أميرة محمد عبدالحليم *
يتزامن احتفال جمهورية جنوب إفريقيا بذكرى أول انتخابات عقدت في السابع والعشرين من إبريل/ نيسان بعد انتهاء حقبة الفصل العنصري عام ،1994 مع مرور البلاد بأسوأ موجة من موجات العنف المعادي للأجانب، لتقدم هذه الاضطرابات دلالات عدة على تعثر حلم أمة "قوس قزح" التي لا تتكون فقط من أعراق متعددة إنما تسعى كأمة واحدة لتتقاسم العيش بكرامة وتتجاوز الخطوط العنصرية والطبقية .
فقد شهدت عدة مدن كبرى سلسلة من أعمال القتل والتدمير ضد المهاجرين وممتلكاتهم، ووصفت الصحف الوطنية والدولية هذه الأعمال بأنها "كراهية للأجانب" إلا أن هذا الوصف يختزل أزمة متعددة الأوجه تحول خلالها المهاجرون الأفارقة إلى كبش فداء لميراث الفصل العنصري وإخفاقات عصر ما بعد التحرير .
جمهورية جنوب إفريقيا التي قدمت للعالم نموذجاً فريداً للتحرر والمصالحة الوطنية، لم تتمكن خلال عقدين من الزمن من استيعاب كافة فئات المجتمع ضمن مظلة الدولة، والتغلب على المشكلات التي عانتها الأغلبية السوداء في ظل الفصل العنصري، فظل الملايين يعانون التهميش والفقر المدقع والبطالة وانعدام المساواة وانتشار الجريمة والفساد ونقص الخدمات من المياه والكهرباء والتعليم ويعيشون في العشوائيات، فقد حققت الدولة نمواً كبيراً ووصل ناتجها المحلي إلى 483 مليار دولار في عام ،2013 إلا أنها أصبحت تشترك في قائمة أكثر عشر دول في العالم من حيث سوء توزيع الثروة بين السكان الذين وصل تعدادهم إلى 54 مليوناً من بينهم أعداد من الأجانب تتراوح التقديرات حولها بين 2و5 ملايين نسمة .
ومع تردي الأوضاع الاقتصادية للفقراء وفشل برامج الحكومة في استيعاب النمو السكاني انتشرت العشوائيات على نحو كبير فخلال عام 2007 كان عدد المناطق العشوائية أو المستوطنات غير الرسمية (2600)، واستمر هذا الرقم في النمو بمعدل من 5-7 % في كل عام، حيث تمثل المقاطعة الشمالية الغربية أعلى معدل في نسبة السكان الذين يعيشون في أكواخ والذين تبلغ نسبتهم 8 .23 % من عدد سكان المقاطعات . يليها مقاطعة جوتنج 7 .22 %، في حين تمثل مقاطعة ليمبوبو أقل نسبة في العشوائيات وهي 5 .5 % من السكان، وتشير المؤشرات إلى أن 5 .14 % من سكان جنوب إفريقيا كانوا يعيشون في العشوائيات خلال عام 2007 .
حيث أصبحت المناطق العشوائية مسرحاً للصراع بين الفقراء من السود والمهاجرين من الدول الأخرى الذين يأتون إلى جنوب إفريقيا بحثاً عن العمل، وينظر إليهم المواطنون كمنافسين لهم على فرص العمل ويتهمونهم بسلب أقواتهم، لذلك لم تمثل الأحداث الأخيرة بداية المواجهات مع الأجانب، ولكن تعرضت البلاد لأحداث مماثلة في عام 2008 وقتل خلالها 62 شخصاً، كما تم ترحيل نحو 100 ألف من الأجانب ومنذ ذلك التاريخ قتل منهم نحو 350 شخصاً .
وقد أججت كلمات الزعيم التقليدي لجماعة الزولو في خطاب حسن النوايا KingGoodwill Zwelithini والذي ألقاه في نهاية الشهر الماضي، مشاعر الكراهية ضد الأجانب، حيث أكد خلاله أنه على الأجانب "حمل حقائبهم والذهاب"، ولم يعرف الملك أن هذه الكلمات سيساء فهمها .
إلا أن الدراسات التي أجراها عدد من مراكز الأبحاث في جنوب إفريقيا لم تؤيد مبررات قتلة الأجانب، فقد أصدرت منظمة بحوث العمل والهجرة بجنوب إفريقيا وهي منظمة تقوم بدارسة الهجرة لجنوب إفريقيا وتأثيراتها في سوق العمل، دراستين في العام الماضي، وجدت أن سوق العمل في جنوب إفريقيا يستوعب 82 % من العمال المحليين بين أعمار 15-،64 و14 % من العمال المحليين المرتحلين الذين يتحركون عبر المقاطعات، و4 % فقط من الأجانب . فمن بين 579 .017 .33 مليون من السكان القادرين على العمل هناك 2 .1 مليون مهاجر يعملون في السوق المحلية .
ومن الناحية العرقية هناك 79 % من المهاجرين في جنوب إفريقيا من الدول الإفريقية الأخرى، 17% من البيض، و3% من آسيا . إلا أن البيانات عن حجم مجتمع المهاجرين في جنوب إفريقيا لا تزال غير دقيقة . وتمثل مقاطعة جوتنج، التي يوجد بداخلها مدينة جوهانسبرغ، أعلى نسبة من العمال الأجانب، ويمثلون نحو 8% من المهاجرين في الدولة، ويليها ليمبوبو ومبومالانجا (4%)، تليها الشمالية الغربية (3%)، وكيب الغربية (3%)، فرى ستات (2%)، وكيب الشمالية (1%)، وكيب الشرقية (1 %) وكوازولو ناتال (1%) .
ووفقاً لمعدلات الهجرة الدولية وعلاقاتها بالبطالة، ذكرت المنظمة أن معدلات الهجرة إلى جنوب إفريقيا تعتبر منخفضة عن غيرها من الدول، كما أن نسب البطالة منخفضة بين المهاجرين عن السكان المحليين الذين تصل النسبة بينهم إلى 16 .26 %، والسكان المرتحلين بين المقاطعات إلى 51 .32 %، وبالمقارنة فإن نسبة البطالة بين المهاجرين تصل إلى 86 .14% .
ويعمل أغلب العمال المهاجرين في المهن غير المستقرة وليس لديهم القدرة على الوصول إلى عقود رسمية . وأغلبهم يقومون بالأعمال التي يرفض السكان المحليون العمل بها . ووفقاً لبحث MiWORC، يعمل 65 .32% من المهاجرين في القطاع غير الرسمي في جنوب إفريقيا مقارنة ب 57 .16% من السكان المحليين و97 .17% من المحليين المرتحلين .
ومعظم المهاجرين يقومون بإدارة أعمالهم الخاصة بأنفسهم، ولذلك يصنف 11 % منهم باعتبارهم من أرباب الأعمال و21% ب(التوظيف الذاتي) . وبالمقارنة هناك 5% فقط من غير المهاجرين والمرتحلين المحليين من أرباب الأعمال، وهناك 9% فقط من غير المهاجرين و7% من المرتحلين المحليين يعملون لحسابهم الخاص .
إلا أن هذا لا يعني أن المهاجرين يسيطرون على القطاع غير الرسمي في البلاد، فهناك عوامل أخرى لم تأخذ في الحسبان مثل إيجارات مواقع العمل، والضرائب، ونسبة العمالة الوطنية، ففي أواخر العام الماضي، قام مرصد مقاطعة جوتنج بالتعاون بين جامعة وايتس وجامعة جوهانسبرغ وحكومة المقاطعة، بعمل مسح محدود عن القطاع غير الرسمي في جوهانسبرغ . ومن خلال هذا الرصد وجد أن اثنين فقط من أصل 10 أشخاص الذين يمتلكون عملاً في القطاع غير الرسمي (في جوهانسبرغ) كانوا مهاجرين، فهؤلاء المهاجرون لا يتحكمون في القطاع غير الرسمي في المقاطعة، ولكنهم يساهمون في دعم اقتصاد جنوب إفريقيا عن طريق توفير فرص العمل، ودفع الإيجارات، ودفع ضريبة القيمة المضافة وتوفير السلع بأسعار معقولة ومريحة .
وتبقى قصص نجاح الأجانب في الحصول على فرص عمل ومزاحمة السكان المحليين، صوراً نمطية فيها الكثير من المبالغة وتؤدي إلى الوقيعة بين الجانبين وبدلاً من التفكير في هذه الصور المدمرة لابد من فهم تعقيدات التفاعل اليومي بين الأفراد، وإعادة التفكير في مشكلات الحدود التي يسهل اختراقها ومحاولات التكامل القاصرة التي تقودها جنوب إفريقيا في إقليم السادك .
لقد اتسمت فترة حكم الرئيس جاكوب زوما والتي بدأها عام ،2009 بالاضطرابات الاجتماعية والعمالية، ووسط اتهامات لحزب المؤتمر الوطني الحاكم بالفساد وانعدام الكفاءة، وجاءت أحداث العنف ضد الأجانب لتزيد من الانتقادات الموجهة للنظام الحاكم، والذي صمم خلال السنوات الماضية العديد من البرامج لمواجهة المشكلات الاقتصادية التي تعاني قطاعات واسعة من السود إلا أنه فشل في التعامل مع عدد من القضايا في ظل انتشار الجريمة والفساد المرتبط بالإفلات من العقاب .
وقد تعامل النظام الحاكم مع العنف ضد الأجانب في بداية انفجاره، باستهانة كبيرة ووصف ما يحدث باعتباره جرائم جنائية دون الاعتراف بوجود أزمة، هذا فضلاً عن دعمه لسياسات معينة تعزز من النظرة السلبية للأجانب، مثل طرح نقاش حول مقترحات لمنع الأجانب من شراء الأراضي، ويشير معهد جنوب إفريقيا للعلاقات العرقية، وهو مركز تفكير ليبرالي إلى أن "الفشل الذريع" لسياسات الحكومة في التعامل مع مشكلة البطالة وأوجه القصور في نظام التعليم، كان وراء هذه الهجمات ويحذر من زيادتها مما يضعف الاقتصاد .
وانتقدت حكومات أجنبية بينها الصين ونيجيريا وزيمبابوي حكومة جنوب إفريقيا لفشلها في حماية الأجانب، وفي جميع أنحاء القارة، كان هناك مقاطعة للموسيقيين من جنوب إفريقيا وشهدت العواصم تظاهرات أمام سفارة جنوب إفريقيا، وتم رجم الشحنات عبر المعابر الحدودية .

* باحثة متخصصة في الشؤون الإفريقية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية