تضم منطقة الجزيرة الحمراء، وهي المنطقة الواقعة في مدخل إمارة رأس الخيمة للقادمين من إمارات أم القيوين وعجمان والشارقة ودبي، آخر قرية أصيلة و تقليدية متكاملة ما زالت على قيد الوجود في الدولة وهو ما يتعلق بالتحديد بالشعبية القديمة أو ما يعرف بالجزيرة الحمراء وجزيرة الزعاب نسبة إلى قبيلة الزعاب التي تقطن المنطقة منذ مرحلة تاريخية قديمة رغم ما ترزح تحته المنطقة حاليا من إهمال واضح للعيان لا يوازي إطلاقا القيمة التاريخية والأبعاد التراثية والعمق الحضاري للمنطقة والتي تنطوي على رمز تراثي فريد من نوعه وفقا لما تراه مصادر مختصة في التاريخ والتراث المحلي.
الجزيرة الحمراء القديمة أو جزيرة الزعاب تشكل مبعثا للفخر لأبناء المنطقة وأبناء رأس الخيمة عامة ووجها حضاريا مشرقا ومصدرا خصبا للخيال ومبعثا للغرائب وحكايات الجان.
عاش سكان الجزيرة الحمراء الصغيرة في الحقبة التاريخية السابقة لنشأة دولة الاتحاد على أعمال ومهن تتصل بالملاحة البحرية وتجارة اللؤلؤ والغوص في أعماق الخليج العربي قبل أن يهجروا منازلهم في الشعبية القديمة الباقية حتى الآن على حالها القديمة والأصيلة عكس نظيراتها في مختلف مناطق الدولة الأخرى والتي تعرضت للهدم والإزالة تحت وقع عمليات البناء والتطور التي عاشتها الدولة منذ منتصف القرن العشرين حين أخذت مرحلة البناء والتطور تتسارع بوتيرة عالية مع ظهور النفط ونشأة دولة الاتحاد.
احتفظت شعبية الجزيرة الحمراء القديمة بصورتها الهادئة والنقية وقسماتها التاريخية الضاربة الجذور في الماضي وملامحها التراثية الأصيلة قبل اكتشاف النفط حتى يومنا هذا لتشكل الجزيرة الحمراء حالة فريدة من نوعها في إمارة رأس الخيمة وفي الدولة بصفة عامة.
وظلت عناصر المدينة التقليدية واضحة وبارزة المعالم في الجزيرة الحمراء بما فيها القلعة أو الحصن والذي كان يستخدم للأغراض الدفاعية في حالات الحروب أو التعرض لهجوم مضاد إلى جانب السوق الصيفي ومساجد عديدة ونماذج مختلفة من المنازل وتتنوع تلك الأبنية القديمة التي كان يقطنها تجار اللؤلؤ الأثرياء وسواهم من مختلف شرائح وفئات المجتمع المحلي في تلك الفترة التاريخية. ويرى متخصصون في التراث والتاريخ المحلي أن الجزيرة الحمراء القديمة تعد أحد أفضل المواقع التقليدية لدراسة وبحث فنون العمارة التقليدية الإماراتية على وجه الخصوص والخليجية عامة للوقوف على سماتها المتأصلة لاسيما الأحجار والصخور المرجانية المستخدمة على طول ساحل الخليج العربي والمأخوذة من سواحله ومياهه الزرقاء والتي شيدت منازل الشعبية القديمة منها. ويشير قراءة الواقع التاريخي والتراثي في القرية الكاملة في منطقة الجزيرة الحمراء في رأس الخيمة إلى وجود أكثر من 100 منزل على الطراز التقليدي المحلي الخالص بمكوناتها وأجزائها المختلفة إلا أن ما يثير الحزن والأسى على الماضي الجميل التي تعكسه تلك القرية الإماراتية التاريخية أن بعضها بدأ في الانهيار والتداعي في طريقه للزوال ما لم يتم إنقاذ ما يمكن إنقاذه من تلك الذاكرة الجمعية والمخزون التاريخي والكتاب التراثي المفتوح على مصراعيه لاسيما أنها عرضة لمخاطر عديدة في ظل عوامل المناخ المحلي القاسي والتعرية وموجات البناء الاسمنتي والتمدد العمراني المحموم.
كما أن البعض الآخر من مساكن شعبية الجزيرة الحمراء القديمة ما زال يحتفظ بحالته الجيدة نسبيا في حين يجد المارة بشوارع تلك المدينة الإماراتية القديمة أنفسهم مأخوذين بالتمعن والنظر في أفنية المنازل التي تعكس صور وأشكال الحياة الاجتماعية والمدنية في مراحل سابقة من عمر ومسيرة إمارة رأس الخيمة ما قبل ظهور النفط ونشأة الدولة الاتحادية في حين أن العديد من تلك البيوت القديمة المبنية من الحجر المرجاني تتزين بالجدران المزخرفة والكوات وتمثل مدينة الجزيرة الحمراء القديمة نظرة عبر نافذة ساحرة إلى الماضي الذي أوشك على التلاشي والاندثار من واقعنا المعاصر وهو ما يحتم مبادرة مؤسسات الدولة بدعم ومساندة نظيرتها في القطاع الخاص المحلي ومؤسسات المجتمع المدني إلى صيانة وترميم ذلك النموذج الفريد من نوعه وإعادة الحياة إلى دورتها السابقة في ربوع الجزيرة الحمراء القديمة.
أبرز المعالم المتبقية
التجول بين جنبات وأنحاء الجزيرة الحمراء القديمة يقودنا للتعرف الى أبرز معالمها التي باتت منذ سنوات طويلة مسكونة بالوحشة خاوية على عروشها تعاني الإهمال وهجرة الأهل والأحبة وتشتت شملهم في بعض الحالات وتركها نهبا لنسج قصص الجان والخيال وأبرزها يمكن وصفه كتالي:
* الحصن: بقي جزء بسيط من الحصن، إلا أن مصادر تاريخية وأخرى لا تزال شاهدة حية على ذلك الزمن تؤكد أنه كان مستطيل الشكل سابقا وله برجان ملتفان على جانبيه وكلاهما يمكن مشاهدتهما حتى يومنا هذا أحدهما مستطيل والآخر مستدير وكلاهما شاهدان على طبيعة الحصن الدفاعية والأهداف التي شيد من أجلها في الماضي وهو ما يتلاءم مع طبيعة الأمن ومعطيات الحياة في تلك الفترة التاريخية ويمكن الوصول إلى البرج المستطيل بسهولة ومن خلاله تشاهد منظرا عاما رائعا من أعلى للمدينة القديمة برمتها.
* بيت البرج الدائري: يقع بالقرب من ساحل الخليج العربي غير البعيد عن المدينة القديمة وهو مجمع سكني رائع مكون من بيوت عديدة بأبراج مستديرة ملتفة حول ساحة خاصة كان يقطنها عدد من العائلات والأسر الثرية تنتمي للعشيرة نفسها الزعاب ومما يستحق الذكر أن هذا المجمع التراثي والتاريخي المميز نجح في استقطاب تلفزيون سما دبي خاصة ومؤسسة دبي للإعلام عامة حيث استخدمته كمجموعة كاملة لإنتاج دراما تاريخية محلية. المسجد ذو المئذنة الخاصة: ويقع في فريج مشهور في المنطقة يدعى فريج المناخ، كما يذكر أهالي الجزيرة، ويتميز هذا المسجد الإماراتي من بين مساجد عديدة بمئذنته الخاصة ويقع بالقرب من منطقة السوق وساحل البحر البالغ الروعة والجمال ويتميز بنسيمه العليل القادم إليه من صوب الخليج العربي الساحر وقد شيدت مئذنة المسجد على شكل مخروطي ومنفرد.
منازل تجار اللؤلؤ
تحفل منطقة الجزيرة الحمراء التاريخية بالعديد من النماذج الثرية بسماتها ودلالاتها من المساكن القديمة والتراثية من أبرزها المساكن العائدة لشريحة من التجار لاسيما تجار اللؤلؤ والأثرياء عامة من هذه المنازل:
منزل أحمد العمران: بني هذا المسكن خصيصا لتاجر لؤلؤ ثري ويعكس المنزل الرئيسي والجميل مدى ثراء وأهمية مالكه في تلك المرحلة وتقع غرفة الاستقبال المجلس في الطابق العلوي وهي مزينة بزخارف رائعة وكوات مرتفعة بأقواس مصممة بصورة فنية تدل على طول الجدران مما يشكل مزيجا أخاذا من الفن العربي الإسلامي مختلطا بمؤثرات واضحة من نظيره من الفن المعماري الهندي والذي جاءت تأثيراته جراء التجارة المزدهرة حينها لساحل الخليج العربي مع شبة القارة الهندية فيما كانت تستخدم أيضا لأغراض التهوية ومعدات متطورة للرياح إضافة إلى كوات مستطيلة مخفية أسفل الكوات الكبيرة للاحتفاظ بنسيم الهواء العليل و الوقاية من الشمس وحرارتها المرتفعة والحادة خاصة خلال فصل الصيف اللاهب محليا.
آراء وافكار
تقطن قبيلة الزعاب المعروفة في رأس الخيمة والدولة عموما منطقة الجزيرة الحمراء منذ فترة قديمة وهي التي بنت وشغلت الشعبية القديمة في المنطقة وهي من القبائل الإماراتية التي تملك تاريخا مشهودا ولها صولات وجولات مختلفة في التاريخ المحلي.ويعود عمر قبيلة الزعاب في الدولة إلى عمر منطقة الجزيرة الحمراء ذاتها ويتراوح من 600 إلى 700 سنة وكان ذلك أول ظهور لها، وفقا للمصادر التاريخية المتاحة والروايات التي يتناقلها أهالي المنطقة ويتوارثونها أبا عن جد، حيث ارتحلت قبيلة زعاب، كما تذكر مصادر القبيلة والمنطقة من صوب نجد والحجاز مرورا بالربع الخالي.
وكان لهذه القبيلة أراضٍ وجزر وحمى وقلاع وأبراج وأسوار وحصون وقصور وخور قبل أن يتعرض للدفن والردم قبل سنوات طويلة وأحياء شعبية ومزارع وآبار ومراعي ابل وحلال وسواها من الممتلكات والمعالم ما زال الكثير منها باقياً حتى يومنا. ورغم أن الجزيرة الحمراء لا تزال تشكل المركز الرئيسي لقبيلة الزعاب اليوم إلا أن أبناء القبيلة امتدوا وانتشروا في مناطق أخرى مختلفة في إمارة رأس الخيمة وعلى امتداد خريطة الدولة أبرزها مدينة رأس الخيمة المعاصرة.
محمد راشد الزعابي من أهالي الجزيرة الحمراء أشار إلى لجوء العديد من المؤسسات السينمائية والفنية إلى استثمار الطابع التاريخي والتراثي الفريد من نوعه للمنطقة والشعبية القديمة بالذات من خلال تصوير الأفلام والأعمال السينمائية والغنائية التراثية إلى جانب أداء الأناشيد الإسلامية في ربوعها ومشاهد المسلسلات المحلية والخليجية عامة، ولفت إلى الإقبال المكثف على الجزيرة الحمراء القديمة من قبل السياح والزائرين من مختلف إمارات الدولة والمنطقة ودول العالم فضلا عن أساتذة الجامعات وكليات التقنيات العليا ومؤسسات التعليم العالي المختلفة والمتخصصين في الشؤون التاريخية المحلية إلى جانب كثرة إقبال هواة ومحترفي التصوير الفوتوغرافي لالتقاط الصور للمنازل الشعبية القديمة والتراثية في الجزيرة الحمراء فيما يبادر بعضهم للمشاركة بتلك الصور النادرة في مسابقات التصوير الفوتوغرافي المحلية وهو ما يكشف حجم تفرد هذه المنطقة التاريخية ومميزاتها التراثية التي يقل نظيرها في الدولة والمنطقة.
وقال أحمد يوسف الزعابي من أهالي الجزيرة الحمراء المخضرمين، 70 عاما، إن الجزيرة الحمراء حافلة بالقصص التاريخية وشاهدة لا تزال حية على تاريخنا وسيرة وتحولات المنطقة إلا أن هذا الشاهد الصامت، كما يصفه، يمكن أن يتحول إلى شاهد حي وناطق في حال الاهتمام من قبل الجهات والمؤسسات المختصة في الدولة بالمنطقة عبر مشروع شامل ومتكامل لصيانتها وترميمها.
عبيد القطام الزعابي، 65 عاما، يرى ضرورة المبادرة في أسرع وقت لإنقاذ ذاكرة المنطقة والإمارة والدولة عموما من الضياع والاندثار والمحافظة على هذا التراث التاريخي الحي ليظل عالقا وشاهدا في ذاكرة ووعي الأجيال القادمة وهو ما تلتزم به الأمم الحية التي تعكس اهتماما كبيرا بتراثها وتاريخها وشواهد هذا التاريخ العزيز وتبذل النفيس والغالي في سبيل المحافظة عليه وتنفق أموالا باهظة لحماية تاريخها وتراثها.
أم أحمد، ربة أسرة، من أهالي المنطقة ترى كذلك أن الحاجة ماسة اليوم أكثر من أي وقت مضى لإعادة إحياء الجزيرة الحمراء القديمة جزيرة الزعاب، كما عرفت واشتهرت في رأس الخيمة والإمارات عامة، في ظل ما يواجهنا من تحديات جسيمة وحادة أبرزها الاختلال السافر في التركيبة السكنية مناشدة الجهات المختصة في الدولة إلى المبادرة إلى مشروع وطني لحماية ذاكرة الجزيرة الحمراء وتاريخها الباقي والماثل على ساحلها الساحر للعيان حتى اليوم خاصة خلال عام الهوية الوطنية وهو العام الحالي.
من وجهة النظر التاريخية يؤكد الدكتور عبدالله الطابور صاحب كتاب جلفار عبر التاريخ أن تسمية منطقة الجزيرة الحمراء القديمة هي جزيرة أم عويمر قبل ظهور أسماء أخرى في مراحل تاريخية متعاقبة وهو اسم يعود نسبة إلى امرأة حملت المنطقة في مرحلة تاريخية سابقة اسمها وارتبطت بها ارتباطا وثيقا.
كما ترى بعض المصادر التاريخية أن الجزيرة الحمراء في رأس الخيمة هي أقدم منطقة عرفت في الإمارة حيث عثر على ركام ضخم من الهياكل ومجموعة من الأسطح الخارجية مما منح مؤشرات وتلميحات أولية لأنشطة إنسانية قديمة في المنطقة إلى جانب ما عثر عليه من الفخاريات والخرز وشباك وأدوات من الصوان وهي تمثل الحضور السابق لسكان البادية الذين كانوا يعيشون على الساحل خلال شهور الصيف.
واشار الدكتور حمد بن صراي أستاذ التاريخ في جامعة الإمارات إلى أن نشأة الجزيرة الحمراء تاريخيا تعود إلى القرن السابع عشر وهو ما يوازي نشأة رأس الخيمة وارتبطت الجزيرة الحمراء بقبيلة الزعاب العربية المعروفة في المنطقة وهو ما حدا بالأهالي إلى تسميتها قبيلة الزعاب ما يدل على حجم الصلة بين القبيلة والمكان.
وتوقف أستاذ التاريخ الإماراتي عند واحدة من أبرز محطات تاريخ الجزيرة الحمراء وهي الحملة الثالثة للبريطانيين على إمارة رأس الخيمة والتي تعرضت سواحلها للقصف من قبل الأسطول البريطاني ومن ضمنها ساحل الجزيرة الحمراء تمهيدا للاحتلال. ويضيف أن الجزيرة الحمراء اشتهرت بصلتها الحميمة والوطيدة بالبحر ومياه الخليج العربي، حيث عرفت بامتهان أهلها للصيد والغوص بحثا عن اللؤلؤ في أعماقه على غرار ما عرف به أهل الساحل في الإمارات والمنطقة باعتبار أن أبرز العلامات الفارقة في الجزيرة هو مساكنها ومبانيها التاريخية والتراثية وهي من أبرز ما يميزها في الدولة ومنطقة الخليج عامة وهي بحاجة ملحة لرعاية شاملة من تخطيط وصيانة وخدمات لتعود إلى الحياة وتحتل المكانة اللائقة في واقعنا وذاكرتنا المعاصرة.