلى منح أولوية المجالس لأهل الشرف وأهل القرآن والتقوى والدين أولاً، ثم يجيء بعد ذلك حق العامة .
مشكلة الفقر
والمنهج العمري في التعامل مع مشكلة الفقر - كما توضح أستاذة الاقتصاد بجامعة الأزهر - كان إيجابياً وفريداً ومتميزاً ومختلفاً عن الفكر الرأسمالي والفكر الاشتراكي، فالنظام الرأسمالي يستهجن فئة الفقراء ويعتبرهم فئة ضعيفة لا مكان لها في ظل المنافسة الشرسة التي لا تبقى لغير الأقوى، والنظام الاشتراكي يبالغ في شعارات التعاطف مع الفقراء لدرجة أنه يصيب الجادين والمجتهدين في أعمالهم بإحباط شديد، لأن الضعفاء من الكسالى يتعايشون على حسابهم هم، أما في النظام الإسلامي فعلى الرغم من الحث على التكافل الاجتماعي وإعانة كل ذي حاجة، إلا أنه يرفض التسول والتواكل ومن يرضون لأنفسهم أن يكونوا أيادي سفلى، فالإسلام دين رفعة واعتزاز لا ذلة وانكسار .
ومن هذا المنطلق كان عمر بن الخطاب يحث كل أفراد المجتمع على العمل من أجل التكسب والعيش الكريم، ودعا الجميع إلى "أن يتعلموا المهنة، فإنه يوشك أن يحتاج أحدهم إلى مهنة وإن كان من الأغنياء"، لكنه يحذر الفقراء من الارتكان إلى العيش على الصدقات والعطايا مع قدرتهم على العمل فيقول لهم: "يا معشر الفقراء، ارفعوا رؤوسكم، فقد وضح الطريق، فاستبقوا الخيرات ولا تكونوا عيالاً على المسلمين" .
لكن عمر مع هذا لم يتجاهل غير القادرين على التكسب ولا العمل لكبر أعمارهم أو إصابتهم بأمراض أو إعاقات تعجزهم عن الحركة، أو لأنهم أطفال أو يتامى أو أرامل . . الخ، ومن ثم فقد أنشأ بيت الدقيق لإغاثة الجياع وتقديم الطعام لمن يفتقده، وكذلك أوقف أرضاً كان يملكها لكي يتم التصدق بريعها للفقراء وللغزاة .
ويبدو أن أمر الفقراء كان قد احتل حيزاً متزايداً من اهتماماته وهو في أواخر حياته، حتى دفعه ذلك لقولته الشهيرة: "لو استقبلت من امرئ ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على الفقراء" .
تحد بالغ الصعوبة
وقد واجه عمر بن الخطاب تحدياً اقتصادياً بالغ الصعوبة والتعقيد، برغم ما حققه من نجاحات في تكوين دولة إسلامية واسعة وقوية، ففي العام الثامن عشر للهجرة، حدثت مجاعة بالغة القسوة حتى سمي ذلك العام بعام الرمادة، لأن الريح كانت تذرو تراباً كالرماد، ووقتها اشتد القحط والجوع حتى إن الوحوش كانت تأوى إلى الإنس، وكانت المواشي تنفق جوعاً، وإذا ذبحت شاة كان الرجل يعافها من قبحها . . وفيما يلي موجز لكيفية تعامل عمر مع تلك الأزمة الكؤود كما تراها أستاذة الاقتصاد بالأزهر، وهو التعامل الذي تتجلى فيه عبقريته:
- كان حريصاً على التعامل مع الأزمة ومع الناس بحزم شديد، حرصاً على عدم حدوث حوادث شغب أو بلبلة بين الناس، وذلك مع تفعيل الدور الرقابي الصارم من قِبل المسؤولين .
- استنهاض همم المسؤولين للتعاون التكافلي، مع إعادة توزيع المتاح من الطعام بنقله من أماكن الوفرة إلى أماكن حدوث الشح الكامل، ودعا الأغنياء لتقديم الفوائض لديهم من أجل إعادة توزيعها على المنكوبين .
- ضرب من نفسه قدوة، حيث حلف ألا يذوق لحماً ولا سمناً حتى تتحسن أحوال الناس، ولقد أجمع الرواة على أن عمر كان صارماً في الوفاء بذلك القسم .
- إعداد معسكرات لاستقبال اللاجئين الذين يعانون المجاعات، وتعيين كوادر وظيفية مختلفة لإدارة تلك المعسكرات ولتقديم الخدمات الكافية إلى الفئات المستهدفة، فمنهم من يعملون العصائد والأطعمة اللازمة، ومنهم من يوزعونها .
- التوسع في "دار الدقيق" وخدماتها، وهي مؤسسة اقتصادية كان عمر بن الخطاب قد أسسها لتوفير الدقيق والسويق والتمر والزبيب للفقراء والمسافرين .
كان عمر بن الخطاب يشارك بنفسه في تفقد أحوال الناس مع الأمراء والعمال الذين كلفهم بذلك، وكان يشاركهم أيضاً في حمل المؤن إلى المحتاجين من خبز وزيت وغيرهما مما يتيسر توافره .
- لم يكتف بمجرد توزيع المؤن هو ومن معه من مسؤولين، بل كان يعلمهم كيف يرشدون الناس إلى كيفية الاستغلال الأمثل لما يحصلون عليه من مساعدات لزيادة الاستفادة منها بأكبر قدر ممكن، بل وكان يعلِم النساء كيفية الطهو الاقتصادي الصحيح .
- الاستعانة بأهل الأمصار: في مصر وبلاد الشام والعراق وفارس، وتشكيل لجان لاستقبال تلك الإعانات من هذه الأمصار، ثم توزيعها على القبائل في أماكنهم الأقرب إلى الجهات المتطوعة .
- وفي ذلك العام قام عمر بن الخطاب بوقف حد السرقة، حيث اعتبر أن الذي يأكل ما هو ملك للغير نتيجة شدة الجوع والعجز عن تدبير الطعام هو شخص مجبر أو مضطر لا يقصد السرقة بما يفعله، وقد تأثر الفقهاء بما فعله عمر هنا فظهرت القواعد الفقهية "لا قطع في المجاعة" (أي أن المحتاج إذا سرق ما يأكله فلا يوجب عليه قطع يده لأنه مضطر)، وذلك أسوة بما قرره عمر .
- تأخير دفع الزكاة في عام الرمادة لتلك الظروف الاستثنائية القاسية، ولما انتهت المجاعة وخصبت الأرض تم جمع الزكاة المتأخرة عن ذلك العام، حيث اعتبرت ديناً على القادرين حتى يسد العجز لدى المحتاجين .
- الإكثار من صلاة الاستسقاء والاستغفار والدعاء تيقناً بأن الله وحده القادر على كشف ذلك البلاء .
لم يكن لدى عمر بن الخطاب خبراء اقتصاد وأساتذة تخطيط يستشيرهم في كيفية التعامل مع هذه الأزمة الاقتصادية الطاحنة، بل كان لديه ولدى أعوانه حس إسلامي صادق ونفوس تعمل بإخلاص من أجل رفع البلاء الذي لحق بالمسلمين .