قال تعالى: الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً أولئك في ضلال بعيد (إبراهيم: 3)
بينت الآية الأولى بعض صفات الكافرين، وجزاءهم، وقد وقفنا في المقالة السابقة على الصفة الأولى لهم: الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، وبينا أن المذموم ألا يكون الانشغال بالدنيا مسخراً من أجل الآخرة، كما أن استحباب الحياة الدنيا على الآخرة يصطدم بتكاليف الإيمان، ويتعارض مع الاستقامة على الصراط. وليس الأمر كذلك حيث تستحب الآخرة، لأنه عندئذ تصلح الدنيا، ويصبح المتاع بها معتدلاً، ويراعى فيه وجه الله، فلا يقع التعارض بين استحباب الآخرة ومتاع هذه الحياة. إن الذين يوجهون قلوبهم للآخرة لا يخسرون متاع الحياة الدنيا.. فصلاح الآخرة في الاسلام يقتضي صلاح هذه الدنيا، والإيمان بالله يقتضي حسن الخلافة في الأرض، وحسن الخلافة في الأرض هو استعمارها والتمتع بطيباتها. إنه لا تعطيل للحياة في الاسلام انتظاراً للآخرة، ولكن تعمير للحياة بالحق والعدل والاستقامة ابتغاء رضوان الله، وتمهيداً للآخرة، هذا هو الاسلام.
الصد عن سبيل الله
ولنعد إلى الآية الكريمة، لنقف أمام الصفة الثانية من صفات الكافرين: ويصدون عن سبيل الله، أي يقفون حائلاً أمام من يرغب في الإيمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فهم لا يكتفون بعدم هدايتهم وإعراضهم عن سبيل الهدى بل يمنعون غيرهم عن سلوك الطريق المستقيم، والتعبير بالمضارع فيه إشارة إلى تكرر صدهم عن سبيل الله.
وقرأ الحسن البصري ويُصِدون (بضم الياء وكسر الصاد). والمعنى أنهم أعرضوا عن سبيل الله، وحضوا غيرهم على الإعراض عن سبيل الله، وذلك بالجمع بين القراءتين. وقد كان أبو لهب وغيره يذهبون إلى مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم مع القبائل يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعون أبناء هذه القبائل إلى الاعراض أو عدم الاستماع، وأشد أنواع الصد عن سبيل الله ايذاء المتبعين لسبيل الله وتعذيبهم ليحملوهم على الردة عن دينهم.
ومن أشد أنواع الصد عن سبيل الله أيضاً ما نراه اليوم من بعض المسلمين من سلوك مشين، وأفعال فاضحة، وأخلاق معوجة، وعادات غريبة، وهؤلاء المحسوبون على الاسلام يعطون صورة مشوهة عن المسلمين، وقد يكونون سبباً في صد كثير من غير المسلمين الذين يفكرون في الدخول إلى الاسلام بهذه العيوب التي يتصفون بها.
ألا فليكن المسلم وكذلك المسلمة خير سفير لدينه، وخير داعية لإسلامه بسلوكه المستقيم، وأخلاقه النبيلة، وتعاملاته الحسنة حتى مع غير المسلمين، لعل الله يهدي على يديه من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، واضافة السبيل إلى الله في قوله: ويصدون عن سبيل الله، لإظهار بشاعة الجرم وفظاعته، ولذا أوثر التعبير بلفظ الجلالة، وإفراد السبيل، للدلالة على أن سبيل الهداية، وطريق النجاة ومنهج الحق واحد وبين لا تشعب فيه ولا اختلاط.
ويبغونها عوجاً
أما الصفة الثالثة المذمومة من صفات الكافرين المذكورة في الآية الكريمة فهي: ويبغونها عوجا، أي: ويحبون أن تكون سبيل الله مائلة، لموافقة أهوائهم وأغراضهم، وسبيل الله مستقيمة في نفسها لا يضرها من خالفها ولا من خذلها.
وقيل: المعنى: أنهم يلتمسون الدنيا من غير وجهها، لأن نعمة الله لا تستمد إلا بطاعته دون معصيته. والضمير في قوله ويبغونها عائد إلى سبيل الله، لأن السبيل يذكر ويؤنث. ومن شواهد تأنيثه أيضاً قوله تعالى: قل هذه سبيلي (يوسف: 108) ومن شواهد تذكيره قوله تعالى: وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا (الأعراف: 146). تأمل معي سر إيثار الفعل (بغى) في قوله تعالى: ويبغونها ولماذا أوثر على الفعل (أحب) أو (طلب) أو (أراد) أو أي فعل آخر مناسب للمعنى؟ إن مادة الفعل (بغى) تدور حول مجاوزة الحد، يقال: بَغَى الجُرح: إذا تجاوز الحد في فساده، وبغت المرأة إذا فَجَرت وذلك لتجاوزها إلى ما ليس لها. وبَغَت السماء: تجاوزت في المطر حَد المحتاج إليه. وبَغَى: تكبر وذلك لتجاوزه منزلته إلى ما ليس له. والبَغْي ضربان: محمود وهو تجاوز شيء إلى شيء أفضل منه، كتجاوز العدل إلى الاحسان مثلاً. والضرب الثاني من البغي مذموم، كتجاوز الحق إلى الباطل، والخير إلى الشر. ولأن البغي قد يكون محموداً ومذموماً، قال تعالى: إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، فخص سبحانه العقوبة بالبغي بغير حق، ولكن البغي في أكثر المواضع مذموم ومن شواهده قوله تعالى: إنما بغيكم على أنفسكم، ثم بُغِي عليه لينصرنه، إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم (القصص: 76)، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي (الحجرات: 9)، لعلك عرفت الآن سر إيثار الفعل (بغى) في الآية ألا وهو ملاءمته بدلالته على تجاوز الحد في أصل معناه لسياق التهديد والوعيد وتقديم الأدلة المادية لإدانة هؤلاء الكافرين الذين استحقوا العذاب الشديد. إن هؤلاء الذين يشوهون الاسلام ويرمونه بالتطرف، ويصفونه بأنه دين الإرهاب، وينعتون رسوله صلى الله عليه وسلم بأقذع النعوت ظلماً وبهتاناً ويصرون على نشر الرسوم المسيئة له غير مراعين حرمة نبي مُرسَل ولا مشاعر أكثر من مليار مسلم، إن هؤلاء يصدون عن سبيل الله، ويطلبون لهذه السبيل زيغا وميلاً لموافقة أهوائهم وقضاء حاجاتهم وشهواتهم، نقول لهؤلاء ولمن سار على دربهم من بني جلدتنا ممن يتسمى بأسمائنا ويتكلم بلساننا، ويسير على درب أعدائنا، نقول لهؤلاء جميعاً: خسئتم فنور الاسلام لن ينطفئ أبداً بإذن الله، وصدق الله العظيم القائل: يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (الصف 8 9).
الرسوخ في الكفر
ولنعد إلى بيان الآية الكريمة ويبغونها عوجا والعوج ضد الاستقامة، والعَوَج (بفتح العين) يقال فيما يدرك بالبصر سهلاً أي في الأجسام كالخشب المنتصب ونحوه، والعِوج (بكسر العين) يقال فيما يدرك بالفكر والبصيرة أي في المعاني كالدين والمعاش، ومن شواهده أيضاً قوله تعالى: قرآناً عربياً غير ذي عوج (الزمر 28)، والإخبار عن السبيل بالمصدر (عوجا) للمبالغة في اختلاق النقائص التي تنفر الناس من اتباع سبيل الله والدخول إلى الاسلام. وتأمل معي التعبير عن الكافرين باسم الفاعل في قوله تعالى: وويل للكافرين من عذاب شديد (إبراهيم: 2)، والتعبير عن صفاتهم الثلاث بالفعل المضارع يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، ويصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجا ولعل السر في ذلك هو أن التعبير عنهم باسم الفاعل أو بالجملة الاسمية للدلالة كما قلنا على ثبات الكفر فيهم ورسوخهم فيه، وتمكنه منهم فالكفر من الاعتقادات العقلية التي لا يناسبها التكرر، لأنه ليس من الأفعال ولكنه من الانفعالات، فلذلك خولف بينه وبين وصفهم باستحباب الحياة الدنيا على الآخرة، وبالصد عن سبيل الله وبَغْي إظهار العوج، لأن تلك من الأفعال القابلة للتكرير، وختمت الآية الكريمة بقوله تعالى أولئك في ضلال بعيد، واسم الاشارة في محل رفع مبتدأ، وفي ضلال بعيد في محل رفع خبر، ووصف ضلالهم بالبعد، لأن اجتماع الصفات المذكورة فيهم نهاية الضلال وغايته، وإذا كانت جملة الصلة وما عطف عليها قد بينت علة وعيدهم وتهديدهم بالعذاب الشديد، فإن الاشارة في قوله: أولئك في ضلال بعيد للتنبيه على أنهم جديرون بما وصفوا به من الضلال. ودل حرف الظرفية (في) على المبالغة في كثرة ضلال الموصوفين بالأوصاف السابقة، فهؤلاء غارقون في الضلال وفي الاتصاف به، والتمكن منه، والظرفية هنا مجازية، لأن الضلال معنوي لا حسي، والتجوز في مدخول الحرف على حسب رأي الزمخشري، وفي الحرف ذاته كما يفهم من كلام العز بن عبدالسلام، وفي وصف الضلال بالبعد مجاز عقلي بعلاقة المصدرية، فالبعيد حقيقة هم أهل الضلال بميلهم عن الآخرة إلى الدنيا، وبطلبهم العوج فيما قومه الله تعالى وأقامه. وبلاغة المجاز هنا الدلالة على المبالغة في الاتصاف بالضلال، ويجوز أن يكون البعد وصفاً للضلال، بمعنى أن هؤلاء الكافرين قد أوغلوا في الضلال إيغالاً شديداً، حتى بعدوا عن الطريق السوي بُعدا لا يرجى منه هدايتهم. والغرض بيان غاية التباعد والتنافر والتضاد وأنه بعد عن الحق لا يوازن. وعلى كلا التقديرين فإن المراد الاشارة إلى التمايز بين الحق والباطل أو ما بين أهلهما، فأهل الحق لهم سماتهم التي تميزهم عن أهل الباطل، فلهم ما يميزهم في تعاملاتهم وسلوكهم ومناهجهم وتصوراتهم ومبادئهم، ولهم ما يميزهم في أخلاقهم، وتشريعاتهم ونظمهم وقوانينهم المستمدة من شريعتهم الغراء، ومن العجب أن ترى انطماس الفوارق بين أهل الحق وأهل الباطل في كثير من البلاد الاسلامية، حيث ترى ذوبان تلك الفوارق في إعلامها إلا ما رحم ربي الذي ينشر رذائل أهل الباطل، وترى انمحاق تلك الهوية الاسلامية في مجون كثير من شبابنا المسلم، وخلاعة بعض بناتنا وترى ذلك جلياً أيضاً في الأخذ بعادات أهل الباطل، والهرولة وراء كل ناعق منهم يأتي ببدعة جديدة. إن شخصية أهل الحق يجب أن تكون شخصية رزينة وقوراً يشع منها نور الحق والهداية المستمد من صراط الله المستقيم.
بقي لنا في هذه الآية الكريمة أن نشير إلى أن قوله تعالى أولئك في ضلال بعيد فيه تأكيد لما أشعر به بناء الحكم بالكفر على الموصول، والمراد أنهم قد ضلوا عن الحق ووقعوا عنه بمراحل.
ندعو الله أن يجعلنا من أهل صراطه المستقيم وأن يبصرنا بالحق ويثبتنا عليه، والله أعلم بمراده، والحمد لله رب العالمين.
لا جمود ولا انزواء
أصحاب الأفق الضيق، والفكر العَطِن يظنون أن الاسلام يدفع أبناءه إلى الجمود والانزواء وعدم التمتع بالطيبات وكأن المسلم ما خُلِق إلا ليبقى بجوار مقبرته ليستعد للموت، والقرآن الكريم يدفع تلك الفرية في آيات كثيرة ومنها قوله تعالى: قل من حَرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون (الأعراف: 32)، وما أكثر الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تحث على العمل والسعي في الأرض، وخير شاهد على هذا من الأحاديث الشريفة قوله صلى الله عليه وسلم: إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن يغرسها فليغرسها.