الأعسر هو الذي يعتمد على يده اليسرى في أموره اليومية خاصة في الكتابة، ولكن في عالم طغى عليه عدد الذين يكتبون بيدهم اليمنى، اعتبر البعض أن هناك مشكلة في الإنسان الأعسر واعتبره البعض عيباً، وخللاً في وظائف الجسم، وهذا يخالف النظريات العلمية التي أثبتت أن تركيبة الأعسر البيولوجية التي خلقه الله عليها تعد ميزة وسبباً لنبوغ هذا الإنسان الذي عادة ما يحمل مواهب متعددة ويتفوق على غيره ممن هم في مثل سنه، بجانب إبداعه وذكائه وقدرته على تحمل ما لا يتحمله غيره من أصحاب اليد اليمنى.
ناقشنا القضية في هذا التحقيق.
سحر عبدالرحمن ربة منزل تقول: ابنتاي ديما وعهد تستخدمان اليد اليسرى في كل شيء، رغم أنني ووالدهما وشقيقهما نستخدم اليد اليمنى، لاحظت ذلك عندما وصلتا للمرحلة التي يبدأ فيها الطفل بتحريك يديه والامساك بما أمامه حيث تستخدمان اليد اليسرى مباشرة في التقاط أي شيء، ولم أعتبر أبداً أن الأمر مشكلة أو مرض أو عاهة كما يعتبره البعض، ولم أحاول تغييره فقد كنت على علم تام بأن هذا شيء فطري وأي محاولة لتغييره قد تؤثر سلباً فيهما، الشيء الوحيد الذي حاولت تغييره هو تمكينهما من استخدام اليد اليمنى في تناول الطعام اتباعاً لسنة نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم حين قال: وكل بيمينك وكل مما يليك.
وتضيف: ابنتي الكبرى ديما استطاعت التحكم بيدها اليمنى واستخدامها في تناول الطعام لدرجة أنها كانت تطلق على يدها اليسرى جملة: اليد الحرام في تناول الطعام، أما ابنتي الصغرى عهد فلا تستطيع فعل أي شيء بيدها اليمنى، حتى الطعام لم تتمكن حتى الآن من تناوله بيدها اليمنى، وأشعر أن ابنتاي متميزتان حيث تمتلكان مواهب متعددة كالخط الجميل والرسم والعزف على الآلات الموسيقية من دون تعلم سابق، وهذا ما لا يمتلكه الكثير من أصحاب اليد اليمنى.
أما رنا عبدالفتاح طالبة جامعية فتقول: أعتمد على يدي اليسرى لأني أشعر بأنها أقوى من اليمنى ويسهل تحكمي بها مع انني أضطر أحياناً لاستخدام يدي اليمنى لتناول الطعام أو استخدام الكمبيوتر وذلك لأن الماوس مصمم لاستخدام اليد اليمنى، حاولت أسرتي أن أستخدم يدي اليمنى في كل شيء حيث توجه بي والدي إلى الطبيب أملاً في ايجاد علاج لحالتي والتي اعتبرها مشكلة كبيرة، لكن باءت جميع محاولاته بالفشل، أما بالنسبة لي فقد كنت لا أكترث على الاطلاق بشأن هذا الموضوع لأنني كنت أشعر بأني طبيعية جداً بل إن اعتمادي على يدي اليسرى ميزة أكثر من كونها فطرة.
وتضيف: هواياتي الفنية لا تعد ولا تحصى وأنا على يقين أن لذلك علاقة كبيرة باعتمادي على يدي اليسرى لأن العلم أثبت أن الجزء الأيمن من الدماغ والذي يعتبر مسؤولاً عن الجانب الفني والإبداعي في الإنسان يتحكم في الجزء الأيسر من الجسم ليحول صاحبه إلى إنسان أعسر.
وفي موقف لا تنساه رنا تقول: دخلت معهداً للفنون التشكيلية ومنذ الوهلة الأولى توجه نحوي مدرس الفنون وقال لي بصوت يملؤه الإعجاب، إن طريقة التقاطي للقلم تبشر بفنانة واعدة، وهنا شعرت كم أنا إنسانة محظوظة.
ويبدو أن الأمر يكون في بعض الأحيان وراثياً كما أكدت سمر مازن طالبة جامعية حين قالت: أنا وشقيقتي وعمتي نميل إلى استخدام اليد اليسرى في إنجاز أغلب أعمالنا، ولم يكن هذا الموضوع يمثل أي مشكلة بالنسبة لعائلتي لأننا استطعنا استخدام اليد اليمنى في تناول الطعام وهذا هو المهم، لم أواجه أي انتقادات من قبل صديقاتي ولم أشعر أبداً بأنني مختلفة، لأنني أقوم بنفس ما يقمن به وبنفس الكفاءة.
أما محمد عبدالكريم طالب والذي يعتمد على يده اليسرى في الكتابة فقط فيقول: أقوم بممارسة أغلب أعمالي ونشاطاتي بيدي اليمنى ولكن حين يتعلق الموضوع بالكتابة فإن يدي اليسرى تصبح سيدة الموقف، لم أواجه أي انتقادات من قبل أصدقائي أو عائلتي، فالأمر ليس بهذه الأهمية، بل الأهمية تكمن في إنجاز الأعمال باتقان تام وعلى أكمل وجه.
ويضيف: أشعر بأنني متفوق على أقراني لأنني أمتلك قدرة كبيرة على حل الألغاز والمعادلات الرياضية الشائكة بسهولة وسرعة فائقة.
وتقول إنعام محمد مدرسة والتي تعتمد على يدها اليسرى في إنجاز أعمالها: أتعرض دوماً للانتقادات والأسئلة بما يخص هذا الموضوع، ولا أعرف لماذا يعتبر الناس هذا الأمر مشكلة ويكثرون التساؤل حوله، فاليد أولاً وأخيراً وسيلة لإنجاز الأعمال وبالنسبة لي فيدي اليسرى هي وسيلتي الأولى لذلك، وفي نهاية الأمر هي فطرة لا أستطيع تغييرها.
وترى شيماء ثابت طالبة جامعية والتي تمتلك مواهب متعددة منها كتابة الأشعار والرسم والتلوين والخط الجميل أن الأمر وراثي بالدرجة الأولى لأنه منتشر في عائلتها وهذا ما يجعله طبيعياً جداً، فلم يمارس والداها أي ضغوط عليها لتغيير الأمر، وهذا ما جعلها تشعر بثقة كبيرة في استخدام اليد اليسرى بلا حرج.
أما شيماء رياض طالبة جامعية والتي رفضت أن يكون للأمر علاقة بالوراثة فتقول: أقوم بكل أعمالي بيدي اليمنى، إلا الكتابة فهي بيدي اليسرى، الأمر لا يتعلق بالوراثة في نظري لأنني الوحيدة من بين كل أفراد عائلتي التي أتميز بذلك، حاول والداي في بداية الأمر تعويدي استخدام يدي اليمنى في الامساك بالقلم، ولكن محاولاتهما لم تثمر عن شيء، وعندما التحقت بالمدرسة ولاحظت أن كل صديقاتي يكتبن باليد اليمنى، حاولت تقليدهن فلم أستطع، كان الأمر في غاية الصعوبة فلم أكرر المحاولة لأنني اقتنعت أن هذه هي طبيعتي التي يصعب علي تغييرها.
وفي رأي مختف تقول أم الطالب محمد رائد: ابني يجيد كرة القدم وتكمن براعته في قدمه اليسرى فهي مركز قوته وسيطرته في هذه اللعبة كما يستخدم قدمه اليسرى في التسديد فيصيب الهدف دوماً، وأنا فخورة بذلك لأن عظماء الكرة السابقين من أمثال مارادونا والحاليين من أمثال ليونيل ميسي يفعلون الشيء ذاته ويستخدمون القدم اليسري في التسديد، أما بالنسبة ليديه فهو يستخدم اليمنى في كل شيء، ولا أعلم ما السر في هذا الاختلاف لديه، ولكني أرى أن الأمر له علاقة بالوراثة فوالده يشترك معه في الأمر نفسه.
يقول الدكتور أحمد رضا المرشد النفسي بجامعة الشارقة: كثير من الآباء يعتبرون أن هناك مشكلة في كون ابنهم أعسر، ولكن من وجهة نظر نفسية أن الانسان الأعسر إنسان عادي لا يعاني أي مرض أو خلل، فهو يتساوى في قدراته مع الإنسان غير الأعسر، أما عن القدرات العقلية فتتفاوت من شخص لآخر وليس لذلك علاقة بكون الشخص أعسر أم لا، ربما يكون الأعسر أكثر إبداعاً من غيره في مجالات معينة كالعالم الفيزيائي آينشتاين والذي كان أعسر، ويعود سبب الإبداع والتميز لدى الشخص الأعسر إلى اعتماده على نصف الدماغ الأيمن والذي يعتبر أكثر نشاطاً من نصف الدماغ الأيسر، وفي احصائية سابقة ثبت أن نسبة الذين يستخدمون اليد اليسرى في العالم تتراوح ما بين 5 و10%، أما الآن فقد وصلت هذه النسبة إلى 11% وهذا يعني أن هذه النسبة في ازدياد.
وعن امكانية تعويد الطفل الأعسر استخدام يده اليمنى يقول: الصورة النموذجية هي تفعيل النصفين الأيمن والأيسر من الدماغ معاً وهذا الأمر ممكن إن صاحبه تدرب ضمن برنامج تأهيل عصبي سليم، فمن المستحسن مساعدة الطفل على استخدام يده اليمنى حتى وإن كان في ذلك إجبار، لأن ذلك يعطيه طاقة لتفعيل قدراته ولن يضره ذلك بل سينفعه إن كان مصحوباً بتفهم ومحبة وإقناع ولطف، ولكن إن كان الإجبار مصحوباً بالصراخ والعنف والقسوة فذلك سيؤثر سلباً فيه ويصيبه بالاكتئاب، ويكون عدم بدء البرنامج في هذه الحالة أفضل.
وأكد الدكتور أحمد أن محاولة تعويد الأعسر استخدام يده اليمنى في الصغر أفضل منه بكثير في الكبر ويكون العلاج أسهل والنتيجة أسرع وأفضل، والعلاج حتماً سينجح لأن علم التأهيل العصبي أثبت أن الخلايا وأجزاء الدماغ لا تعمل منفردة وإنما تعمل بشكل جماعي، فلو أصيب الدماغ بخلل ما فإن برامج التأهيل العصبي كفيلة بأن تجعل أجزاء أخرى من الدماغ تقوم بتعويض مهام هذا الجزء الذي أصابه الخلل.
د. أحمد الحداد: استخدام اليد اليسرى
في تناول الطعام له شروط
تباينت آراء الناس حول حكم الشرع في استخدام اليد اليسرى أثناء تناول الطعام، فما رأي الدين في ذلك؟
يقول الدكتور أحمد الحداد رئيس لجنة الافتاء بدبي: الإسلام يدعو لاستخدام اليد اليمنى في تناول الطعام، وهذا هو الأفضل وذلك لقول رسولنا الكريم وكل بيمينك أما إذا كان الشخص أعسر وقد اعتاد استخدام يده اليسرى في أداء أعماله، وصعب عليه الأكل بيده اليمنى، وقد حاول التمرن على ذلك مراراً وتكراراً بلا جدوى فلا حرج عليه، ولكن لو كان ذلك متعمداً أو رفض استخدام يده اليمنى في تناول الطعام فإنه بذلك يعصي رسول الله، وقد ثبت الحديث الذي أمر فيه النبي محمد صلى الله عليه وسلم رجلاً يأكل بيسراه فقال: كل بيمينك فقال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، ما منعه إلا الكبر، قال فما رفعها إلى فيه. ومعنى ذلك أن يد الرجل يبست وما استطاع تحريكها، وفي هذا نصر من الله لنبيه فعاقب الرجل معاقبة سريعة، لأنه كان قادراً على تناول الطعام بيده اليمنى ولكنه رفض ومنعه تكبره من ذلك.