المختار السالم:
اكتمل هذا الأسبوع إجماع الأطراف السياسية الرئيسية الثلاثة في موريتانيا على الدعوة للحوار واعتباره مخرجاً وحيداً من الأزمة السياسية التي ترزح تحت وطأتها البلاد .فقد أخذ نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز وحزبه الحاكم، المبادرة بالدعوة من جديد للحوار مع كافة الأطراف السياسية في المعارضة سواء تلك التي شاركت في الانتخابات الأخيرة أو تلك التي قاطعتها، واستقبل ولد عبد العزيز أعضاء المكتب الجديد لمؤسسة زعيم المعارضة الديمقراطية، وأبلغ الرئيس ضيوفه باستعداده للحوار حول كافة الملفات التي تشغل بال النخبة السياسية والرأي العام في البلاد سواء جانبها السياسي أو الاجتماعي والاقتصادي، ولكن ولد عبد العزيز لم يتجاوز في عرضه "الأسلوب الافتراضي" دون التطرق إلى الضمانات التي تطالب بها المعارضة كشرط للدخول في الحوار .
أعلن ولد داداه في مؤتمر صحفي عقده بنواكشوط السياسة الجديدة لمنتدى المعارضة، أكبر ائتلاف معارض في البلاد، دعوته للحوار، وإن كان كشف عن خطوة راديكالية في هذا الإطار، حيث أعلن أن المعارضة ستتوجه بحشدها إلى الداخل لإجبار رأس النظام على الجلوس إلى طاولة الحوار الجدي الشامل، وبذلك يرفع زعيم المنتدى لافتة الشارع، وما تعنيه من متاعب سياسية وأمنية للنظام فضلاً عن استمرار الحملة الإعلامية التشويهية المستمرة منذ سنوات، والتي تضيف إلى كناشها كل أسبوع موضوعاً جديداً .
أما مسعود ولد بلخير، زعيم ائتلاف المعارضة المعتدلة (المعاهدة من أجل التناوب السلمي على السلطة)، فهو يعرض الحوار الصريح الشامل حول كل الملفات، وولد بلخير، الذي يرأس تحالفاً قوياً من الناصريين وحركة "الحر"، أمضى الأشهر الأربعة الماضية في حوار ماراثوني بين القصر الرئاسي ومكاتب رؤساء أحزاب المعارضة، ورغم التكتم الشديد على فحوى تلك اللقاءات، فقد بات واضحاً أنها تتعلق بالدخول في حوار سياسي جديد تشارك فيه جميع الأطراف ويشمل كل المواضيع .
لا تخفي المعارضة الموريتانية بشقيها الراديكالي والمعتدل أن الضمانات المطلوبة للحوار المرتقب تنطلق من تنظيم انتخابات تشريعية وبلدية سابقة لأوانها، وبالاتفاق قبل ذلك على آلية انتخابية مستقلة، كما أن داخل ائتلاف أحزاب الموالاة ذاتها عشرات الأحزاب الراغبة في دخول انتخابات جديدة، بعد خسارتها في الانتخابات الماضية بسبب ما وصفته بالتزوير وعدم حياد لجنة الانتخابات .
إذاً، جوهر الضمانات المطلوبة رسمياً من طرف المعارضة يتعلق أساساً بالمشاركة السياسية عبر اللجوء لتحكيم صناديق الاقتراع في التشريعيات، وفق ما صرح به ل"الخليج" الدكتور عبد السلام ولد حرمة، الرئيس الدوري لائتلاف المعارضة المعتدلة .
غير أن اللجوء للتشريعيات وغيرها من "إصلاحات" قد يكون أمراً ثانوياً في ترتيب أوراق المرحلة المقبلة أمام انشغال ما يعرف ب"النخبة السياسية العميقة" في هذه الفترة بترتيب بيت الحكم مستقبلاً .
فداخل النخبة العميقة، تتردد بقوة أصداء المفاجأة التي قدمها زعيم ائتلاف المعارضة المعتدلة مسعود ولد بلخير في لقاءات الكواليس، وكشفتها "الخليج" في وقت سابق، وهي عرضه صفقة سياسية تقوم على تعديل دستوري يسمح بولاية رئاسية ثالثة من جهة ويسمح برفع سن الترشح للرئاسة من جهة ثانية .
إجراء من هذا النوع سيخدم الرئيس الحالي ولد عبد العزيز عبر السماح له بالترشح لولاية رئاسية ثالثة، وهو موضوع أثير منذ فترة على وقع مؤشرات أولية تدل على أن "الجنرال" القوي لن يغادر السلطة في نهاية المأمورية الثانية والأخيرة دستوريا، وأنه سيلجأ إلى أكثر من خيار لإبقاء قبضته على حكم البلاد، إما بطريقة "بوتينية"، أو بطريقة إجماع شعبي وطني، أو بطريقة مبتكرة من طرف "رجل المبادرات الصعبة" .
وبالقدر ذاته سيخدم تغيير الدستور الزعيمين التاريخيين للمعارضة أحمد ولد داداه ومسعود ولد بلخير، اللذين تجاوزا السن القانونية للترشح لمنصب الرئاسية (75 عاماً) .
وهذا الثلاثي بفضل نفوذ السلطة وشرعية النضال التاريخي والميداني، قد يكون مؤهلاً للتغلب على الكثير من العقبات في حال التوصل لاتفاق سياسي على شكل الصفقة التي قد تتحول إلى كرة ثلج، وإن كانت كرات الثلج لا تعمر كثيراً في الصحراء، إذ إن مقترح تعديل الدستور، الذي عرض في لقاءات متعددة، يقابل برفض قوي من أطراف فاعلة في الساحة السياسية، وحسب معلومات "الخليج" فإن الرافضين والمتضررين من ملف الولاية الرئاسية وفتح سن الترشح، أكثر بكثير من المستفيدين من هذا الملف، والذين لا يتجاوزون على أرض الواقع الرئيس الحالي ولد عبد العزيز، وزعيمي معارضته ولد داداه وولد بلخير .
وكان اليسار الموريتاني، الذي يضم 20 ألف عضو، ويعتبر من أرسخ القوى السياسية في البلاد، أول من أعلن رفضه فكرة "الولاية الرئاسية الثالثة"، باعتبارها من "المستحيلات" .
وتفيد التسريبات بتزايد المناوئين لمقترح الولاية الرئاسية الثالثة داخل المدنيين والعسكريين من السلطة نفسها، هذا فضلاً عن الموقف الدولي والإقليمي من تغيير الدستور للبقاء في الرئاسة، وهو الموقف الذي أعلنه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في رسالة واضحة دعا فيها الرؤساء الأفارقة إلى أخذ العبرة مما حدث في بوركينافاسو .
والواقع على ضوء ما تقدم أن المشهد السياسي الموريتاني ملتبس إلى حد كبير، رغم الدعوات والمبادرات إلى الحوار واعتباره "حلاً سحرياً" لأزمة مستعصية منذ سنوات، والسؤال عن الغد القادم يؤرق النخبة السياسية والثقافية، والمواطن البسيط على حد السواء .
ويرى الكاتب والمحلل السياسي عبدالله ولد البو، أن التحولات التي خلفتها المحطات الماضية من عمليات لي الذراع بين نظام ولد عبدالعزيز وزعماء المعارضة التاريخية، من جهة، وتأثير التطورات الإقليمية والعربية منها على وجه الخصوص من جهة أخرى، تفرض الآن على الفرقاء الموريتانيين تغيير العديد من قواعد اللعبة، وهو ما يترجمه توجه الأنظار إلى انفتاح الأطراف السياسية الرئيسية على حوار قد يحول مسار العملية السياسية، إذا تمخضت مخرجاته عن صيغة توافقية بين اللاعبين الرئيسيين، لأن البديل عن "وفاق اللاعبين الرئيسيين" على مخرج من عنق الزجاجة هو تمكن "الطرف الثالث" من إكمال استراتيجيته في ظل معارضة مقسمة إن لم نقل مشتة وزعماؤها مهمشون ويتوجهون ل"التقاعد الانتخابي"، وأغلبية لم تفلح خلال السنين الماضية في تشكيل قوة سيّاسيّة حقيقية، كما أن رئيسها، بدوره، يعبر الآن ولايته الرئاسية الأخيرة .
وهكذا مع استمرار غياب قوة رئيسية ذات طابع مستديم، يمكن أن تنهض بدور فاعل ومؤثر، وفي ظل الارتهان للتوازنات القبلية التقليدية، والنفوذ الفردي و"اللوبيوي"، لا محيد من أن قوى أخرى تتهيأ لشغل الفراغ الذي سيخلفه انسحاب "الكبار الحاليين" من المشهد الانتخابي الرئاسي مستقبلاً .
وهذا ما يفسر الحراك الموازي على جبهات أخرى، لعل من أكثرها لفتاً للانتباه نشاطات الرئيس الأسبق العقيد علي ولد محمد فال، الذي برز، مؤخراً، إلى الساحة وبشكل لافت مكثفاً من خرجاته الإعلامية سواء عبرالمقالات، والبيانات الصحفية أو المقابلات والمداخلات، أو من خلال اللقاءات الخارجية التي أجراها في باريس وعواصم القرار الإقليمي ودول الجوار .
يبدو العقيد من خلال حملته السياسية والإعلامية المكثفة داخلياً وخارجياً، أنه بدأ حملته الانتخابية مبكراً، وأنه يحاول أن يقدم نفسه كمشروع سياسي وانتخابي مقبول لدى الجيش، وهو ابن مؤسسته، ولدى الرأي العام الداخلي عبر دوره في التحول الديمقراطي الذي شهدته البلاد (2005-2007)، وكذلك رصيده السياسي لدى أغلبية الأطراف الدولية .
العقيد ولد محمد فال يخطط للعودة إلى الحكم من بوابة الانتخابات، بعد أن فشل رهانه على "ثورة ربيع في موريتانيا"، وهو الآن من أكبر المستفيدين من خلافات النظام والمعارضة، ومن الوضع الدستوري الحالي الذي فرض على خصومه ومنافسيه "التقاعد الانتخابي المميت"، والذي يبدو أنه وراء تلمس "الزعماء التاريخيين" لمخرج من الورطة المرتقبة التي لا يمكن تجنبها إلا بتعديل دستوري .
ويدرك العقيد ولد فال أن لجوء نخبة القرار الحالية إلى تغيير الدستور "مغامرة" صعبة ومكلفة سياسياً وأخلاقياً، بل إنها قد تتحول إلى مبرر للانقلابات العسكرية، في وقت بدأ فيه العقيد عزفه على وضعية الجيش وتراكم المظالم داخل صفوفه، وانتقاد إقحامه في "مغامرات" خارجية بالتوازي مع انتقاده تهميش النظام لموالاته السياسية .
ما هو مؤكد في هذا الإطار أن الحوار الموريتاني المرتقب قد يكون أصعب الحلول بالنسبة للأطراف الرئيسية التي تتحرك بحذر شديد لتفادي الوقوع في فخ الخروج من اللعبة مع نهاية المأمورية الرئاسية الحالية التي بدأت منذ أشهر فقط . وهذا ما يعكس صدقية الطرح القائل إن الصراع السياسي في موريتانيا هو صراع على كرسي الحكم أكثر منه صراع برامج ومواقف .