كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو حامل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع من ابنته زينب فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها .
ليس يخفى أن المرأة كانت بغيضة إلى الناس جميعاً في كل زمان ومكان، وأن الإسلام هو الذي رفع خسيستها، وأعلى منزلتها بين العالمين، وأن رسول الله صلوات الله عليه لم يدع فرصة تسنح إلا افترصها لتحقيق هذه الغاية الشريفة .
ولقد كان العرب في جاهليتهم، وفيما بقي من هذه الجاهلية بعد الإسلام، أضيق الخلق صدراً بالأنثى من النساء، على ما يصور ذلك القرآن الكريم: "وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون" .
ومن أقوى مظاهر التكريم للأنثى أن يراها المسلمون على عاتق رسول الله في الصلاة التي هي أشرف صور العبودية لله رب العالمين، وكأنه صلوات الله عليه يقول للأمة التي ابتعثه الله إليها نعمة ورحمة: إن الأنثى التي تكرهونها أشد كره، وتضيقون بها أبلغ ضيق، هي التي أتقرب إلى الله بحملها بين يدي في الصلاة .
عن كتاب "قطوف من أدب النبوة" لأحمد حسن الباقوري
حوار- جمال إسماعيل:
يعد الدكتور محمد حمدي يوسف سباهتشي، مفتي صربيا رئيس مجلس العلماء بها، أحد الرموز الإسلامية المؤثرة في الساحة السياسية في صربيا والمناطق المحيطة بها، فقد ولد وتربى في بيت علم، فوالده الشيخ حمدي سباهتشي، المفتي السابق الذي درس بالأزهر وتزوج من سيدة مصرية أزهرية، وحرص الوالدان على أن يدرس ابنهما ''محمد'' في الأزهر حتى تخرج في كلية الدراسات الإسلامية والعربية، ليعود إلى بلاده ''صربيا''، ويتولى فيها منصب الإفتاء، ويمثلها في المؤتمرات الدولية .
"الخليج" التقته أثناء حضوره المؤتمر الإسلامي العالمي، الذي نظمه المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر . . وكان معه الحوار التالي:
* في البداية نود التعرف إلى بداية دخول الإسلام إلى صربيا حيث يظن البعض أنه حديث أو وليد السنوات الأخيرة التي تم فيها الحديث عن مشكلة مسلمي دول البلقان؟
- رغم اختلاف المؤرخين حول تاريخ محدد، إلا أن ما عليه شبه الإجماع هو أنه كان هناك وجود إسلامي ضعيف في منطقة البلقان بوجه عام من خلال القوافل التجارية بين المسلمين وأهالي هذه المنطقة، وزاد الوجود الإسلامي بشكل كبير بعد أن قامت جيوش السلطان سليمان القانوني في 1522 ميلادية بدخول بلغراد التي كانت حينئذ تحت سيطرة المجر .
* نعرف أن التركز الكبير للمسلمين في إقليم السنجق، فماذا عن الوجود الإسلامي في بقية البلاد؟
- بفضل الله الوجود الإسلامي منتشر في مختلف المدن الصربية، وخاصة العاصمة بلغراد التي بها عدد كبير من المسلمين نسبته 10 % من إجمالي عدد السكان، ويتنوع المسلمون بين الأصول الصربية والألبانية والتركية والعربية وكلهم من أهل السنة والجماعة والمذهب المنتشر عندنا هو المذهب الحنفي، ونحاول أن تسود بينهم روح الود والتعاون باستمرار حتى يستطيعوا صياغة حاضرهم ومستقبلهم بطريقة أفضل، والاستفادة من مشكلات الماضي وعلاجها من خلال الحوار والتفاهم وليس من خلال الصراع الدموي .
اتهامات ظالمة
* نشرت بعض الهيئات الصربية اتهامات للمسلمين بأنهم يهددون أمن واستقرار البلاد، فما ردكم على هذا الاتهام؟
- العكس هو الصحيح، لأن مسلمي صربيا هم ضحايا عدم الأمن والاستقرار، وليس العكس كما يروج المتعصبون، ولهذا فنحن نعمل على تفنيد كل هذه الأكاذيب والشائعات ضدنا، خاصة أن هذه الاتهامات تعد تمهيدا للقيام بحملات جديدة لانتهاك حقوق المسلمين وليس حل مشكلاتهم، ووصل الأمر إلى حد اتهام بعض المتطرفين الصرب لنا بعدم الولاء لصربيا ووصف المسلمين بأنهم متآمرون على الدولة وأنهم طابور خامس، مع أننا في الحقيقة نحب بلادنا بلا حدود ونطالب بأن يسود العدل والقانون فيها بلا تمييز بسبب عرق أو جنس أو دين، وأظن أن هذا المطلب عادل لا يعترض عليه أحد في أي زمان ومكان .
* ما أبرز المشكلات التي تواجه الأقلية المسلمة في صربيا؟
- أبرز المشكلات محاولات بعض الحكومات الصربية القيام بتهميش دور المسلمين في الحياة السياسية بل وممارسة بعض أشكال التمييز ضدهم، وخاصة في إقليم السنجق، حيث يشعر المسلمون، هناك بعدم تمتعهم بحقوق المواطنة كاملة مما زاد الهوة بينهم وبين بقية مواطني صربيا، ولهذا فقد عبرنا عن رفضنا لأي ممارسة لإحياء الأحقاد الدفينة التي كانت موجودة في السابق، ونطالب باستمرار بتحقيق العدالة والمساواة وسيادة القانون على جميع أفراد الشعب لمنع أي توتر، لأننا دعاة سلام وأمن واستقرار، كما أن هناك مشكلات أخرى أبرزها صعوبة التصريح لنا ببناء المساجد لأداء الشعائر، حيث لا يتناسب عددها إطلاقاً مع التواجد الإسلامي بصربيا، وكذلك ضرورة السماح لنا بإعداد مقابر بحرية مثلما هو حق لبقية أتباع الأديان، وأحياناً يتم السماح لبعض أعداء الوجود الإسلامي ببث سمومهم ضدنا كالسماح بنشر كتاب عنوانه "لؤلؤة المدينة" رغم ما فيه من تجريح لمشاعرنا لما يتضمنه من إساءة لمشاعر المسلمين من خلال التطاول على أم المؤمنين عائشة، بزعم حرية التعبير، كذلك ما يتعرض له بعض المسلمين في بعض المناطق من التضييق على حقوقهم الدينية، وعدم إعطائهم الحرية التامة في تدريس دينهم في المدارس .
* ماذا تفعلون حيال تلك المشكلات المتعددة؟
- نحن لا نتوقف عن المطالبة بحقنا الكامل الذي يكفله لنا الدستور كمواطنين كاملي المواطنة ونتواصل مع المسؤولين لتلبية مطالبنا بالحسنى والحوار والتفاهم، فنحن لسنا دعاة عنف أو تطرف ديني حتى مع المتطرفين دينيا من غير المسلمين وكما يقال في العربية "لا يضيع حق وراءه مطالب"، وفي الوقت نفسه نعمل على توحيد الصف الإسلامي، لأن في اتحادنا قوة لمطالبنا العادلة .
التعليم الديني
* ماذا عن التعليم الإسلامي لديكم باعتباره إحدى الوسائل الرئيسية لتأكيد هويتكم بعد فترة طويلة من الاضطهاد الشيوعي؟
- نعمل بكل جد على إنشاء مدارس وكليات للتعليم الديني، ولعل من أبرزها إنشاء كلية للدراسات الإسلامية في العاصمة بلغراد، إضافة إلى إنشاء جمعيات ودور حضانة إسلامية ولدينا مدرسة للأئمة أسستها دار الإفتاء في بداية هذا القرن، ويرتبط بهذا منع تكرار الماضي المرير الذي دفع فيه الآباء والأجداد الكثير من أجل استمرار الوجود الإسلامي في صربيا، فمثلا تم إحياء الذكرى ال 150 لتهجير الأجداد المسلمين من مملكة صربيا وبالتحديد في العام 1862 ميلادية .
* هل تؤثر مشكلاتكم الداخلية في التواصل مع العالم العربي والإسلامي؟
- رغم الصعوبات التي نواجهها إلا أننا مصرون على التواصل مع الأمتين العربية والإسلامية من خلال حضور المؤتمرات العلمية وزيارة المؤسسات الإسلامية الكبرى، وعقد اتفاقيات تعاون معها، وكذلك نتفاعل مع آلام أبناء الأمة، فمثلا قام مسلمو صربيا بتسليم مساعدات طبية لإخواننا في سوريا أكثر من مرة، ونتواصل مع كل أبناء الأمة قدر استطاعتنا لأن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم .
علاج الأخطاء
* قام الرئيس الصربي بتقليد والدكم الشيخ حمدي سباهتشي وساماً من الدرجة الأولى ووعد بعلاج الأخطاء الحكومية في حق المسلمين في الماضي . . فما دلالة ذلك بالنسبة لكم؟
- دلالته أن الحق أحق أن يتبع، وقد جاء في حيثيات التكريم أنه، رغم الظروف الصعبة التي يعيش فيها المسلمون منذ فترة طويلة، إلا أن والدي أسهم في تطوير التعاون بين القوميات والأديان والتسامح وتقديم وجه صربيا المشرف في الخارج منذ أن تم تعيينه قبل قرابة النصف قرن إماماً في بلغراد وعمل على خلق جسور للتعاون بين أتباع الأرثوذكسية والإسلام .
* يؤكد البعض أن المتطرفين الصرب ما زالوا أسرى الماضي العدائي ضد كل ما هو إسلامي . .هل هذا صحيح؟
- من المؤسف أن هذا صحيح فنحن لا نزال نعاني التعصب رغم زوال الحكم الشيوعي وهؤلاء المتطرفون يحاولون نشر الكراهية لنا باستدعاء ما حدث أثناء سيطرة العثمانيين على منطقة البلقان كلها وينسون أنه تم تدمير كل مساجد صربيا وعددها 412 مسجداً كبيراً بعد خروج العثمانيين ولم يتبق منها الآن إلا مسجد البيرق فقط ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل حاول المتطرفون الصرب إحراقه أكثر من مرة، كما أن هناك رفضاً لبناء مقابر لدفن موتى المسلمين، وكذلك الاستيلاء على أوقافهم، ومن المؤسف أن يتم هذا رغم أن الخطاب الإسلامبي في صربيا معتدل، ويريد بناء شراكة مع كل أبناء الوطن وعلى رأسهم الصرب الأرثوذكس .
* قدمت صربيا طلبا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي فهل تعتقد أن يكون لهذا تأثير إيجابي في أوضاع المسلمين وعلاج مشكلاتهم؟
- بالطبع لأن الاتحاد يهتم ببحث قضية العرقية والدينية في الدول الأعضاء في الاتحاد ويلزمها بتطبيق معايير موحدة على كل السكان بصرف النظر عن دينهم أو انتمائهم العرقي مما يحد من أي تجاوزات وانتهاكات خاصة بحقوق الإنسان، وبالتالي سيكون لهذا تأثير إيجابي في وضع مسلمي صربيا على اختلاف انتماءاتهم، بالإضافة إلى تأثير هذا الانضمام اقتصادياً من خلال التقليل من معاناة المسلمين من الفقر والبطالة .
مؤامرة عالمية
* باعتباركم من أبناء الأقليات الإسلامية هل ترى هناك مؤامرة على وجودكم في العالم الغربي؟
- رغم اختلاف الوضع من دولة لأخرى حسب توافق أبناء الأقلية المسلمة مع الأغلبية غير المسلمة، إلا أنه يمكن القول بوجود مؤامرة عالمية على الإسلام والمسلمين بوجه عام ليس في دول الأقليات الإسلامية فقط بل حتى في دول الأغلبية المسلمة أيضاً، ولهذا يجب على دول الأقلية والأغلبية المسلمة التنسيق والتعاون في وضع استراتيجية لمواجهة هذه المؤامرة، التي تستهدف عرقلة انتشار الإسلام والتصدي لنجاح الدعوة الإسلامية في العالم، ومن المؤسف أنه ساعد على نجاح هذه المؤامرة نسبيا انقسام المسلمين وتشرذمهم إلى فرق وجماعات .
* ماذا عن المؤسسات الدينية التي تحرص على نشر الثقافة الإسلامية بين مسلمي صربيا؟
- هناك العديد من المؤسسات الثقافية التي ترعاها المشيخة الإسلامية التي تعد الكيان الأكبر الذي يشرف على العمل الإسلامي في صربيا، حيث توجد دور لنشر كتب الثقافة الإسلامية والعديد من المجلات الدينية منها مجلة "صوت الإسلام"، التي تهتم بقضايا الإسلام والمسلمين، إضافة إلى مجلات طلاب المدارس الإسلامية، كما أن ظهور رموز الدعوة الإسلامية في مختلف وسائل الإعلام الصربية أسهم في توضيح حقيقة الإسلام وتصحيح الصورة المشوهة عنه .
* صدر منذ سنوات في الولايات المتحدة كتاب شهير عنوانه ''الإسلام والغرب بين التعاون والمواجهة'' وتمت ترجمته للغة العربية . . فما هي رؤيتكم لتلك القضية؟
- بداية من الخطأ التعميم في النظرة المتبادلة بين الإسلام والغرب، فليس كل الغرب معادياً للإسلام، وليس كل المسلمين أعداء للغرب، وإنما المسألة نسبية ويجب أن يكون الحكم فيها نسبياً، أما التعاون بين الإسلام والغرب فهو مجال متاح لكل ما فيه المصلحة المشتركة للطرفين من أجل إحقاق الحق ودفع الظلم وبناء جسور للثقة القائمة على تقوية روح التفاهم والحوار ليس على المستوي السياسي فحسب بل على مستوى المفكرين والمثقفين ومنظمات المجتمع المدني والجامعات، وبحيث يتم الابتعاد عن إحياء عداء الماضي التاريخي والحروب الدامية وما خلفته من سوء الظن المتبادل .
صراع الحضارات
* هل معنى هذا أنه يتم استدعاء ما يروج له المستشرق اليهودي في نظريته عن صراع الأديان والحضارات؟
- لاشك في أن الصورة السلبية المشتركة لكل من المسلمين والغربيين عن بعضهم بعضاً ما زالت تتحكم في حاضرهم، فالغربيون درسوا التاريخ جيدا ويعملون على منع التفوق الحضاري الإسلامي مرة أخرى، ولهذا يحاولون منع تفعيل أي وحدة أو نهضة إسلامية، ومن هنا يغلب على أبناء العالم الإسلامي الشعور بأنهم يتعرضون لمؤامرة وحصار غربي وأنهم في موقع الضعف والخطر دائماً، وأن الحروب الصليبية الغربية على المسلمين مازالت مستمرة حتى الآن ولكن بأشكال ومسميات مختلفة .
* ظهرت منذ سنوات مبادرة تبنتها منظمة اليونسكو للتصحيح المتبادل لصورة الآخر في المناهج الدراسية بين الغرب والعالم الإسلامي . . هل ترى ضرورة لإحياء وتفعيل مثل هذه المبادرة مرة أخرى؟
- لاشك في أن هذه مبادرة إيجابية وخطوة على الطريق السليم لإعادة بناء الثقة وتقليل الشكوك وسوء الظن المتبادل، وتتمثل إيجابياتها الأكبر في أن آثارها تستفيد منها الأجيال القادمة، التي يتم تأسيسها بناء على تلك الصورة الصحيحة التي يجب أن تكتمل من خلال تعاون القائمين على وضع تلك المناهج الدراسية لمختلف مراحل التعليم مع وسائل الإعلام ومؤسسات التثقيف والتربية، وقبل هذا كله تصحيح الصورة المشوهة لدى الرأي العام في الطرفين، لأن الأسرة هي التي تقوم بوضع اللبنة الأولى في عقل ووجدان الطفل عن الآخر ويصعب إحداث أي تغيير فيها مستقبلاً .