د. رشاد سالم

كلمتان متقاربتان وردتا في القرآن الكريم، مادتهما الأصلية واحدة، وهما: النكر والمنكر، وأصلهما «نكر»... فهل هناك فرق بين الكلمتين؟
قال الإمام الراغب الأصفهاني عن «نكر»: «الإنكار ضد العرفان، يقال: أنكرت كذا، ونكرت. وأصله: أن يرد على القلب ما لا يتصوره... وقد يستعمل ذلك فيما ينكَر باللسان، والمنكر: كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف في استقباحه واستحسانه العقول؛ فتحكم بقبحه الشريعة، والنكر: الدهاء، والأمر الصعب الذي لا يُعرف...».
لقد وردت كلمة «نُكرًا» في القرآن الكريم ثلاث مرات، وكلمة «نُكر» مرة واحدة، وكلمة «منكر» ست عشرة مرة، نتأمل منها ما يأتي:
لما سار موسى مع الخضر عليهما السلام أقدم الخضر على قتل غلام صغير: «حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ
شَيْئًا نُكْرًا»، [الكهف: 74]، فقد أنكر موسى على الخضر قتله للغلام، واعتبر فعله يدعو للنكر والإنكار، ولهذا أنكر موسى عليه فعله «لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا».
لكن الخضر كان على صواب في قتله الغلام؛ ولذا قال لموسى فيما بعد: «وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا»،
[الكهف: 80-81]، فالفعل «قتل الغلام» في ظاهره خطأ يدعو للإنكار، ولكنه في حقيقته صحيح وصواب؛ ولهذا وصفه بأنه «نكر» وليس «منكرًا».
أما كلمة «منكر» فإنها تعني: الأمر الشائن، والتصرف القبيح، والفعل المحرم، والشيء الباطل، قال تعالى: «وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا»، [المجادلة: 2]؛ أي: يقولون قولًا خاطئًا منكرًا محرمًا.
وقد أوجب الله على المسلمين إنكار المنكر في أكثر من
آية نكتفي منها بقوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران: 104].
القرآن -إذن- فرّق بين النكر والمنكر، فالنكر: هو الأمر الذي قد يستغربه الإنسان وينكره لأنه يظنه خطأ، مع أنه في حقيقته صدق وصواب، أما المنكر: فهو الأمر الذي ينكره الشرع ويرفضه ويحرمه، ويدعونا إلى محاربته وإنكاره؛ لأنه باطل وخطأ، ولو رضي به بعض الناس وقبله، فكل «نكر» صواب في ميزان الله، وإن أنكره بعض الناس، وكل «منكر» خطأ في ميزان الله، وإن قبله بعض الناس!
والمعتبر في القبول والإنكار ليس أعراف الناس أو تشريعاتهم أو مناهجهم - فقد يقبلون باطلًا، وقد ينكرون حقًّا - ولكنه ميزان الله وشريعته سبحانه... لأن الله عليم حكيم «قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ»، [البقرة:
140].

* مدير الجامعة القاسمية بالشارقة