رأس الخيمة -حصة سيف:
تتركز الحياة سابقاً بمحاذاة الوديان وسهول الجبال، حيث تتوفر المياه العذبة، والتربة الخصبة، ووادي الطوي التابعة لمنطقة المنيعي في رأس الخيمة، إحدى تلك المناطق حيث تتواجد المزارع الممتدة، ومنازل متجاورة في منطقة جبلية يقطنها عدد محدود من الأسر لا تتجاوز أعداد منازلها العشرين كل منها يؤوي أكثر من 15 فرداً، يشدك هواء المنطقة العليل للتوغل بداخلها حيث المزارع وبساطة العيش .
على بعد أكثر من 100 كم عن مدينة رأس الخيمة حيث تتواجد الحياة الريفية في أرقى صورها، يشدك تعاون الأهالي وتعاضدهم ومعاملتهم مع بعضهم البعض كأسرة واحدة، ما لا يتكرر كثيراً في هذا الزمان، كبيرهم تعدى التسعين عاماً ومازال يقضي جل وقته تحت شجرة "الشريشة" وهي إحدى الأشجار الطبيعية المعمرة، يستنشق الهواء العليل ويناظر مزرعته التي فسلها بكلتا يديه من بعيد، وهو مفتخر بإنجازه الذي بلغ أكثر من 100 نخلة .
سالم بن خلفان الدهماني، أكبر شواب المنطقة، يزيد عمره على 90 عاماً، يقول عاصرت زمن الشيخ سلطان بن سالم القاسمي ومن بعده الشيخ صقر بن محمد القاسمي حكام رأس الخيمة السابقين وعاصرت حروباً بمختلف المناطق أبرزها الحرب التي شنها أهل البريمي على محمد بن عيسى راعي وادي الحلو، والذي توفي قبل 70 عاماً، عشت في وادي الطوي التي سميت لكثرة طويانها مفرد طوي وهو بئر المياه، وأملك مزرعة زرعتها بنفسي أيام الشباب وفيها 100نخلة، وكنا نزرع الغليون ونبيعه في منطقة أبو بقرة في سلطنة عمان كما نزرع الذرة والدخن والبصل .
ويضيف أما طبيبنا فكان الأدوية الشعبية والأعشاب التي كانت تنبت لنا في الجبل كاليعدة والشكاع، الذي نطبخه للسعال، ونشرب ماءه قبل الإفطار، وكذلك اعتمدنا على الوسم وكان راشد بن أحمد بن ساعد وسعيد بن سالم ممن اشتهروا لدينا .
كنا نؤدي الزكاة من حب الذرة بمقدار معين، ويرسل إلى رأس الخيمة ليتم طحنه وتوزيعه على الفقراء والمحتاجين، أما حالياً اندثرت زراعة الذرة لأن الرجال هجروا المهنة، وأسندوا العمل للعمال الغير ملمين بطبيعة الزراعة في الحقول والوديان في المناطق الجبلية، حيث كنا نزرعه ونحصده بأنفسنا ونضع الذرة بمزماه وهي وعاء من خوص النخيل أصغر قليلا من "القفير"، الوعاء المعروف المصنوع من سعف النخيل .
آمنة سعيد مطر 60 عاماً، قالت: تربيت على أرض وادي الطوي بين جبالها ووديانها وهوائها المنعش الذي لم يتغير، ويمدنا بأسباب الخيرات، حياتنا مازالت على بساطتها وهدوئها لم يخل بها التقدم فجبالها مازالت راسخة بدروبها ووديانها ومازال أهلها متمسكين بأماكنهم، كانت النساء لا يتوقفن عن العمل، فإذا انتهت المرأة من عملها اليومي المعتاد من إحضار المياه من الآبار، البعيدة نسبيا عن المنزل، والاهتمام بالماشية، اختارت لها صوفاً أو شعر ماعز وبدأت تغزل وتصنع من خيوطها أدوات تستعمل يومياً كالخري الذي يوضع على الجمال أو الحمير ليوضع فيها الأغراض، كما إن العروس حين تحضر فستان عرسها يكفيها أن تختار من صديقاتها واحدة لتخيط لها الثوب في يوم واحد، كل ما نستطيع عمله في حياتنا نعمله بجد وإخلاص حتى إنجازه، تأثرت بتلك الحياة كثيراً والحمدلله لم أحتج لأحد يساعدني في أمور المنزل، فاعتمدت على نفسي رغم أنني أنجبت 8 أبناء من بينهم بنت واحدة تزوجت قبل 4 سنوات .
وتتذكر أسعد يوم في حياتها حين كانت عروساً، وتقول: "استمر عرسي 4 أيام وكان مهري 5 آلاف وخمسمئة درهم، إذ حضرت صديقة والدتي كي تجهزني للعرس ومشطت شعري ووضعت عليه قشار من جذوع السدر بعد أن دقته وخلطته بالياس والزعفران، وعقصته، بعد قص مقدمة شعري، بشكل متساو فوق مستوى الحواجب وجعلت جانبي الشعر عند الأذنين بشكل أطول، تلك كانت التسريحة الغالبة لكل عروس، وتبقى تتزين بها إلى أن تنجب 3 أبناء بعدها تفرق شعرها من منتصف الرأس من بدايته إلى نهايته وتجدله في كل شطر ، بما يسمى "العقص" .
وتضيف: "تتزين العروس بالحناء مخلوطة مع الياس والقرط وتغمس فيها رجلها لتصلح ما أفسدته قسوة أحجار الجبال من خشونة أو تشققات" .
علي سعيد الدهماني، مسؤول منطقة المنيعي وتوابعها، يقول: "تعتبر منطقة وادي الطوي من أقدم المناطق الزراعية في الماضي، وتوجد فيها بئر تسمى "طوي الجن" سميت كذلك حسب ما سمعناه من القدماء بسبب رجل صالح في المنطقة كان كلما حفر بئراً، تظهر له خلال عملية الحفر، التي تقتصر في الماضي على الأدوات البسيطة، أحجار صلبة وضخمة لا يستطيع اقتلاعها، وفي أحد الأيام حفر بئراً وأيضاً ظهرت له أحجار صلبة، فتركها، ثم صلى ركعتين، ودعا الله تعالى أن يسهل له عمله ونام، وحين أصبح وجد الأحجار متناثرة في بطن البئر، فأكمل عمله، وسمي البئر بعدها ب"طوي الجن" إذ اعتبر الأهالي بأن الله تعالى سخر له الجن ليساعدوه في عمله، وكانت المنطقة تزخر بالآبار والمزارع، وعرفت فيها مزرعة طوي أم دلوين، مفرد دلو، أي كانت البئر الواحدة فيها لها دلوان، وكل دلو له يازرة وثور، ليخرج منها الماء، من كثر اتساع المزرعة وخصوبة تربتها وغنى مياهها الجوفية .
ويضيف الدهماني: "تكثر في منطقة اليرعى رأس وادي الطوي بعد سقوط المطر "الزبيدية" التي لها اسم آخر وهو "الفقع"، والذي بيع منه في الفترة الأخيرة بكميات كبيرة حتى بلغ المن الواحد المقدر ب 4 كجم ب 1000 درهم، كما ينبت في المنطقة الحماض والغوبان والأخيرة ثمرة تشبه الليمون الصغير ولونها أبيض أو أسود وشجرتها تشبة شجرة الشوع، كما ينبت فيها بعد سقوط المطر أيضاً "الشرحم" وهو ثمار يشبه العنب مثل الخرز الملون، لونه أحمر قان، أوراق شجرته مثل أوراق السدر ويبلغ ارتفاعها عن سطح الأرض متراً ونصفاً، وطعمه حلو مثل العسل، وهي ثمار لنباتات جبلية، مازالت تؤكل إلى الآن .
ويكمل الدهماني: "معظم وجباتنا الشعبية تدخل فيها النباتات الجبلية، إذ دائماً نضع عيدان شجرة " الشوع" مع الذبيحة المشوية، كي تظهر رائحة الشوع الجميلة باللحم، ونغلف الذبيحة بسعن شجرة الغضف، ثم نضعها على الفحم في التنور، ونضع عليه الغطاء الحديدي ثم نضع عليه التراب، وهي وليمة خاصة للمناسبات والأعياد .
وعن موقع وادي الطوي يقول الدهماني: "تقع وادي الطوي وهي تابعة لمنطقة المنيعي، شرق متلقى الوديان إذ يلتقي فيها وادي المنيعي والطوي، وفيها الكثير من الشعاب، فيما يقع في شماليها منطقة العجيلي ومنطقة تسمى "الخضرة"، وشمال شرقها تقع "الربقة" وهي منطقة زراعية أيضاً، بينما يقع في جنوبها منطقة المنيعي ووادي خالفة وسد وادي خالفة ثم منطقة المبرك .