قرأت مؤخراً مقالاً نقدياً يكيل فيه كاتبه ما تيسر له من مدائح لفيلم جديد اعتبره تحفة، هو فيلم أول لمخرج شاب يصفه كاتب المقال بأنه موهبة عبقرية صاعدة، وقد أثار المديح الذي ورد في المقال استغرابي الشديد كوني شاهدت الفيلم واعتبرته فيلماً ضعيفاً جداً من جميع النواحي، لذلك أعدت قراءة المقال بحثاً عما يسعفني في المقال لفهم الفيلم بصورة جديدة أو لتصحيح نظرتي السلبية تجاهه، فلم أجد في المقال ما يعينني، وكل ما وجدته كان مدائح مجردة من أي تحديد وتفتقر إلى أي قيمة نقدية معرفية .

في العادة، يجري تقسيم النقد إلى نوعين رئيسيين، الأول منهما يسمى النقد التحليلي وهو نوع يفترض فيه أن يكون موضوعياً ومعرفياً، والثاني هو ما يطلق عليه صفة النقد الانطباعي وهو نقد ذاتي أساسه المشاعر والانفعالات التي راودت كاتبه حول الفيلم زمن المشاهدة، يصاغ أحيانا ببلاغة أدبية قد تثير إعجاب القراء، وقد يتضمن اجتهاداً في تفسير المعاني أو حشداً من المعلومات العامة المتعلقة بالفيلم وبمخرجه .

لا تنتمي الكتابات، من نوع المقال الذي أشرت إليه بداية، التي يمكن وصفها ب المدائحية إلى هذين النوعين من النقد . فهي كتابات غير أصيلة، لا تقول شيئاً محدداً عن الفيلم موضوع الكتابة، بل إن ما تتضمنه من كلام يمكن بسهولة نقله وتركيبه على أي فيلم آخر . هذا النوع من الكتابة نوع دارج، للأسف، في الصحافة العربية، وهو، حتى لا نظلم من يمارسونه من العرب، دارج أيضاً في الصحافة السينمائية في الدول الغربية، والفرق بين النقاد العرب والنقاد الغربيين هنا أن النقاد العرب يكتبون بنية طيبة وأحياناً نتيجة حماس شخصي لمخرج، في ما صار معروفاً أن العديد من النقاد الغربيين يكتبون لصالح شركات الإنتاج والتوزيع التي تستفيد من تعبيراتهم المدائحية وتشهرها في الإعلانات عن الأفلام وعلى أغلفة الأقراص المدمجة .

مشكلة النقد السينمائي أن ممارسته سهلة متاحة لكل هاو يطمح في الحصول على لقب ناقد سينمائي، وهي ممارسة تشبه في سهولتها سهولة مشاهدة الأفلام، ذلك أن الكتابة اللاحقة عن الفيلم لا تحتاج، لكي تطلق على نفسها لقب الكتابة النقدية، إلى أكثر من امتلاك البراعة اللغوية ويضاف إلى ذلك حفظ بعض المصطلحات السينمائية المتداولة والتعامل معها ككليشيه توضع بين ثنايا الأسطر حتى ولو كان موضعها غير مناسب ولو كان استخدامها غير صحيح من نوع، المونتاج وزوايا التصوير والإضاءة، وإدارة الممثلين، فيقال إن المونتاج كان معبراً نجح في خلق الإيقاع الجميل، وأن الكاميرا اقتربت بحنان من الشخصيات، وأن المخرج كان موفقاً في اختيار زوايا التصوير ولجأ إلى الإضاءة المعبرة، كما أن المخرج نجح في إدارة الممثلين، ولا نعدم أن يضيف الكاتب جملة من نوع: استخدم المخرج لغة السينما ببراعة من دون أن يقع في مطب إبراز العضلات . للوهلة الأولى، تبدو هذه الأقوال بحد ذاتها، بالنسبة للقارئ العام، طبيعية ولا غبار عليها، لكن القارىء المتخصص يستطيع أن يستشف من خلالها الجهل المبثوث في ثناياها في حال دقق في كل مصطلح على حدة . فالمونتاج مصطلح متعدد الأبعاد ويشمل وظائف كثيرة داخل الفيلم، منها سلاسة التتابع السردي ضمن البناء العام للفيلم، ومنها القطع والربط الصحيحين بين اللقطات، ومنها خلق دلالات جديدة، كما أن الاكتفاء بالقول إن المخرج نجح في اختيار زوايا التصوير يتجاهل واقع أن زوايا التصوير مجرد جزء من علاقات أكبر وأوسع تندرج تحت مفهوم الميزانسين أي إدارة المشهد بالعلاقة مع حركات الكاميرا وتحركات الممثلين داخل موقع التصوير، ومع أهمية، زاوية التصوير فإن التعامل معها كعنصر مستقل بحد ذاته يحيل السينما، أي فن الصور المتحركة، إلى فن الصورة الثابتة . والحديث عن نجاح المخرج في إدارة ممثليه لا يفسر ما هو المقصود بإدارة الممثلين، فهل المقصود هو الأداء أم تحركاتهم داخل اللقطة، كما أن هذا القول، في حال يقصد به الأداء، ينتقص من القدرة الإبداعية للممثل ويحوله إلى مجرد أداة يستخدمها المخرج كما يشاء، ويتجاهل في الوقت نفسه واقع أن كثيراً من المخرجين، لا يتمتعون بموهبة التمثيل و يعترفون صراحة بأنهم لا يمتلكون مهارة توجيه الممثل وتعليمه كيف يؤدي، لذلك يكتفون بشرح الأبعاد العامة للشخصية ثم يتركون للممثل حرية التصرف .

في واقع الأمر، وبغض النظر عن لقب الناقد السينمائي، الذي يتم اكتسابه جزافاً في معظم الأحيان، يمكن القول إن الذين يكتبون عن الأفلام يمكن تصنيفهم بعامة وفق ثلاث فئات: المحترفون، الهواة، وأخيراً، الصحافيون . ونظراً لكثرة من ينضمون إلى أسرة النقاد يتضح أن هذه المهنة مغوية لأن لها بريق معنوي يشبه إلى حد ما البريق الذي يحيط باسم النجم السينمائي أو المخرج السينمائي .

هذا الوضع الخاص بشيوع ممارسة النقد السينمائي لا نعثر على مثله في بقية المجالات النقدية الخاصة بالفنون والآداب الأخرى، حيث إن من يمارس هذه المهنة في العادة هم من أهل الاختصاص أو من ذوي العلاقة الذين قد تتفاوت قدراتهم المعرفية أو النقدية، قد تختلف مناهجهم، وقد يتميز أحدهم عن الآخر بموهبته التحليلية أو بأسلوبه في الكتابة، لكن تظل صفة واحدة تجمعهم وهي المقاربة النقدية الجدية للأعمال التي يتولون تحليلها أو الكتابة عنها، والاستخدام الصحيح للمصطلحات، حتى ولو كانت بعض المصطلحات، خاصة المصطلحات المترجمة عن لغات أجنبية لا تحظى بالإجماع ويختلف بشأن معادلها اللغوي العربي المجتهدون.