في الزمن الذي كان فيه الجمري وإخوانه الشعراء وجد التلفزيون والإذاعة والصحف، نعم لم تكن بالوفرة والتنوع والثراء الذي هي عليه اليوم، لكنها كانت موجودة . إلا أن شريط الكاسيت كان الأكثر شهرة وانتشاراً، وكان المطرب علي بوالروغة هو الفنان الأول في زمنه، رغم تعدد الأصوات التي خرجت آنذاك . أبو الروغة كان قامة وعلماً غنائياً أجمع عليه المجتمع في بدوه وحضره، أكثر من ذلك أنه صار له جمهور وعشاق في سلطنة عمان وقطر مثلاً، وتحول مع الزمن إلى مدرسة فنية في العزف على العود والغناء . ميزة بوالروغة أنه لم يكن يذهب إلى جمهوره وحده، كان يحمل معه دائماً اسم الشاعر المؤلف وحقوق دار (التسجيلات) التي أنجزت الأغنية وأيضاً ذكر الملحن إذا وجد وفي الغالب يكون هو نفسه المطرب الملحن . لهذا بقدر ما اشتهر بوالروغة اشتهر الفريق الذي كان معه، وإذا عرفنا أن ثلث ما غنى علي بوالروغة طوال مسيرته الفنية تقريباً كان من كلمات الجمري، عرفنا مدى الشهرة التي تحققت للجمري، أو ما حققها هو لصاحبه الفنان، الذي اكتشفه وقدمه لعالم الفن وارتبط به منذ البدايات وتحول مع الزمن إلى رفيق رحلة وصديق عمر، كان يشاكيه ويناجيه ويأتمنه على أسرار الحب والقلب المبتلي:
أشهد أن الحب شيني
عشرته للمودماني
يسلب العقل الذهيني
ليعته طول الزماني
صاحبه دومه غبيني
لو تشوفه مرحباني
يا علي بينك وبيني
سد ما باله بياني
إكتمه عن لا يبيني
لو فسرته لك تراني
(علي) أيضاً هو الملهم، وصوته ولحن عوده هو الونيس في وحشة صد المحبوب:
يا علي اعزف بصوت وغنّ لي
ونّس فوادي تراني مستهين
كود همّي من فوادي ينجلي
أطرب لصوتك وعزفك والحنين
يا علي لي من عودك رنّ لي
قلبي تذكّر وهيّضت الكنين
وحال (علي) لو صادف ريم الجمري:
يا علي لو شفت ريمٍ شايفنّه
فوق مشرافٍ زمامه معتلي
كان ذبت وزدت النوح ونّه
وابتليت وصرت من عقلك خلي
يا علي توّه غرير صغير سنّه
خشف ريمٍ يرتعي روس الفلي
و . .
يوم اعربي زعلوا علي بلا سبب
ما حيدني في حبيبي دست العتاب
اتنكّروا عقب المودّه والطرب
واتباعدوا عنّي ولا عرفت الاسباب
عقب المواصل يا علي مرّوا ينب
ماشي سلام ولا سوال ولا خطاب
الهوية الشعرية
الجمري مثل شعراء عصره لم يستورد المفردة الشعرية من بلد أو زمن، لكنه على العكس أثرّ في الثقافات والمجتمعات الأخرى، وعمل على نشر وترسيخ الصورة الشعرية والمفردة المحلية في بيئتها وأيضاً في بلدان أخرى . شعر الجمري وأقرانه حفظ الثقافة والأوزان الشعرية واللهجة والمفردة المحلية لزمن مثل هذا نعاني في الشعر مثلما هي معاناتنا في مختلف شؤون الحياة من أزمة الهوية . إن معظم شعرائنا اليوم يقولون شعراً شعبياً كله أو نصفه أو بعضه دخيل في بعض مفرداته أو صوره الشعرية من مدارس أخرى، هذا التأثر موجود في كل العصور والثقافات، لكنه عندما يطغى ويسيطر ويتحول الى غالب ومستمر، ومعه نفقد الصورة الشعرية الموروثة التي يفترض أن نجدد عليها ونطورها، ونغيّب المفردة المحلية، عندها يصبح شعرنا في خطر .
تفاصيل الوطن القديم
الذاكرة المكانية لأسماء بقاع الوطن كانت حاضرة بقوة في قصائد الجمري، هذه أيضاً ميزة تذكر لشعر الجمري، في زمنه كان جيله يحفظ مفردات ومسميات بقاع الوطن، كان الوطن في زمنهم كبيراً ومتشعباً في كثرة مسميات كل شبر فيه، إنك لا تمر على واد أو خيران أو عرقوب إلا وله اسم وشروحات تروي حكاية المكان ومن سكنوه، كانوا يحفظون التفاصيل، لا تعنيهم معرفة حدود المساحة التي يسكنونها، كانوا يحفظون تفاصيل كل الوطن، فهم ينتمون إليه، عروقهم وأنسابهم وأهلهم وذاكرتهم وحياتهم تسكن فيه كله . أحس الجمري بأن الزمن قد يتحول، ويتبدل الناس، وتغيب الأسماء والتفاصيل، خلّد لنا تلك المسارات والمسميات وصورة الحياة في موسيقا شعرية بقيت رغم أن أهلها وشكلها وحدودها غابوا، ودفنهم الزمن، بقي تاريخ المكان وشكله نستحضره في رحلة غزلية:
ليت من شلّه وقفّا وارتحل
في خطات الجيب لي ماله مثيل
مر به لقرن وع البطحا نزل
والفلي والذيد مرّ الوقت ليل
داس به حمده وجريان السهل
في المدام اصبح وقيّل به مجيل
قامة ملهمة
أول وأهم عمل قدمه الأخ الشاعر سلطان العميمي والذي فتح له ابواب التدوين والبحث الشعري هو كتابه عن سالم الجمري وحياته وقراءة في قصائده، وأشهر حوار صحافي أجراه الشاعر والباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي كان مع الجمري، والديوان النادر الذي طبع على نفقة صاحب السمو رئيس الدولة في الثمانينات ولا تجد له أثراً اليوم في مختلف مراكز ومكتبات الوطن هو لآلئ الخليج للشاعر الجمري الذي ضم بعض قصائده .
اليوم يعود علي بوالروغة وشعر الجمري كذائقة فنية فرضت سطوتها، نجد هذه الجماهيرية التي تتزايد وتتناقل إلى جيل جديد، نسمع أصواتاً فنية تغني لهما، لكن الغريب أننا في هذا العصر الموصوم بالانفلات والانفتاح والتسطيح لم نستطع أن نتحمل ونمرر ونستوعب ونسمح بمفردة الجمري، وسمحنا لأنفسنا بأن نغير لأستاذ الشعر والحب والفن مثلما فعل أحد الفنانين، عندما جاء يغني من جديد ( . . يا طرفة) فقال لها أسرتيني، بينما صاحبها ومبدعها وعاشقها قال لها بقوة ووضوح وبصريح العبارة في زمنه المحافظ:
يا طرفة هيجتيني بألحانك شوقتيني
إنها مشاعر عاشق (طرفة) هاجت شعراً وغراماً وأغنية خالدة يردد الزمن اسمها ولحنها . وبعد كل هذا العمر والشعر والفن والإبداع . . لا عذر لنا يا شاعرنا إذا غيّبناك .