مثل الفشل المهين الذي تعرضت له منسقية أحزاب المعارضة الموريتانية نهاية الأسبوع الماضي في أول اعتصام لها يطالب برحيل النظام، خيبة أمل كبيرة لدى أنصار المعارضة بعد أشهر من الحشد والتهديد والوعيد، انتهت بتفرج الأمن الموريتاني على كومة من الأحذية التي غادرها أصحابها على عجل وانتعلوا التراب مولين الأدبار يوم الزحف، وسط موجة من السخرية من طرف الرئيس ووزراء ومسؤولي النظام الذين لم يفوتوا ضربة الحظ هذه لتهنئة أنفسهم على نجاح الحل الأمني في أول مواجهة، فيما تشعل الموالاة قرى ومدن البلاد على وقع مهرجانات كلنا عزيز (الرئيس)، حيث تصاعد أداء الموالاة بشكل غير مسبوق، وبدأت لأول مرة برد صاعات المعارضة من موقف قوة منذ لجوء الطرفين للشارع .

ما حدث فجر الخميس الماضي في ساحة ابن عباس وسط نواكشوط، يقول بعبارة واحدة إن المعارضة الموريتانية تعاني من هوة كبيرة بين مستوى التنظير والقدرة على التطبيق الميداني للشعارات، والأخطر من ذلك أن المعارضة لم تستطع استثمار كمها البشري لتوظيفه بشكل مؤثر في طريقة ميادين التحرير العربية التي عنونت بها نشاطاتها . بل لعلها رسخت مفهوم الخبرة الأمنية الموريتانية في التغلب على الشارع من دون خسائر، فلا جرحى ولا معتقلون، وكأن شيئا لم يحدث .

هذا الخطأ الفادح الذي سجل على منسقية المعارضة دفعت إليه مجموعة من الإجراءات منها تصلب تيارات معينة في المعارضة على رأيها بتسيير الاعتصام في وقت غير مناسب، حيث نجح نظام ولد عبد العزيز في استثمار الحادثة التي هزت البلاد، بعد إقدام بيرام ولد الداه ولد أعبيدي رئيس منظمة إيرا على حرق أمهات كتب المذهب المالكي بالعاصمة نواكشوط واصفا إياها ب كتب النخاسة التي تشجع على الرق، وهكذا أخذ النظام خيط النجاة وعبأ الرأي العام ضد الحليف السابق للمعارضة، وأظهر نفسه حامياً لمقدسات الدين بردة فعله القوية والسريعة، وحيث انشغل الرأي العام بحماية الدين، الأولى من البحث عن المكاسب السياسية والصراعات الضيقة .

بالقدر ذاته، لم تتخذ المعارضة إجراءات صمود الاعتصام، وفق وصفات الربيع العربي، فتركت ميدان اعتصامها مفتوحا لعملاء النظام وبلطجيته، وأبقت عددا محدودا من الجمهور للاعتصام، ولم تشاغل السلطات على جبهات أخرى . . بل راح المعتصمون يغطون في سبات عميق وكأنهم يبحثون عن نوع الأحلام التي تأتي عبر النوم، وليس تلك التي تصنع في اليقظة بسواعد النضال، فيما كان الرئيس الموريتاني يشرف بنفسه على الخطة الأمنية لتفكيك الاعتصام، ما يؤشر إلى جديته واستعداده للمواجهة، وعدم الاستهزاء بالخصوم .

إلا أن زعماء المعارضة الموريتانية، لم يضيعوا الوقت في النواح وتبادل اللوم، وشرعوا في إعادة توجيه استراتيجية التصعيد، وهم منذ أيام يخططون لنقلة نوعية في الشارع تأخذ في الحسبان أسباب فشل اعتصام بشائر الحسم، ومن ذلك إبقاء الساحة مشتعلة سياسيا واجتماعياً على وقع التظاهرات والمسيرات والحرب الإعلامية الضروس التي تركز على حرق شخص الرئيس وإظهار عجزه عن إدارة ملفات البلاد .

لقد أعاد الفشل المبكر لأول اعتصامات الرحيل، وفشل المنسقية في التحليق من ساحة ابن عباس إلى المعارضة الموريتانية بعضاً من وعي متطلبات الواقع، وها هي بحسب تسريبات خاصة ل الخليج تدرس سبل إزاحة النظام بطرق أكثر واقعية وأكثر إحكاماً وأكثر سعة زمنية .

بل إن هناك مؤشرات على أن شخصيات وقوى في المعارضة أصبحت على قناعة بأنه لم يحن الوقت بعد لتجاوز دور مؤسسة الجيش، وأنه من الضروري البحث عن سبيل للتغيير التقليدي، وهو ما قد يأخذ بعض الوقت، خاصة وأن الرئيس ولد عبد العزيز، وهو جنرال وابن الجيش، لم يبخل منذ سنوات في سد منافذ التغيير من داخل المؤسسة، لكن يجب هنا استحضار كم عصفت حوادث فردية بتماسك الجيش وراء الأنظمة السابقة، حتى إن أشخاصاً من خارج الجيش قادوا محاولات انقلابية كان لارتداداتها في النهاية الفضل في الإطاحة بأنظمة عتيدة .

ولكن قبل ذلك باتت المعارضة الموريتانية أمام تحد راهن يتعلق باستعادة الشارع وثقته في قدرتها على التغيير، وهو ما لا يتوقع حدوثه بشكل مؤثر من دون تظاهرات غير مسبوقة أو اعتصام لافت، تثبت المعارضة من خلاله قدرتها على المواجهة والثبات في وجه الآلة القمعية للنظام، التي حتى الآن أثبتت تفوقها في القمع الناعم الذي يحقق الهدف من دون ضحايا .

صحيح أن الرئيس الأسبق العقيد أعلي ولد فال، خاطب الشعب الموريتاني بعد فشل الاعتصام قائلا إن للحرية ثمناً وإنها تنتزع داعياً الشعب وقواه الحية إلى تقديم التضحيات، إلا أن أغلب زعماء منسقية المعارضة الموريتانية لم يقتنعوا حتى الآن بضرورة تقديم قرابين بشرية من أجل الثورة التي يخططون لها، ولا يزال هدفهم حتى الآن هو توتير وتأزيم الساحة وتأليب الرأي العام ونقل حالة اللاستقرار إلى مستوى يفرض التغيير السلمي من خارج أو داخل النظام القائم .

هذه الاستراتجية أرادت بعض القوى في المنسقية تجاوزها من خلال بشائر الحسم، واتضح الآن أن فرن تلك الآلية لم يكن مهيأ لحرق كمية كبيرة من المراحل، وأنه لا بد من التدرج، ليس على مدى أسابيع بل أشهر إن لم نقل سنوات، إذ إن قوى سياسية مناوئة لا ترى في ما يجري إلا ضرورة التحضير لانتخابات 2014 .

الورقة الوحيدة الرابحة التي خرجت بها المنسقية من فشل الاعتصام الأول هو أن النظام لجأ للقمع، فهذه هي المرة الأولى منذ الانتخابات الرئاسية الماضية التي يستخدم فيها نظام الرئيس ولد عبد العزيز القمع وسيلة لمواجهة المعارضة الديمقراطية (المعارضة الدستورية الرسمية) وفي وجه نشاط احتجاجي سلمي، إذ كان الرئيس يتفاخر بأجواء الحرية، وبأن المعارضة تقول وتفعل ما تشاء، بل ذهبت به الحماسة في إحدى تصريحاته الأخيرة لوسائل الإعلام الأوروبية إلى حد أنه طلب من وزير الداخلية تشجيع المعارضة على المزيد من التظاهر . وها هو اليوم لا يملك بديلا عن القمع في مواجهة آلاف الموريتانيين المطالبين برحيله، لكن الرئيس أيضا يدرك رغبة حلفائه الخارجيين في بقائه، بدليل عدد الاستشارات الأمنية التي يتلقاها في هذا المجال، والدعم المعنوي والمادي لنظامه الذي قطع شوطا بعيدا في تسليح الجيش وإعداده لمواجهة الإرهاب في منطقة الساحل .

ومع ذلك يدرك الرئيس أن الوصول إلى السلطة مطمح لدى كل موريتاني بلغ سن الرشد، وفق تعبير الكاتب الموريتاني محمد الأمين ولد محمودي، فكيف بهذه المعارضة المتحفزة والمتماسكة التي لم تلجمها كل الإجراءات عن المطالبة برحيل النظام، وكيف باستحقاقات التغيير في شبه المنطقة، وكيف بالانقلابيين النائمين، وكيف بحسابات الربح والخسارة لدى جيران نواكشوط .

وهكذا لم يلتقط الرئيس أنفاسه، ولم يخصص وقتاً كثيراً لتوزيع أنخاب الاحتفال بفشل اعتصام بشائر النصر، وأمر برفع وتيرة الحملة المضادة لتصعيد المعارضة، وبدا الأسبوع الماضي وكأن وزراء الحكومة عينوا لتسيير التظاهرات والمهرجانات في جميع ولايات البلاد وقراها، حيث توزعوا شرق وغرب وشمال وجنوب البلاد في مهرجانات عاصفة كيلت فيها كل أنواع الشتائم للزعماء العجائز الحالمين بالثورة، والساعين إلى الفوضى وعودة أنظمة الفساد .

لم يدخر الوزراء أي وسيلة للسخرية من المعارضة الموريتانية ودعوتها للثورة ومن فرار زعمائها مع أول سيارة إطفاء، وأكدوا أن ما لم تحصل عليه المعارضة بالانتخابات لن تحصل عليه بغيرها في ظل نظام نفذ أكثر من 70% من برنامجه الانتخابي خلال نصف مأموريته .

من جانبهم، أكد زعماء المنسقية أن صبرهم نفد إزاء نظام الرئيس البليد، والجنرال الفاسد، وأنه لا خيار أمامهم سوى إزاحة محمد ولد عبد العزيز سيئ الأخلاق، وفق تعبير أحمد ولد داداه زعيم المعارضة .

لم يقف خطاب طرفي الأزمة الموريتانية عند حد معين، فقد خرق هذا الخطاب كل السقوف، وواصل الصعود في حمى الهيجان اللفظي التي تجتاح الجميع .

وهكذا دعت المعارضة لمسيرة جديدة أمس الأربعاء (9-5-2012) واعتصام جديد تحت شعار ماضون في حسم الرحيل، وذلك بنفس ساحة ابن عباس، ما يؤكد إصرار المنسقية على مواصلة خيار الشارع .

وتقول مصادر المعارضة إن الزعماء درسوا بشكل موسع سبل تأمين الاعتصام، والدخول في المواجهة إذا قرر النظام الاستمرار في انتهاج الحل الأمني لمنع الاعتصامات القادمة .

هذا في ما رفع النظام وتيرة إجراءاته الأمنية تحسبا لأي تطور قد تقدم عليه المعارضة، فضلا عن عسكرة كل إمكانات الدولة وطواقمها البشرية لمصلحة حملته الدعائية المتصاعدة في الشارع .

لم يعد في إعصار الأزمة الموريتانية مكان لصوت الحكمة، لقد تراجعت المحاولات الخجولة للوسطاء الداخليين، أما الخارجيون فلم تفلح جهودهم السرية، وباتوا على ما يبدو في موقف المتفرج على وقع شارع لا يخلو من تظاهرة .