أصبحت قصات الشعر الغريبة التي انتشرت بين بعض الشباب في شارعنا العربي، مصدر إزعاج وتهديد لهويته العربية، إذ فاقت تقاليع الشعر حد التجمل والتأنق إلى حد التقليد الأعمى لثقافات شعوب أخرى، لا يرى شبابنا منها الا الكتابة على الشعر أو أنبوب الجل الذي يستخدم في تثبيت شعره، غير مدركين ما حققته هذه البلدان من تطور في كل المجلات. وتعكس سطحية هؤلاء الشباب، وانبهارهم بالشكل على حساب المضمون، في ظل غياب الدور الأسري في مراحل مهمة مثل المراهقة، فقد يلجأ الكثيرون منهم إلى التمرد والتقليد واثبات الذات بطريقة تثير كثيراً من التساؤلات حاولنا الإجابة عليها.

خليل محمود (18 عاما) الذي يخفي شعره معظم وجهه بسبب كثافته، يرى أن موضة شعره أو طريقة قصه لا يجب أن يتدخل فيها أحد، فالموضوع برمته بالنسبة له حرية شخصية غير قابلة للنقاش. وعلى الرغم من رفضه التصوير، إلا أنه تحدث عن رحلة تركه لشعره من دون يقترب منه مقص الحلاق لقرابة العام ليحصل في النهاية على موضة الهيبز التي يراها الأقرب إلى شخصيته، مشيرا إلى أنه مل من القصات العادية والتي ظل ينفذها منذ طفولته حتى العامين الماضيين. وعن مدى تقبل الناس لشكله بشعره الكثيف، يؤكد أن مدرسته الأجنبية تتيح له مطلق الحرية في اختيار ملابسه وقصة شعره، مادام الأمر غير مؤذيا ويسبب الإزعاج لمعتقدات وانتماءات الآخرين، وعن الانتقادات التي توجه له ومصدرها يقول: تعودت على ذلك، وأرى في أعين الغرباء الدهشة، أما المقربون والأصدقاء فتعودوا على شكلي، وعن أسلوب العناية بشعره وتكلفة ذلك أشار أنه يذهب إلى مصفف الشعر مرة كل شهر تقريبا لغسله بالمرطبات، أم التكلفة فوصفها بالعادية وغير الباهظة.

ومن الشباب من يرى أن التجديد هو طابعهم وأهم شيء يميزهم، كما يقول شريف رومانو ( 24 عاما)، الذي حفر في رأسه ثلاث علامات فوق أذنيه.

ويرى أن الشباب يأخذون على عاتقهم التطوير والتغيير في الموضة وجميع مناحي الحياة، معتبراً الشعر والملابس من أهم الأشياء التي لابد وأن تتغير من وقت إلى آخر عن طريقهم، وذلك لكسر الرتابة وإضفاء جو من الحيوية والحياة لأيامهم.

وعن السبب المباشر وراء وجود علامات على رأسه واستعراب الآخرين لذلك يقول: إنه مجرد التغيير، وإن استغراب الآخرين أمر لا يهمه، بل الذي يهمه هو نظرته لنفسه بالأساس واقتناعه بحاله واللوك الخاص بيه ، وهو ما يؤثر حسب رأيه على حالته النفسية وتحركاته في الشوارع ومراكز التسوق، حيث يرى أن نظرة الآخرين له تعطيه على حد تعبيره دفعة للتحرك والتميز بين الناس، وعن تكلفة ذلك يضيف رومانو أن الأمر غير مكلف بالمرة، على العكس موفر، فهو يذهب للحلاق مرة شهرياً يزيل فيها شعره بالماكينة على قياس رقم واحد أما حفر العلامات فتكون بمقاس رقم صفر.

عدوى

ويرى كثير من الشباب الذين يقدمون على تلك القصات الغريبة، أن ما يدفعهم لفعل ذلك هو الجري وراء ما يعرف ب النيولوك أو الطلة الجديدة على مجتمعهم والمحيطين بهم، متأثرين بما يجريه بعض زملائهم، ومن ثم تتنقل عدوى التقليعة أو الموضة فيما بينهم، وهو ما قام به حسام إبراهيم وأخوه على، اللذان وجدا في موضة اسبايكي شكلاً جديداً، لا يكلفها شيء سوى أنبوبة جيل مثبت للشعر، وعن هذه الموضة يقول حسام الأخ الأكبر إن زميله لفت نظره عندما قام بتهيش شعره في وضع رأسي، وهو ما أعجبه وجربه لينجح في رسم ملامح جديدة لشكله، ويقول أخوه الأصغر علي الذي ظهر بنفس الشكل، أنه لا يعتبر هذا من قبيل الموضة أو غير ذلك،لأنه يقلد فقط ما يفعله أخوه الأكبر، وهو ما رآه جيد وملفت ومستحسناً بين الأصدقاء . وهناك من بين الشباب من هو غير راض عن ما يراه من تقاليع وصفوها بالدخيلة على مجتمعاتنا العربية المعروفة بالوسطية والحد المعقول في كل شيء، وهو ما اتفق معه تماما عبد الله التوميني (26 عاما). ويرى أن هؤلاء الشباب فاقدون لهويتهم العربية ومغيبون وخاضعون لتأثير التقليد الأعمى للنماذج الغربية ونجوم السينما والمطربين، مشيرا إلى أننا أخذنا من الغرب التافه وتركنا كل نافع.

ويتفق معه خالد عبد المنعم ( 20 عاما )، ويرى أن الموضة في حد ذاتها شيء جميل شريطة التطابق مع العادات والشكل العربي، ويقول إننا في النهاية عرب وطابعنا الرجولي مختلف عنه في أوروبا وأمريكا، ولا يعني هذا أن يكون الشخص متخلفاً أو غير مساير للموضة ولكن يراعي الحدود.

موضات

كنا قديماً نسمع عن كريمات التغذية أو الزيوت الطبيعية التي يصفها الآباء لنا للتغلب على ما قد يصيب الشعر من جفاف جراء تعرضة للشمس، أو تعويضا عن ما يفقده في مياه البحر المالحة، لكننا لم نسمع عن تلك المصطلحات والأدوات والتقنيات الحديثة مثل كهربة الشعر وحرقه أو تثبيته بكريمات الشمع حتى لا يتحرك تحت أقصى الظروف الجوية.

وعن ذلك يقول مصفف الشعر عزيز، إن هناك موضات كثيرة للشعر ومن بينها الشعر الكيرلي الطويل أو الهيبز واسبايكي وميسي وهي قصات وتسريحات يقبل عليها الشباب هذه الايام، مستخدمين كريمات الواكس أو الشمع والاسبريهات المثبتة للشعر، ويضيف أن هناك موضات تناسب طبيعة كل شعر، فالهيبر تناسب الخشن واسبايكي للناعم، مشيرا الى أنه من الشعر الخشن لا توجد له كثيرا من القصات أو التسريحات الا بعد عمل فرد أو تمليس للشعر، ومن ثم قصه أو تسريحه حسب ذوق صاحبه، كما أوضح أن المجتمع العربي قد لا يستوعب الكثير من القصات وألوان الشعر الغريبة والهاي لايت، مشيرا إلى استيعابه لكثير من الموضات المألوفة والعملية مع الرجل.

تمرد

يمر الشباب في مرحلة المراهقة، بحسب الدكتور جورج ونيس الاخصائي النفسي، بما يعرف بمرحلة التمرد أو إثبات الذات وهو ما قد يدفعهم إلى اتخاذ أشكال غريبة من الموضة تميز كلاً منهم عن أقرانه. ويرجع ذلك إلى الفراغ لدى كثر من الشباب، حيث لا يستطيع الشاب فاقد التوجيه ملء وقت فراغه، لا سيما في غياب دور الأسرة الحيوي والأساسي لعبور هذه المرحلة، فيترك الشاب للأصدقاء ووسائل الأعلام والانترنت لاستقاء المعلومات المغلوطة، بالإضافة إلى تأثره وتقليده لنجوم السينما والتلفزيون، الذين يرى فيهم المثل الأعلى والقدوة التي يفتقدها في حضن الأسرة. ويشير إلى أنه من الممكن توجيه تلك الطاقة السلبية المهدورة في سلوك إيجابي نافع للمجتمع، عن طريق لفت انتباه هؤلاء الشباب إلى أهمية النظر للمضمون أكثر من تقليد الشكل.

كلاسيكي نهاراً واسبايكي مساء

تفرض طبيعة عمل محمد محسن (25 عاما ) عليه أن يلبس زيه الرسمي لكونه موظفا في أحد البنوك الكبرى، ولكنه عند زيارة الحلاق يطلب منه أن تلائم القصة التي ينفذها له تسريحته المفضلة وهي اسبايكي ليلاً أو بعد انتهاء الدوام، فتراه نهاراً وسط زملائه في المصرف بالزي المناسب للمكان، وتسريحته الكلاسيكي، أما بعد الدوام فيصبح شخصا آخر من الشعر حتى الملابس. ولديه من الخبرة ما يكفيه لتغيير مظهر شعره، ويقول عن هذه الازدواجية أنها تريحه وتعطيه الطاقة اللازمة لتحمل أعباء العمل بالزي الرسمي للمصرف، وأن ما يفعله ليلا أو بعد الانتهاء من العمل، فهو نوع من الحياة الطبيعية البعيدة عن التعقيدات والروتين، لا سيما لو تعلق الأمر بالشعر والمظهر، والذي يراه يعكس شخصيته ويجعله يتصرف براحة وعفوية مع الأصدقاء والأهل.