قال تعالى: «وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون، ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون» (سورة النحل الآيتان: ٦٨، ٦٩).
كان للقرآن الكريم السبق في الكشف عن عالم النحل وأفرد سورة كاملة باسم «سورة النحل» مما يلفت انتباهنا إلى عظمة هذا المخلوق الصغير الذي تتجلى فيه قدرة الله تعالى.
ومملكة النحل فيها أنواع مختلفة الشكل والحجم وفصائل كالدبابير وغيرها وأهم أنواعها نحل العسل وقد اختص الله هذه الحشرة الصغيرة وأوحى إليها بنظامها وعملها ومأكلها.
يقول حسين الليثي في كتابه «الله خالق الكون الأعظم سبحانه»: تعتمد هذه الحشرة الصغيرة على مأكلها وشرابها من رحيق الزهور المختلفة في الحدائق والبساتين، فتخرج الشغالات من بيوتها إلى الطبيعة وتطير فوق الأشجار والجبال أو المناحل المخصصة لها في المزارع وتنطلق صوب الزهور اليانعة المتفتحة في الصباح الباكر وتدور حولها وتهبط عليها وتئز في دأب وصبر وتنتقل من زهرة إلى أخرى لتمتص عصارتها ورحيقها حتى ترتوي ولتبدأ طريق العودة الذي لا تخطئه مهما بعد مشوار جولتها، وتتجه إلى مدخل خاص بها في الخلية من دون زحام أو متاعب. كما أن للنحل قدرة فائقة على الشم والتذوق وبها يفرق بين جماعته والمجاميع الأخرى ولا يقع في أي خطأ».
ترى ما لا نراه
قال عز وجل: (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً ) فلقد زود الله سبحانه وتعالى النحلة بحواس تساعدها في رحلة الاستكشاف لجمع الغذاء فهي مزودة بحاسة شم قوية عن طريق قرني الاستشعار في مقدمتها وبعيون متطورة يمكنها أن تحس بالأشعة فوق البنفسجية، ولذلك فهي ترى ما لا تراه عيوننا، مثل بعض المسالك والنقوش التي ترشد وتقود إلى مختزن الرحيق ولا يمكننا الكشف عنها إلا بتصويرها بالأشعة فوق البنفسجية.
وفى داخل الخلية تقوم عاملات النحل ببناء الأقراص وبها العيون السداسية الشكل بواسطة الشمع الذي تفرزه من بطونها وتثبته ليلتصق ببعضه مكوناً الأقراص ذات الوحدات السداسية المتساوية الأضلاع تماماً بشكل دقيق، ويضم مجتمع النحل عشرات الآلاف من الأفراد في المستعمرة الواحدة والتي تقودها الملكة الأم المميزة بكبر حجمها وضخامة بطنها، حيث تضع بيضة واحدة في كل شكل سداسي بالأقراص. وتعيش الملكة عدة سنوات، بينما يكون عمر العاملات حوالي ستة أسابيع، وذكر النحل يكون أقل حجماً ولا يقوم بالمشاركة في أعمال الخلية وتقتصر مهمته على إخصاب الملكة فقط.
وأثبت العلم الحديث أنه توجد لغة كيميائية لدى الكثير من الحشرات للتخاطب فيما بينها للحصول على الغذاء أو للدفاع عن النفس أو التعرف على بعضها أو لمعرفة مكان معيشتها أو لإحكام السيطرة على مناطق النفوذ.. ومن تلك الحشرات النحلة التي تقوم بإفراز مادة تعرف باسم «الجرانيول» عندما تعثر على مصدر لرحيق الأزهار، حيث تنتشر هذه المادة في الهواء فتجذب باقي الشغالات لهذا المصدر، وعلى الرغم من أن هذه المادة توجد في تكوين زيوت الورد، إلا أن الشغالات لا تخطئ الرائحة وعندما يدخل أحد الغرباء مملكة النحل تقوم بعض الشغالات على الفور بلسعه بقسوة وعنف حتى الموت، ثم يأتي العديد من الشغالات إلى الخلية مندفعة نحو هذا الدخيل وتلسعه على الرغم من موته، ويرجع ذلك إلى أن الشغالات التى تهاجم في البداية تفرز مقداراً صغيراً جداً من مادة خاصة تعمل على اجتذاب مئات الشغالات وتسبب لها هياجاً يدفعها إلى اللسع في المكان نفسه.
وكشفت البحوث أن لملكة النحل دورها المهم في تنظيم دورة التكاثر في الخلية، حيث تقوم بإفراز بعض المواد الكيماوية التي ما أن تتناولها الشغالات حتى تتوقف عملية نمو المبايض في أجسامها، كما أنها تفقدها القدرة على بناء الخلايا الملكية، مما يساعد الملكة على إحكام السيطرة على خليتها.
وعسل النحل الناتج عن رحيق زهور أشجار الموالح يعتبر من أجود الأنواع لتميزه بوجود رائحة الأزهار فيه ولونه الشفاف ويليه في الأهمية العسل الناتج عن رحيق نوارة زهرة البرسيم في الحقول، ويعتبر موسم نوارة زهرة البرسيم هوالموسم الرئيسي لنشاط عاملات النحل التي تصل إليه مهما كان البعد، ثم تأتى فترة الركود للعاملات لعدم وجود مصادر للرحيق في موسمي الخريف والشتاء، وفي تلك الفترة يتغذى النحل في داخل الخلية على بعض أقراص العسل والشمع حتى مطلع الموسم الزهري الجديد في البساتين والحقول وهو لا يخطئ مواعيده أبداً.
غذاء ودواء
وقد أشار القرآن الكريم إلى أهمية وقيمة عسل النحل ومكانته، فهو غذاء ودواء وفيه شفاء للناس بما يحتويه من عناصر ومكونات سكرية ومعدنية وأخرى غير معروفة ولعل فيها السر الأعظم لأهمية عسل النحل في شفاء الأمراض وهى حقيقة علمية، أثبتتها التحاليل لهذه المادة لما تتمتع به من خواص مضادة للجراثيم.
يقول الدكتور محمد محمود عبدالله في كتابه «مع الطب في القرآن»: هذا الشراب الرباني جعل الحق تعالى فيه شفاء من كل داء واقترن بالقرآن في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالشفاءين العسل والقرآن» وكان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو يدفع الفضلات المجتمعة في المعدة، ويجلو الأمعاء من التراكمات التي تتركها الأغذية الفاسدة، وهو ملين سهل الهضم، مفيد لمرضى القلب فأثناء عملية هضمه لا تضغط المعدة على القلب فترهقه، والسبب في ذلك أنه أحادي، أي أنه هضم في بطن النحلة، عكس عسل قصب السكر فإنه ثنائي الهضم. ويفيد العسل الأطفال والشيوخ لما له من أنزيمات، وهو منشط للكبد وللدورة الدموية، ومولد للطاقة.
ويحتوى عسل النحل على دكستروز وأملاح ومواد نباتية وأنزيمات وحبوب لقاح وماء، وهو سريع التمثيل في الجسم لأن سكرياته أحادية وهي فركتوز وجلوكوز بنسبة 80% يمتصها الجسم مباشرة من دون أدنى تعب، وبه أملاح وفيتامينات (أ، ب، ج، ه) ونحو 5% من حامض الفوميك، كما يحتوى على 3% من البروتين، و5% من المعادن.والعسل قاتل للميكروبات نظراً لاحتوائه على أكثر من 80% من السكر والأبيض منه يحتوى على الماء وعلى أكسجين قاتل للجراثيم لأنه غني بالبوتاسيوم الذي يسحب من الجراثيم رطوبتها اللازمة لضرورة حياتها فتموت من الجفاف.
وأيضا كشفت الأبحاث العلمية الحديثة أن للعسل تأثيراً فعالاً في نمو الأطفال الرضع عندما يضاف إلى لبن الأم، وهو يقوي الأسنان ونمو العظام في الصغير. ومن عظيم صنع الخالق سبحانه أن العسل لا يتلف الأسنان كباقي السكريات بل يعالج اللثة وقت التسنين.
عسل مشع
وقد اكتشف الكيميائي الفرنسى «ألن كاياس» كميات من الراديوم في عسل النحل، وهذا العسل المشع يداوي كثير من الأورام الخبيثة. ويقلل من نزلات البرد ويشفى كثيراً من أمراض العيون كالتهاب القرنية، وهو مضاد للتعفن ويجعل الجلد قوياً متيناً أملس. وقد أوصى العالم ابن سينا باستعماله لبخة لعلاج الجروح السطحية بعد خلطه بالدقيق، كما استعمل مزيج العسل مع زيت كبد الحوت في علاج الجروح المتقيحة.
ويقول بعض علماء السويد إن أكثر من 60% من حالات الصداع النصفى تم شفاؤها بالعسل. ويضاف عسل النحل إلى كوب من الحليب الدافئ قبل النوم فينام من يعانون من الأرق والهواجس. ويضاف إلى عصير الليمون للوقاية من نزلات البرد، كما يستعمل علاجاً للكحة وحرقان الحلق. ويضاف إلى عصير البرتقال وخميرة البيرة، فيكون مزيجاً مغذياً منشطاً فاتحاً للشهية ومقوياً عاماً.
ويستعمل العسل علاجاً لمدمني الخمر لما فيه من سكر الفركتوز الذي يساعد على أكسدة الكحول بالكبد. وكذلك في علاج مرضى الكبد لأنه يساعد على إزالة السموم وبواقي تفاعل بعض المواد بالكبد. كما يستخدم العسل المركز في علاج الحروق وقيل: إن وضع عسل النحل على الحرق يجعله يلتئم سريعاً ولا يترك أثراً. ويستخدمه الأطباء في مستحضرات التجميل والتدليك، حيث إنه ينعم البشرة ويحميها ويعالجها من التشققات والقشف وأثبت أن له تأثيراً عظيماً على الشفاه وجلد اليدين.
وفي دراسة حديثة عن أثر العسل في إفرازات المعدة من أحماض وأنزيمات، تبين أنه يهبط بإفراز حامض الهيدروكلوريك إلى معدله الطبيعي، مما يساعد على التئام قرحة المعدة والاثني عشر. كما أن العسل من أنجح الأدوية في علاج حموضة المعدة والنزيف المعدي والإمساك وثبت بالتجارب أن معظم الذين يصابون بلدغ النحل (سم النحل) يصبحون بمنجاة من الحمى الروماتيزمية، وكذلك يشفي من حالات التهاب الأعصاب وعرق النسا، ويفيد في بعض الأمراض الجلدية مثل الطفح الدملي، ومرض الذئبة، وكذلك يستخدم في علاج الملاريا وقد أمكن استخراج وإعداد سم النحل لاستخدامه في تنشيط الغدد وفي علاج أمراض النقرس والحميات المختلفة والتهاب المفاصل ويستخدم صمغ النحل في علاج الكثير من الأمراض.
غذاء ملكات النحل
ومن المنتجات غذاء ملكات النحل، وهو غذاء ثمين غني بالفيتامينات والهرمونات المنشطة للأجهزة التناسلية البشرية، كما يتميز بقدرته العالية على قتل الميكروبات وأثره الفعال في علاج أمراض الشيخوخة والالتهابات المختلفة وتنبيه الأوعية الدموية. وفي تحسين الشهية وتنظيم ضربات القلب وزيادة مقاومة الأمراض المعدية وله نتائج مذهلة في علاج حالات القروح كما يؤخر أعراض سن اليأس للنساء حيث يصبحن قادرات على الإنجاب مرة أخرى كما ينشط الغدد الصماء التي بدورها تنشط القوة الجنسية ويوسع الأوعية الدموية ويعالج حالات ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب ويخفض الكوليسترول في الدم وينظم وظيفة الغدد الصماء.
ومن جهته يقول محمد كامل عبد الصمد في كتابه «الإعجاز العلمي في الإسلام»: كشفت الدراسات العلمية الحديثة أن تناول العسل يقضي على الجراثيم وفقر الدم وضغط التسمم الناشئ من أمراض أعضاء في الجسم مثل التسمم البولي، والناتج من أمراض الكبد والمعدة والأمعاء.