مسقط - "الخليج":
على امتداد 2015 تحتفي "ولاية نزوى" العاصمة الأقدم لسلطنة عُمان و"بيضة الإسلام" كما تقدمها كتب التاريخ، بكونها عاصمة الثقافة الإسلامية، بعد أن اختارتها المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم "إيسيسكو" لتحمل هذا اللقب المشرف وتكون محط أنظار العالمين العربي والإسلامي لتقدم صورة حقيقية للحضارة الإسلامية ذات المنزع الإنساني إلى العالم أجمع من خلال إبراز المضامين الثقافية والقيم الإنسانية للحضارة العمانية وبعدها الإسلامي .
إذا ما كان الحديث الذي يدور اليوم في العالم أجمع حديث حوار الحضارات وتقاربها فإن مدينة نزوى جديرة بأن تطرح هذا الدور وتعرف بما قامت به على مر العصور الطويلة الماضية يوم كانت ملتقى حضارياً ومركزاً للتبادل المعرفي، وبقعة مضيئة للتعايش والتفاهم بين مختلف القيم الإنسانية .
تعد ولاية نزوى من أقدم المدن العمانية، حيث يقدر عمرها اليوم بأكثر من 24 قرناً، حيث تشير بعض اللقى الأثرية إلى استيطانها من قبل الفرس في مرحلة من المراحل، حيث تستطيع إلى يومنا هذا أن تجد بعض المواقع التي تحمل أسماءً فارسية فيها .
التغير النوعي للمدينة كان بعد دخول الإسلام إليها، تحت حكم آل الجلندي الذين كانوا يتخذون من ولاية صحار عاصمة لهم، وفي تلك المرحلة كان الكثير من أهالي نزوى يهاجرون إلى العراق وبشكل خاص إلى البصرة لتلقي العلم، ومنهم جابر بن زيد الذي عاد بعد أن نفاه الحجاج الثقفي في زمن الخلافة الأموية إلى نزوى .
ظلت نزوى عاصمة تقليدية لعُمان لفترات طويلة من الزمان، مستفيدة من موقعها الجغرافي الحصين أسفل سفوح الجبل الأخضر، الجبل الأكثر تحصيناً والأكثر حضوراً في السياق التاريخي العماني، إلى جانب دورها التجاري والعلمي والثقافي الذي ساهم في لعبها دور العاصمة السياسية للبلاد .
القارئ للتاريخ العماني القديم لابد له أن يمر عبر مدرستين معرفيتين كان لهما حضورهما في سياق تطور عُمان، هاتان المدرستان هما المدرسة النزوانية "نسبة إلى نزوى" والمدرسة الرستاقية "نسبة إلى الرستاق"، وكانت المدرسة النزوانية قد أمدت المشهد الفكري والعلمي والثقافي العماني بالكثير من العلماء ذوي الشأن في التاريخ الإسلامي مثل الشيخ أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي (557ه) صاحب كتاب "المصنف" الذي طُبع في 41 جزءاً، وكذلك الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي (580ه) صاحب موسوعة "بيان الشرع"، التي طُبعت في 72 جزءاً، إلى جانب عدد من الأسماء الكبيرة التي برزت كأعلام ثقافية وتركت خلفها عدداً من المؤلفات التي لا تزال حتى يومنا هذا من أهم المراجع الثقافية والعلمية، إلى جانب مئات المجلدات من الكتب الفكرية والفقهية وكتب علم الكلام وكتب النحو وغيرها من العلوم .
وتعتبر قلعة نزوى الشهباء من أروع وأضخم المآثر الحضارية والتاريخية في عمان، فموقعها الممتاز في وسط مدينة نزوى بجوار مركزها السياسي قديماً جعلها من أهم معالم المدينة على الإطلاق، تم بناؤها في عهد الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي الذي خلف الإمامة من الولي الصالح الإمام ناصر بن مرشد في العام (1668م) وكانت عمان يومها تتمتع بمكانة عالمية مرموقة حيث تمتد ممتلكاتها عبر البحار إلى جنوب شرقي إفريقيا وإلى أجزاء من شبه القارة الهندية وتبسط شبه سيطرة كاملة على مياه الخليج العربي . هذه القلعة اليوم شاهد عيان على قصة أمجاد خالدة سجل فيها العمانيون القدماء ملاحم أسطورية وصلت بسمعتهم إلى أقاصي الأرض، يبلغ ارتفاع هذه القلعة 24 متراً بينما يبلغ قطرها من الخارج 43 متراً أما قطرها الداخلي فيبلغ 39 مترا، مما يشير إلى سماكة جدرانها الخارجية التي تربو عن المترين والتي ساهمت في حمايتها من هجمات الأعداء على مر القرون .
توجد في القلعة 25 فتحة دفاعية على ارتفاع 15 متراً، إلى جانب 120 فتحة أخرى في أعلى البرج الدائري الكبير على ارتفاع 24 متراً، هذا التصميم الدفاعي المميز جعل من قلعة نزوى الشهباء مكاناً عصياً على الاقتحام ومركزاً آمناً لأهله وسكانه .
"نزوى" اليوم وعلى الرغم من التطور والنهضة الحديثة التي شهدتها في عهد السلطان قابوس بن سعيد، استطاعت الحفاظ على إرثها التاريخي العريق، حيث تجد عدداً من المعالم التاريخية الأصيلة التي تشكل في مجموعها نمطاً عمرانياً عمانياً فريداً من نوعه، تتمثل فيه هندسة البناء المعماري الأصيل مع النقوش الفريدة التي تجمع بتناغم تام بين المحلية العمانية والتأثيرات الحضارية القادمة عبر الحدود، يتمثل هذا الدمج البارع في القلاع والحصون، وعشرات الجوامع القديمة التي تضمها المدينة، مثل جامع سعال الذي يقال إنه بني في السنة الثامنة من الهجرة ويعتبر ثاني مسجد في نزوى ويقع في منطقة سعال وسط الحارة المسماة بحارة الجامع، أو مسجد الشواذنة الذي ينسب إلى مؤسسه عيسى بن عبدالله بن شاذان ويقع في حارة العقر ويعتبر من أقدم المساجد في نزوى، ويقال إنه أول مسجد بني فيها، وتدل النقوش أنه أعيد تجديده في السنة السابعة بعد المائة من الهجرة .
و"نزوى" اليوم عاصمة للثقافة الإسلامية، وهي تتحضر منذ الآن لتنظيم عدد من الفعاليات والمعارض والندوات والأمسيات والمحاضرات الثقافية والبحوث والدراسات والأنشطة الإعلامية، إضافة إلى مجموعة من الأيام والأسابيع الثقافية التي ستجعل منها محط أنظار العالم على امتداد العام ،2015 إضافة إلى تدشين المركز الثقافي الجديد منتصف هذا العام، والذي سيشكل إضافة ثقافية نوعية للمدينة بما سيحتويه من مسارح ومكتبات عامة، وناد علمي ومعرض للأعمال الفنية، وناد للموسيقى، ومعرض للآثار وغيرها من المرافق الثقافية والفنية التي تمتد على مساحة تقارب عشرة آلاف متر مربع وسط عاصمة عمان الأولى "نزوى" .