الشارقة - محمد أبو عرب:
ينفتح مشروع كلمة في ترجماته الأخيرة على الثقافة اليابانية، مقدماً للقارئ العربي واحدة من الثقافات التي ظلت غائبة عنه لعقود طويلة، إذ يترجم مؤلفات لمجموعة من أبرز الروائيين اليابانيين، وكتباً تتناول الحياة الاجتماعية، والثقافية في اليابان .
ويأتي هذا الانفتاح ضمن رؤية المشروع لتقديم ترجمات تغطي المشهد الثقافي والحضاري العالمي، إذ يمضي مشروع كلمة منذ انطلاقته في نوفمبر/ تشرين الثاني ،2007 في ترجمة أبرز مؤلفات الثقافة الأوروبية واللاتينية والشرق آسيوية، فقدم للمكتبة العربية مئات العناوين في حقول الفلسفة، والديانات، والعلوم الاجتماعية، واللغات، والفنون والألعاب الرياضية، والآداب، وغيرها من الحقول .
يتخطى مشروع كلمة في ترجمة معالم بارزة في الثقافة اليابانية، واحدة من الإشكاليات التي ظلت تواجه حركة الترجمة في العالم العربي، والمتمثلة في ندرة المترجمين لهذه الثقافات، وقلة دور النشر التي ترحب بها، فانفتاح المثقفين العرب على الثقافة الغربية لأن لغتها هي الأقرب والأكثر شيوعاً في العالم العربي، أسهم في تأخر الانفتاح على كثير من الثقافات .
ليس ذلك ما أخر الانفتاح على الكثير من ثقافات العالم، أيضاً هناك كذلك ندرة المترجمين عن لغات شرق آسيا الأصلية، إذ حتى اليوم يعد عدد المترجمين من الصينية او اليابانية أو الكورية قليل جداً، وهذا يعود للعديد من الأسباب، أبرزها أن الكثير من أصحاب جهود الترجمة ظلوا يرون في تلك اللغات لغات صعبة وتعلمها لا يشكل إضافة كبيرة لمشروعه كمترجم .
السبب الآخر هو أن تلك الثقافات ظلت إلى عقود قريبة مغلقة، وتقدم عبر المنابر الثقافة الغربية، التي اختزلتها في صورة الرجل الآسيوي الذي يأكل الأرز الأبيض، صاحب الشعر الفاحم الناعم، يقاتل بالسلاح الأبيض، ويتقن فنون الكونغ فو، وهذا كله روجت له السينما الغربية بسلسة من الأفلام التي ما زالت حتى اليوم تؤكد هذا الصورة عن تلك الثقافات .
إلى جانب ذلك شكلت اللغة الانجليزية بوصفها لغة العلم منذ القرن التاسع عشر، أداة تواصل فاعلة مع مختلف ثقافات العالم، فظل العرب يرون في الإنجليزية بوابتهم إلى العالم، وهم ينقلون ما ينقل الغرب من ترجمات، ورافق ذلك جهود ضخمة اشتغل عليها الغرب في نقل مختلف ثقافات العالم إلى مكتباته، مقابل جهود ضئيلة تتواصل إلى اليوم في حركة الترجمة العربية . من جانب آخر لجأ الكثير من أعلام الثقافات الغائبة أو "اللاكونية"، إن جاز التعبير، إلى منابر ورافعات في الثقافة الغربية للخروج والإعلان عن أنفسهم بشكل فاعل، وتمثل ذلك في العديد من الأسماء التي لم يتعرف إليها العالم العربي، إلا بعد أن نالت جائزة عالمية غربية، كالروائي ياسوناري كواباتا، الذي تهافت الكثير من المترجمين العرب لنقل أعماله بعد حصوله على جائزة نوبل للأدب .
في المقابل لا يمكن الحديث عن قصور في جهود المترجمين وحسب، إذ حتى اليوم لا يوجد في الجامعات العربية كليات تدرس لغات شرق آسيا إلا فيما ما ندر، فمعظم الجامعات والمعاهد تدرس اللغات الغربية، وعلى رأسها الإنجليزية والفرنسية، والإسبانية، إضافة إلى أن حركة الترجمة العربية في مجملها تعاني الضعف .
هذه الحالة المتراجعة تجعل من مشروع "كلمة" واحداً من أكثر المشاريع فاعلية وجودة على المستوى العربي، من حيث كونه مؤسسة قائمة بذاتها وتستند إلى معاير في انتقاء مؤلفاتها ومترجماتها، وحتى على صعيد التسويق، والطباعة والتنقيح اللغوي، والإخراج .
نتيجة لحال الترجمة في العالم العربي وضعفها تحديداً تجاه ثقافات شرق آسيا، تظهر أهمية الترجمات التي يقدمها مشروع كلمة على الرغم أن جلها يأتي نقلاً عن الإنجليزية، فهذه الترجمات تفتح مساحة جديدة أمام المشتغلين في الترجمة للتوجه إلى النقل عن اللغة الأصل، ودفع أجيال المترجمين الجدد إلى تعلم لغات مثل الصينية، أو اليابانية أو غيرها من لغات شرق آسيا .
ويتجلى هدف مشروع كلمة في انفتاحه على الثقافة اليابانية عبر ترجمته كتاب "اليابان في القرن الثامن عشر . . سلسلة الحياة اليومية عبر التاريخ" للمؤلف لويس بيريز الذي نقله إلى العربية د . عابد إسماعيل، إلى سبر "اليابان اليومية"، المهملة، وأناسها العاديين . والتقاطُ نكهة الناس من غيرِ طبقةِ "النخبة"، ومحاولة إعادة تصوير الحياة العادية لليابانيين .
يطمح الكتاب إلى تقصي أفعال الناس في حيواتهم اليومية الطبيعية . كيف كانت حياتهم؟ وكيف كانوا يعيشون؟ وماذا كانوا يأكلون؟ وما هي الأدوات التي استخدموها؟ ما هو "الطبيعي" و"العادي" بالنسبة لهم؟ إذ يرى المؤلف أن الطبقات الدنيا تتألف من خمسة وتسعين في المئة من عدد السكان .
ويقدم المشروع كذلك، معجم الأدب الياباني للمؤلف جان جاك اوريغا، ترجمة حبيب نصر الله الذي يقول فيه: "إن الأدب الياباني ذو ثروة استثنائية بعدد أعماله التي تمّ الحفاظ عليها وبتنوعه الفريد لاسيما الشعر والمسرح . وكان القرن السابع عشر مفخرة أدبه لكثرة روائعه الكلاسيكية . بدأ أدبه الحديث مع عصر إيدو 1868 وما زال حتى الآن ينشر إبداعات أدبائه على أجنحة الشمس . أليس اليابان بلد الشمس" .
أكثر من خمسة عشر عنواناً أنجزها المشروع حول الثقافة اليابانية، تتنوع في موضوعاتها، تشتمل على أهم الروايات، والحكايات الشعبية، ومؤلفات حول الفنون البصرية، والشعبية، إضافة إلى المعتقدات الدينية والفلسفات وغيرها، ومنها: "موكب الأشباح . . حكايات شعبية من اليابان"، ورواية "عار في السلالة" لتيتسيو مييورا، و"مدرسة الحرية" لشيشي بونروكو، و"المرأة على الضفة المقابلة" لميسويو كاكوكا .