الأصل في المجتمع الإسلامي أن يقوم على التواصي بالحق والخير، وعلى التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، ومن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه .

من أجل ذلك فإن العاصي يدعى إلى ترك المعصية بالتي هي أحسن، ولا يجوز التشهير به، إذ إن الإنسان يتعرض له الشيطان حيناً فيخطئ، لكنه سرعان ما يندم فيفكر في التوبة .

ويحصل أن ينتقد مثل هذا العاصي لدرجة التشهير به بين الناس، وعندئذ قد يتمادى في المعصية وتحدث عنده ردة فعل ولا يفكر في التوبة .

ثم إن العاصي قد يكون ارتكب تلك المعصية أو تلك الفاحشة، ولم يعلم بها إلا الله سبحانه، فلماذا نعرض فاحشته على الناس؟

وإذا كان الهدف إصلاح العاصي، فإن درب الإصلاح هو أن تنصحه سراً وليس بين الناس، وأن تنصحه بالرفق واللين وليس بالعنف والشدة .

ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم لمن دعا على مذنب بقوله: أخزاه الله: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان (رواه البخاري) .

نعم . . إن كثيراً من الناس يحبون نشر الفواحش بحجة أنهم يريدون تنبيه الناس إلى ترك تلك الفواحش .

لكن تبين أن ذلك الزعم كان كلمة حق أريد بها الباطل، فمن جهة هم يهدفون من نشرها في الصحف ووسائل الاعلام إلى تشجيع الناس على شراء تلك الصحف ومتابعة تلك الوسائل الإعلامية، وهذا الهدف دنيوي بحت .

ومن جهة أخرى ينبهون الناس بفعلهم ذاك إلى ما كانوا غافلين عنه، فكم من جرائم وفواحش تعلمها الناس من خلال قراءة الفواحش المنشورة والمسموعة والمرئية، وكان أولى بهم أن يستروها لأن الحديث الشريف يقول: يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله (رواه الترمذي) .

ونشر الفضائح إذا لم يقصد منه هدف أخروي فإنه قد يدخل في باب القذف الذي يوجب العقوبة في الشرع، وفي نظر القانون جريمة، لأنه تشهير وتجريح لسمعة شخص ما ارتكب تلك المعصية أو الفاحشة أو لم يرتكبها، فإذا ارتكبها فبالتشهير أقفلنا أمامه باب الرجوع إلى الصواب، وإذا لم يكن ارتكبها وشهر به فإن ذلك يعتبر تهمة وبهتاناً وقذفاً وسوء ظن، وكل هذا نهى عنه ديننا، فالله تعالى يقول: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة . (الآية 19 من سورة النور) .

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا وكونوا إخواناً (رواه البخاري) .

إذن فإن التستر على العاصي الذي ارتكب ذنباً ولم يخرج إلى العلانية أولى من التشهير لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة (رواه البخاري) .

وهذا لا يعني أن نقر المجرم على جريمته والمجاهر بالمعاصي على معصيته، بل أن نمنح من انزلقت رجله فرصة لكي يتدارك الموقف ويتوب، فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون .