دراسة بحثية حول استدامة المياه الجوفية في مدينة العين، قام بها فريق بحثي من جامعة الإمارات، دقت جرس الإنذار لتحذر من عناصر عدّة ساهمت في هبوط مؤشرات المخزون الجوفي للآبار خلال عام 2017، حيث جاءت نسب السحب عالية مقابل التغذية الحقيقية والمتوقعة لسقوط الأمطار، ما دفع إلى المطالبة بوسائل واستراتيجيات جديدة لإدارة المياه الجوفية والمحافظة على استدامتها، وضرورة وجود مراقبة فعاله لتسريباتها، وفيما يأتي نرصد أهم ما أوصت به:
يوضح الدكتور أحمد مراد أستاذ جيولوجيا المياه في جامعة الإمارات، الآليات المستخدمة في إجراء هذه الدراسة، قائلاً: قمنا كفريق بحثي يضم أساتذة وباحثين من جامعة الإمارات، وهم الدكتور أمير جبر أستاذ الجيوفيزياء والدكتور صابر محمود أستاذ جيولوجيا المياه والدكتور حكيم صايبي أستاذ الجيوفيزياء، بالإضافة إلى مجموعة من طلبة قسم الجيولوجيا؛ بإجراء دراسة تفصيلية لخزان المياه الجوفية في عدة مناطق بالعين، بهدف دعم استدامة المياه الجوفية في المدينة، وذلك بواسطة حساب كميات مياه الأمطار الموسمية ونسب الارتشاح للخزان الجوفي بمناطق الدراسة، وقياس مستوى تذبذب المياه الجوفية من خلال مسوحات جيوفيزيائية، وباستخدام أحدث أجهزة الجيوفيزياء مثل التصوير الكهربي ثنائي الأبعاد والانكسار السيزمي، وتساعد هذه الآليات على مسح مناطق الدراسة للوقوف على الوضع الحالي للخزان الجوفي، ومعرفة مدى تأثره بكميات المياه التي تتعرض لها كثير من المناطق. وشملت الدراسة عدداً من آبار المياه المتاحة، والتنبؤ بنسب معدل الترشح وتغذية الخزان، وكذلك تحليل عينات المياه التي يتم الحصول عليها من الآبار لمتابعة مدى جودتها وملاءمتها للاستخدام.
ثلاث مناطق
ويتحدث الدكتور أمير جبر، أستاذ الجيوفيزياء عن أهمية الدراسة، ويقول: اعتمدت الدراسة على استخدام الطرق الجيوفيزيائية لإدارة المياه الجوفية للخزان الجوفي الرباعي، ومتابعة تذبذب مستوى المياه الجوفية في الجزء الغربي من جبل حفيت، حيث تم اختيار سبعة عشر خطاً جيولوجياً باستخدام الانكسار السيزمي، وثلاثة قطاعات جيولوجية للتصوير الكهربي ثنائي الأبعاد، وذلك بقياس المقاومة الكهربية للطبقات وعدد من الجاسات الكهربية الرأسية في بعض المناطق، وتشير نتائج هذه الدراسة إلى وجود ثلاث مناطق مختلفة حاملة للمياه، وهي الطبقات غير المشبعة والمشبعة جزئياً ومنطقة التشبع الكلي، ويتراوح عمق المياه في الطبقات غير المشبعة والمشبعة جزئياً ما بين 2-7 أمتار، ويرجع هذا التفاوت إلى وجود بعض الجيوب والتجمعات للمياه الضحلة، أما منطقة التشبع الكلي فيصل مستوى المياه بها ما بين 10-15متراً، وذلك لوجود طبقات صخور التجوية الأساسية.
ارتفاع المنسوب
ويتابع الدكتور حكيم صايبي، أستاذ الجيوفيزياء استعراض نتائج الدراسة، قائلاً: أكدت نتائج التصوير الكهربي ثنائي الأبعاد ERTعلى تفاوت أعماق المياه الجوفية في مناطق الدراسة، وبمراقبة وتكرار القياسات لمستوى المياه الجوفية خلال الأعوام السابقة 2014-2015 و 2016-2015 ، تبين أن مستوى المياه قد ارتفع من 12 و 19 متراً في بعض الآبار إلى حدود 19.5 و 13.5 متر، مما يشير إلى ارتفاع ملحوظ في منسوب مياه الآبار إلى ما يقرب المترين إلى ثلاثة أمتار تقريباً، مع تحسن جودة المياه، حيث قلت درجة ملوحتها عن التحليلات السابقة، ومن الجدير بالذكر أن عاصفة الأمطار الكثيفة التي هطلت على المنطقة في مارس عام 2016، ووصلت إلى حوالي 240 ملم / ساعة، كان لها الدور الأهم والأثر الفعال في إعادة شحن خزان المياه الجوفية، وتحسن نوعية المياه في مناطق الدراسة، ولكن بعض القياسات الحديثة لمياه الآبار في الوقت الحالي، وتحديداً بعد سقوط الأمطار الأخيرة في مارس 2017، تشير إلى انخفاض في مستوى المياه في بعض الآبار بمعدل يصل من 1.5-3 أمتار، وهذا يدل على أن نسبة سحب المياه من الآبار تفوق نسبة تغذيتها، كما تؤكد هذه القياسات أن تأثير المياه المتسربة يحتاج إلى وقت لقياسه ومعرفة معدل الزيادة المتوقعة على مستوى المياه الجوفية، وتوصي الدراسة بالمتابعة الدورية والمراقبة المستمرة من خلال إنشاء شبكة مراقبة تدار أوتوماتيكياً، و استخدام نفس الأساليب لتغطية معظم مناطق مدينة العين، حتى يصبح لها سجل يوثق تغييرات منسوب المياه في المدينة، كما توصي الدراسة بالبحث عن مدى قابلية إعادة الشحن الاصطناعي للآبار، وذلك لتعزيز إنتاجيتها وإدارتها بطريقة صحيحة والحفاظ على استدامتها.
مسوحات بطريقة الانكسار السيزمي
يقول الدكتور صابر محمود، أستاذ جيولوجيا المياه: تعتبر هذه الدراسة مرحلة تالية ومتقدمة لما تمت دراسته سابقاً؛ حيث اعتمدت على إجراء مسوحات للمنطقة بطريقة الانكسار السيزمي، وتم تحديد مستوى المياه الجوفية بمناطق مختلفة في مدينة العين، منها منطقة وادي العين والجانب الغربي لجبل حفيت ومنطقة المبزرة وسهل الجاو بالمنطقة الشرقية لجبل حفيت، وأوضحت المراحل الأولى من الدراسة تباين السرعات السيزمية وخواص المرونة، ما يدل على مستويات مختلفة للمياه الجوفية في تلك المناطق؛ حيث تراوحت نسبتها من 3 أمتار في بعض المواقع إلى 20 متراً في مواقع أخرى، كما أكدت كذلك تواجد تجمعات محدودة للمياه في جيوب وعدسات محلية، ويرجع السبب الرئيسي لهذا التباين السريع إلى تتابعات الطبقات الصخرية وتواجد بعض النطاقات الضحلة من الصخور قليلة المسامية أو المانعة لتسرب وترشح المياه للخزان الجوفي، مما قد يؤدي إلى ارتفاع مستوى المياه في تلك الأماكن، وتواجدها في مستويات ضحلة، وفقدان نسبة ليست بالقليلة من مياه الأمطار بالجفاف والتبخر على السطح.