حين يقف الأب إلى جانب ابنته إيماناً بقدراتها فهو نموذج لكثير من الآباء اليوم الذين أصبحوا يدعمون تميز بناتهم، بل ومنهم من خلق لديهن الحافز على النجاح والتقدم، فيرسم بعضهم مسيرتهن ويحث آخرين على المواصلة .

وفي التحقيق التالي نلتقي بعض النماذج الناجحة للآباء وبناتهم . .

يتميز عدد من الآباء اليوم في أنهم لا يكفون عن تقديم الدعم المالي والمعنوي لبناتهم، ليرسموا بأياديهم إبداعاتهن في مجالات شتى، وفي ذلك يحدثنا عبدالقادر علي، والد منى الفنانة التشكيلية والكاتبة والمخرجة السينمائية، عن أهم العوامل التي أسهمت في دعمه لابنته بشكل خاص والآباء بشكل عام قائلاً: ثقتي في ابنتي وفي نوعية العمل الفني الذي تقدمه للمجتمع الذي يراعي العادات والتقاليد، شجعتني على دعمها، فأنا كشخص وأب لم يكن لدي أي مانع منذ البداية من مزاولة ابنتي للفن الذي تحبه، فهوايتها الرسم هي من الهوايات التي تطور حس الابداع لدى الإنسان، فمنذ أن عرفت اهتمامها بالرسم وأنا أشجعها للاستمرار فيه . ويشير العلي إلى أن هناك الكثير من الآباء الذين ينظرون للفن بأنه دخيل على مجتمعنا وليس من الجيد أن تدخل الفتاة هذا المجال من وجهة نظرهم، ويضيف: إن الفن تعبير عن حالة وعن مجتمع، ولذلك أجد ان دعم الدولة للفن والفنانين ساعد الكثيرين على تغيير آرائهم فيه، كما أن تهيئة الأجواء الملائمة للمرأة من قبل الدولة وبما يتناسب مع عاداتنا وتقاليدنا شجع الآباء: ويتابع العلي: أشعر بأن حبي للفن التشكيلي الذي كنت أمارسه في صغري برغم عدم توفر الدعم حينها، جعلني أدعم ابنتي كثيراً وشعوري بحاجتها لدعمي في تطوير مهاراتها التي لم أستطع في أيامي ولظروف عملي أن أطورها .

الموسيقي وعازف العود الإماراتي مؤسس فرقة تخت الإمارات علي عبيد، قدم ابنته طيف عازفة القانون للحضور، ومنحها الفرصة لتعزف في حفله الذي أقيم ضمن فعاليات مهرجان أبوظبي 2013 وللمرة الأولى، وذلك دعماً منه لها وتشجيعاً لجعلها تكسر بداخلها رهبة العزف أمام جمهور عام، هذا الدعم لم يأت لكونها ابنته فحسب، بل لشعوره بحبها للموسيقى منذ طفولتها كما يقول، ويضيف: دعمي لها في مجال الموسيقى بدأ منذ شعرت بميولها الموسيقية، فصرت أصطحبها معي لبيت العود العربي حين كنت أتعلم فيه العزف على العود، وأصطحبها إلى حفلات أيضاً، وحين بدأت موهبتها تنمو شجعتها على المواصلة، ولحسن حظها وجدت من يحتضنها في مدرستها من قبل معلمة الموسيقى التي بدأت تدربها على العزف على آلة القانون، واستمرت تعزف كهواية وتخوض المنافسات المدرسية .

ويشير عبيد إلى أن الحاجة الحقيقية اليوم لأن يدعم كل أب ابنته وإذا وجد لديها الهوايات والمهارات عليه أن يسعى لتنميتها حتى لا تموت، فمنحها الفرصة أمر أساسي، خصوصاً تلك المواهب التي من شأنها أن تقدم للأبناء وللآخرين شيئاً مهما .

وحول أهم عناصر التغيير في دعم الآباء لهوايات بناتهم يقول عبيد: إن الانفتاح بشكل عام أثر في هذا التوجه، حيث لم نجد في طفولتنا من يدعمنا بسبب بعض الأفكار التي ما زال بعضها سائداً لليوم، من حيث تحريم الكثير من الهوايات الفنية ومنها الموسيقى، وهذا ما جعل آباءنا يبعدوننا عنها، ولذلك أجد أن الانفتاح والتعليم وتفتح أذهاننا كآباء وتماشينا مع المجتمع بحدوده جعلنا نقدم لبناتنا الدعم في الحدود المقبولة، فالرجل الشرقي يعرف بماذا يدعم ابنته وبماذا لا يدعمها .

حامد الهاشمي رئيس مجموعة الكاف، أب لابنتين هما تهاني ونورا، دعمهما بمشروع تجاري بعدما تعلمتا جامعياً في الولايات المتحدة الأمريكية، بينما أسهم في مسيرة تهاني الأدبية وصدور كتابها الأول حب في الزحام، ولا يجد الهاشمي سبباً لعدم تشجيع ابنتيه في العمل أو الهوايات طالما انها تتم في حدود الدين والمجتمع، ويرى أن المجتمع أدرك منذ زمن دور المرأة في البيت وخارجه، لكن الفرق اليوم هو دور القيادة الرشيدة في دعم المرأة وتمكينها في جميع الادوار في المجتمع، ما خلق دافعاً لدى الآباء ليسيروا على النهج ذاته في تمكين بناتهم فيما يقدم للمجتمع جيلاً منتجاً وفعالاً، وهذه من أهم العوامل التي غيرت فكرة الأب وجعلته داعماً لبناته، ويضيف: دعمي لابنتيّ تهاني ونورا كان منذ الطفولة، سمحت لهما بالدراسة خارج الدولة، فالأساس الذي كنت معتمداً عليه في اطمئناني لسفرهما هي التربية، وهي الأساس لأي بناء أسري، وبعد ذلك فكرتا بفتح مشروع تجاري مختص في الأزياء باسم روح وريحان، وكان لابد لي أن أدعمهما وأقدم لهما خبرتي فاصطحبتهما إلى فرنسا وعدد من الدول للتعرف الى مصممي الأزياء هناك، وحين وجدت لديهما الموهبة كنت سنداً لهما، وشجعت نورا على العزف على البيانو، إلى أن تركت هي هوايتها، أما تهاني فلديها موهبة أدبية أحاول أن ادعمها فيها من خلال تهيئة الأجواء الملائمة للكتابة .

سعيد الرايحي دعم طفلته خولة عازفة الكمان بموهبتها منذ أن بدأت بالظهور، وسعى لأن تتطور من خلال موافقته على ضمها الى فرقة اوركسترا الناشئة الخاصة بالموسيقار رياض قدسية في العام ،2009 بعدما تعرف الموسيقار قدسية الى موهبتها وعرض ضمها للفرقة، وفي ذلك يقول الرايحي: عدم وجود خلفية موسيقية لدينا أنا ووالدتها، لم يكن عائقاً أمام تطوير موهبة خولة، ولذلك قررت أن أقدم لها كل ما يلزم لتطوير موهبتها، فعملت على تنظيم التحاقها بالحصص التدريبية الخاصة بتعليم الموسيقى، وتنظيم وقتها ايضاً بحيث لا تؤثر في دراستها، كما أن تطور موهبة خولة الموسيقية أصبح مثار اعجاب الكثيرين وأصبحت تدعى للعزف في مناسبات عدة في إمارات الدولة، وهذا الأمر استدعى أن البي الدعوات حتى تنضج موهبتها، وإن شعرت بضغوط، لكن ايماني بأن موهبتها يجب أن تكبر دعاني لأن أتمم مسيرتها .

ويشير الرايحي إلى أن الموهبة لا يمكن أن تعيش دون دعم الأسرة، وأن دعمه لها لا يمثل دعم أب لابنته فقط، وإنما يحاول من خلال ابراز موهبتها جذب الأطفال الإماراتيين إلى إبراز وتطوير مواهبهم الموسيقية أيضاً، حيث يتمنى الرايحي ان يجد جيلاً من الأطفال الإماراتيين المهتمين بالموسيقى والمحبين لها والموهوبين بها، وذلك لتكوين جيل مثقف موسيقياً، فالموسيقى بحسب الرايحي ثقافة وليست مجرد موهبة، ووسيلة لتخفيف الضغط والتوتر من الدراسة ومستقبلاً من ضغوط الحياة، إضافة الى المتعة الحسية التي تمنحها الموسيقى، وهذه أهم أسباب مساندته لابنته خولة .

طالبة بكالوريوس إدارة الأعمال في كلية مدينة خليفة للطالبات عائشة الظاهري، سفيرة الكلية وإحدى الناشطات في المجال التطوعي، وممثلة الكلية عن الأنشطة الخارجية، تعزو كل ما تقدمه وما تشكل في شخصيتها لوالدها محمد سالم الظاهري مدير التخطيط والتطوير في هيئة المياه والكهرباء بأبوظبي، فتعتبر وجود والدها في حياتها محورياً ومهماً، مشيرة إلى أنه المثل الأعلى لها والدعم الحقيقي لكل مفاصل حياتها، وفي ذلك تقول: وجود أبي في حياتي يعتبر أمراً لا غنى عنه، فهو الذي رسم لي مسار حياتي وما أنا عليه اليوم بعد الله تعالى، فمنحه الحرية لي ودفعه وتحفيزه لأن أشارك في كل الفعاليات والمؤتمرات الطلابية والاجتماعية، وهو بذلك خلق لي حياة اجتماعية، فاستطعت أن أكوّن شبكة من العلاقات مع الأساتذة الأكاديميين والطلبة، وأن أبقى دائماً حريصة على أن أمثل دولتي في كل محفل، ولولا نصائحه وتوجيهاته لما كنت كما أنا اليوم، وتشير الظاهري إلى نقطة لامعة في ذهنها تحملها لوالدها، حيث حثها على دراسة الهندسة في إحدى الجامعات المحلية، لكن وبعد دراستها لعام كامل لم تجد نفسها في هذا التخصص، وسعت لأن تنتقل وتدرس إدارة الأعمال في كليات التقنية العليا، وتفاجأت بان والدها لم يعترض بل على العكس احترم رغبتها بشدة وقام بنفسه بإجراءات تسجيلها في الكلية، التي تعتبر وجودها فيها تغييراً لمسار حياتها، وتقول عن أهم مشاركاتها: مشاركاتي في المؤتمرات كممثلة عن طالبات الكلية، وآخرها كان مشاركتي ومكوثي فيه لمدة أسبوع في دبي بمؤتمر التعليم بلا حدود الذي ضم الكثير من الجنسيات وفتح أمامي آفاقا جديدة، وموافقة والدي للمشاركة والمكوث في مكان آخر بعيداً عن المنزل من أهم ما يمنحني خصوصاً ثقته بي، كما يدعمني في هوايتي في القراءة والخدمة الاجتماعية، ومنها مشاركتي في مدرسة المستقبل لذوي الاحتياجات الخاصة بعد الانتهاء من محاضراتي، والأهم من ذلك أنني أشعر بالضغط في كثير من الأحيان، فأجد نشاطي يبدأ بالركود، لكنه يعود ويحثني على إدارة وتنظيم الوقت جيداً لئلا أخسر ما قد بنيته لمجرد سوء التنظيم .

أما علياء حسن، خريجة الإدارة والعلاقات العامة في جامعة زايد، وطالبة ماجستير الإعلام في السياحة والثقافة، وأطلقت مؤخراً كتابها هويتنا الإعلامية . . من صحيفة الفريج إلى الصحافة العالمية، ترى أن دعم الأب والأم وكل أفراد العائلة له دوره الكبير في التحفيز للعمل المتواصل، مؤكدة على دور أبيها في مسيرتها منذ الطفولة وحتى اليوم، إلا أن أهم ملامح دعمه لها كان في التعليم وحثها على مواصلة اجتهادها، تقول: حث والدي لنا على التعلم كان أمراً مهماً جداً رسخ فينا حب العلم بشكل دائم، لكنني مؤمنة بأن الدعم وحده لو وجّه لشخص ليس لديه الرغبة لن يكون كافياً، فالجميل في الأمر أن تجد الفتاة أباً داعماً لها يتوافق وطموحاتها في الحياة، بينما لن أتجاهل تأثير والدتي في هذا الجانب خصوصاً وأنها تربوية، وهذا يؤكد أن الانسجام في الأسرة واتفاقها على أهداف واضحة ومحددة وخصوصاً بين الوالدين هو المحرك الفعّال للنجاح، إضافة إلى الرغبة الذاتية للشخص، وتشير حسن إلى أن دعم والدها والأسرة جميعاً كان يرافقها منذ الطفولة، حيث عملت على إصدار الكثير من المجلات الطلابية، وموقع الكتروني كان الأول من نوعه في الوطن العربي، ومشاركات عدة في المؤتمرات المختلفة .