الشارقة: محمدو لحبيب

يبدو أن الاقتصاد قد يكون في ظروف معينة محفزاً للبحث الثقافي «السوسيولوجي أو الانتربولوجي» عن بلد ما. تنطبق تلك الفرضية على واقع علاقات العالم مع الثقافة والفكر الصينيين، إذ كانت الصين ومنذ مئات السنين ذلك اللغز الكائن الغامض الذي لا يعرف عنه إلا النزر اليسير مما يتعلق باكتشاف الطباعة والورق.
الآن ومع النهضة الاقتصادية الهائلة للصين وتحولها إلى عملاق اقتصادي يوشك أن يكتسح كل أسواق العالم، ازدادت وتيرة محاولات اكتشاف الصين ليس فقط اقتصادياً وسياسياً، بل وصلت محاولات الاكتشاف والبحث إلى عمق الفلسفة والفكر الصينيين، وضربت بأطنابها عميقاً في مجمل تمظهرات الثقافة الصينية القديمة، والتي تمتد لآلاف السنين.

في الواقع فقد بدأ المفكرون الغربيون في التأليف حول الثقافة الصينية، أو ترجمة المكتوب عنها من قبل الصينين أنفسهم، إلى اللغات الأوروبية بشكل عام منذ أواسط القرن التاسع عشر، لكن كل تلك المؤلفات ظلت تركز على المنحى الغرائبي الذي تبدو عليه الصين بالنسبة لأي سائح غربي، دون أن تدخل إلى العمق الثقافي الذي بنيت عليه حضارة الصين القديمة والحديثة.
ويبقى المجهود الحقيقي الذي يعتد به ويعتبر أول تعريف وتعرف إلى أنماط الثقافة الصينية وامتداداتها، هو ما أنجزه الرحالة المسلم «ابن بطوطة» كما يقول الكاتب هادي العلوي في كتابه (المستطرف الصيني.. من تراث الصين).
ويشرح هادي العلوي ذلك في مقدمة كتابه مبيناً أن ما عرفه المسلمون عن حضارة الصين يزيد على المعروف منها لدى الناس في الماضي قائلاً: «إن ما نقله ابن بطوطة عن الصين يتفوق على أوصاف ماركو بولو، الذي استعسر عليه التقاط الأساسيات الحضارية لبلاد لم يكن يملك الاستعداد المسبق للتعامل معها على هذا المستوى بسبب قدومه من بيئة مختلفة».
يحاول هادي العلوي أن يقتفي أثر ابن بطوطة ومنهجه في التعرف إلى الثقافة الصينية والغوص إلى أبعد من مجرد التعرف إلى ظواهرها السياسية أو الاقتصادية، فيقرر أن يبدأ في القراءة عن الصين وهو في داخلها، وعن الفلسفة الصينية تحديداً، ثم بعد سنوات من رحلة القراءة المعرفية تلك، يبدأ تأليف كتابه «المستطرف الصيني» الذي يشكل الآن واحداً من أهم المراجع العربية في التعرف إلى لغز ذلك المجهول ثقافياً المسمى بالصين.
ويوضح العلوي حيثيات تأليف كتابه ذاك، والدوافع الثقافية التي صنعها في ذهنيته من تشابه الحضارتين الصينية والعربية من حيث عظمة ماضيهما والتعثرات التي يشهدها حاضرهما فيقول: «أريد من العرب أن يعرفوا من ثقافة الشرق ما يعادل معرفتهم بثقافة الغرب، محدوا بالأمل في أنهم سيعيدون اكتشاف أنفسهم ليس فقط من خلال تراثهم، بل وأيضاً من خلال الثقافة الشرقية التي هي من نسيجهم نفسه».
ومن خلال وضوح الفرق بين المنطلقات التي صنعت وتصنع الاهتمام الغربي بالصين، وبين منطلقات الكاتب والباحث العربي هادي العلوي الموضحة آنفاً، يفهم القارئ لم ركز بشكل موسع ومكثف على الفلسفة الصينية محاولاً صنع دراسة مقارنة بينها وبين الفكر والمبادئ الإسلامية، ثم عرج على مقارنة أخرى بين النصوص الأدبية الصينية ومثيلاتها في تراث العرب وأشعارهم، وهو ما شكل نظرة خاصة ومتميزة عن كل ما سبقها من كتابات عن الصين وثقافتها.
ولعل سر تلك الدراسة المقارنة ينبع من ذلك الجهل أو التجاهل الذي لاحظه الكاتب هادي العلوي من قبل أوائل المسلمين الذين تعرفوا إلى الصين مبكراً، واقتصرت معرفتهم بها على الصناعة وجهلوا فلسفتها آنذاك، وهو ما يوضحه قائلاً: «كانت خبرة أهل الصين في الفنون والصناعات معروفة لدى المسلمين في عصورهم، ولما صنف علماؤهم خصائص الأمم أشاروا إلى اختصاص أهل الصين بالصنعة والهند بالحكمة، ما يشير إلى معرفة المسلمين بصناعة الصين وجهلهم بفلسفتها».

ويضيف في موضع آخر مؤكداً على فكرته تلك: «بعد ظهور الإسلام ونشوء الدولة الإسلامية صارت الصين مجاورة للإسلام في حدود مشتركة طويلة استغرقت شمال الصين وغربها، وتنامى تبادل سياسي واقتصادي عريض واقتبس الاثنين من معارف وصناعات بعضهما إلا الفلسفة، حيث ظل فلاسفة الصين مجهولين في الإسلام، وفلاسفة الإسلام مجهولين في الصين».

يتجاوز كتاب «المستطرف الصيني» دور المعرف بالتراث الصيني فقط، فيتحدث عن أوائل العلاقات بين السلطة الحاكمة في الصين وبدايات العصر الإسلامي عند البعثة النبوية المكرمة عام 622 م، حيث يقول الكاتب هادي العلوي إن أسرة «تانغ» التي كانت حاكمة في تلك الفترة، قد سمعت بظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد بعثته بثلاثين عاماً، كما أن المصادر التاريخية الصينية تتحدث عن وصول وفد عربي إلى الصين بين عامي 650م و651 م، وهو ما يوافق تاريخ خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه.

إن كتابات من قبيل كتاب «المستطرف الصيني» ستسهم بلا شك في تأسيس نظرة عربية مختلفة عن نظرة الغرب الماضية للصين، والتي بدورها بدأت في تصحيح مسار بحثها بغية التعرف إلى ذلك المارد الأصفر المجهول.