اسمها الاصلي الذي ولدت به، هو الكسندرا نقولا بدران. وكان والدها، الى جانب هوايته للفن (كان يعمل مقاول بناء) شديد المحافظة الاجتماعية، وبالتالي شديد القسوة في تربية ابنته.
بدأ ظهور جمال صوتها منذ ان مسها سحر غناء محمد عبد الوهاب، الذي كانت تستمع الى اسطواناته من فونوغراف بيت الجيران، وكانت دون العاشرة بسنوات، أي في مطلع الثلاثينيات. أول ما علق في ذاكرتها من اغنيات عبد الوهاب القديمة، وراحت تدندن به بصوتها الطفولي، الموال الشهير اللي راح راح يا قلبي، والقصيدة الشهيرة يا جارة الوادي، وقد لفت جمال صوتها وأدائها كل من حولها، ابتداء من والدها القاسي الطباع، وصولا الى زوج عمتها ذي الطباع الاكثر رقة. وحدث في غياب الوالد في مواقع اخرى غير بيروت لدواعي عمله، ان بدأ زوج عمتها، يصطحبها الى كبار اساتذة وممارسي الموسيقا في ذلك الوقت المبكر مثل سليم الحلو ونقولا المني. ولما اتفق زوج عمتها مع والدتها على تنظيم حفلتها المسرحية الاولى، لم تكن قد تجاوزت التاسعة من عمرها. لكنهم ما أن أبلغوا الوالد خبر الحفلة، حتى فاجأها وراء الكواليس، بعد انتهاء الحفلة، ولم يمنعه هتاف الاستحسان الذي كانت تطلقه الجماهير من شد ابنته من شعرها، وحبسها في المنزل سنة كاملة عقابا لها.
لكن الوالد القاسي عاد فتنبه بعد ذلك الى ان صوت ابنته اجمل وأهم من ان يحبس بين جدران المنزل، فقرر أن يسمح لها بمزاولة الغناء، لكن شرط ان يكون رفيقها الدائم الى كل حفلة. وبقي بعد ذلك فعلا ملازما دائما لها في نشاطها الفني الكبير في بيروت وحلب، وانتقل معها الى القاهرة في سنوات مجدها السينمائي هناك بين العامين 1943 و1953.
لكن الكسندرا بدران بقيت قبل انتقالها الى القاهرة، مطربة مسرحية شهيرة في بيروت وحلب، تؤدي الوان الطرب الكلاسيكي، من اغنيات عبد الوهاب وأم كلثوم وفتحية أحمد. الى ان ضرب لها القدر موعدا مع سعدها الفني، بحضور يوسف وهبي احدى حفلاتها في حلب، فاذهله جمال صوتها وسحر ادائها، وحسن شكلها، فعرض عليها فورا عقدا للانتقال الى القاهرة والانخراط معه في بطولة افلام غنائية، كانت هي الموجة السائدة في القاهرة يومها، بعد نجاح افلام عبد الوهاب وأم كلثوم في الثلاثينات.
وقد روت لي المطربة الكبيرة، في اكثر من لقاء شخصي معها، بعد اعتزالها الفن في بيروت، انها بعد انتقالها بالقطار من بيروت الى القاهرة، عبر فلسطين، طلب منها يوسف وهبي سحب ورقة بين عدة اوراق، لاختيار اسم فني يليق بها، واكدت لي المطربة الكبيرة انه كان بين الاوراق الاسمين الفنيين: نور الهدى، وصباح. فكان الاسم الاول من حظها. اما الاسم الثاني فقد منح بعد ذلك بأشهر عدة للمطربة اللبنانية السينمائية الاخرى جانيت فغالي (المشهورة بصباح)، بعد انتقالها هي الاخرى الى القاهرة.
أول افلام نور الهدى كان جوهرة سنة ،1943 تقاسمت بطولته مباشرة مع يوسف وهبي، وعرفت احدى اغنياته يا اوتوموبيل التي لحنها الموسيقار الكبير رياض السنباطي شهرة امتدت بين المحيط والخليج، تحولت نور الهدى بعدها الى منافسة مباشرة لنجمة الغناء السينمائي الاولى في تلك الايام ليلى مراد.
ومنذ فيلمها الاول، انطلقت نور الهدى في موجة من الافلام الغنائية ذات الجماهيرية الواسعة لفترة عشر سنوات متواصلة، كان يضع لها الالحان عباقرة الموسيقا في مصر يومها من الصف الاول والصف الثاني، مثل محمد القصبجي ومحمد عبد الوهاب، وزكريا أحمد ورياض السنباطي، الى محمد فوزي ومحمود الشريف وفريد الاطرش ومحمد الكحلاوي وعلي فراج وسواهم.
ظلت نور الهدى طوال السنوات العشر تلك تعمل في بطولة فيلمين او ثلاثة افلام في السنة الواحدة، لاقت معظمها رواجا جماهيريا في مصر وسائر البلاد العربية.
غير ان ذروة هذا النشاط في السينما الغنائية، على حد قول نور الهدى نفسها، كان في العام ،1946 عندما عرض عليها الموسيقار والمطرب الكبير الذي فتنها منذ طفولتها محمد عبد الوهاب مشاركته بطولة فيلم لست ملاكا الذي سيصبح بعد ذلك سابع وآخر افلام عبد الوهاب التي قام ببطولتها السينمائية. لكنه بعد ذلك، وضع لها لحنا رائعا الدنيا ساعة وصال في فيلم قبلني يا أبي.
وكان من الطبيعي ان يأخذ هذا النشاط السينمائي المحموم، نور الهدى، من مجال الغناء الكلاسيكي على المسارح، بسبب زحمة العمل اولا، ولكن لسبب آخر كانت تعيده نور الهدى نفسها، الى محاربة فنية من أم كلثوم، التي استصدرت بصفتها نقيبة للموسيقيين في تلك الايام قرارا يحصر نشاط نور الهدى في تمثيل الافلام الغنائية، ومنعها من اقامة حفلات الطرب المسرحي.
عندما عادت نور الهدى نهائيا من القاهرة الى بيروت في العام ،1953 استعادت بعض نشاطها في الحفلات المسرحية، لكن التحولات الفنية الكبرى التي احدثها ظهور الاخوين رحباني وزكي ناصيف وصوت فيروز بشكل خاص، دفعها الى شيء من الاعتكاف والاقلال من النشاط الفني، الذي تركز معظمه في مسلسلات تلفزيونية غنائية، ومسلسلات اذاعية غنائية لاذاعة ال بي.بي.سي. وضع الحان هذه الاخيرة الموسيقار توفيق الباشا. لكن اشهر ما مارسته نور الهدى بعد عودتها الى بيروت،تسجيل حفلات طرب اصيل لتلفزيون لبنان، كانت الذروة فيه تسجيلا نادرا لقصيدة يا جارة الوادي، التي استغرق اداؤها نصف الساعة، وتسجيلا نادرا آخر للاذاعة اللبنانية، سجلت فيه احد ادوار عبد الوهاب المجهولة لو كان فؤادك يصفالي، الذي لم يسجل بصوته، وقد ارتقى اداء نور الهدى لهذا الدور الى درجة من الامتياز جعلت عبد الوهاب نفسه يطلب من اذاعة القاهرة اعتماده.
مع ان نور الهدى قد اشتهرت كنجمة للسينما الغنائية، كانت المنافسة الوحيدة لليلى مراد في الاربعينات وبداية الخمسينات، الا انها كانت الى جانب ذلك مطربة كبيرة في مجال الغناء العربي الكلاسيكي، في مستوى كبار مطربي النصف الاول من القرن العشرين.