تتيح مواقع التواصل الاجتماعي المعنية بالفعل الثقافي، أمام القراء فرصة ليشكلوا قاعدة نقدية قائمة على الذائقة الفردية، التي سرعان ما تتحد مع مثيلتها لتشكل حالة نقدية متكاملة، يمكن قراءتها في مسارات نقدية محكمة وأكاديمية، إذ لم يعد القارئ في طرف المعادلة الساكنة للفعل الثقافي، وإنما صار هو المحرك الرئيسي، ويكاد يكون الأول في عملية الكتابة، وما يقابلها من عملية قراءة.
«الخليج» تلتفت إلى صوت القراء، وذائقتهم النقدية في قراءة ثلاث من أشهر الروايات الصادرة خلال الأعوام الخمسة الماضية، والتي شكلت لدى صدورها ضجيجاً كبيراً، ظهر في عدد الطبعات التي صدرت منها، وعدد القراءات النقدية التي لاقتها في الصحافة والمجلات الثقافية، إضافة إلى تلك التي أخذت طريقها إلى الشاشة الكبيرة وتحولت إلى فيلم سينمائي.
أولى الروايات يقدمها المصري، محمد صادق، في عمله ذائع الصيت، الذي تجاوز عدد طبعاته ستاً وثلاثين طبعة «هيبتا»، إذ أخذت الرواية رواجاً كبيراً، تجاوز القراء ليصل إلى عدد رواد صالات السينما، فبعد أن تحولت إلى فيلم، صارت حديث الشارع المصري.
أمّا الرواية الثانية «قواعد العشق الأربعون» للتركية إليف شافاق، فهي الأخرى أحدثت شهرة عالمية، تجاوزت جغرافيتها التركية، لتكتسح مكتبات العالم العربي، والقارة الأوروبية، إذ ترجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة، وصارت حديث المشهد الثقافي العربي، كونها تتوقف عند الشخصية التراثية الفذة المرتبطة بتراث الصوفي جلال الدين الرومي.
وتأتي الرواية الأخيرة للكاتب عمار علي حسن «شجرة العابد»، إذ أحدثت حالة مغايرة في الرواية، ونجحت في توظيف التصوف بكل حالته الروحانية المتعالية، في تحقيق الكشف العميق عن خراب الحال السياسي، وضرورة الثورة كسبيل للخلاص، فنالت الكثير من الشهرة منذ صدورها حتى اليوم، وفتحت الباب على المنجز الأدبي للمؤلف للحد الذي طرحت في تجربته ست رسائل جامعية حتى اليوم، وصدرت مؤخراً الطبعة الرابعة من الرواية.
يتوقف القراء عند هذه الروايات الثلاث، بأقلام مسنونة، منها الموغل في المدح والثناء على جهد الكتاب، ومنها الحاد والقاسي للحد الذي يقدم في الروايات، ملاحظات دقيقة، بعضها يرتبط بالبناء السردي، وبعضها باللغة، إضافة إلى مسار الحكاية، وغيرها من الإشكاليات التي يمكن للروايات أن تقع بها.
يقف عدد من القراء عند رواية «هيبتا» باعتبارها رواية فاتنة منسوجة بتشويق عالٍ، في الوقت الذي يعلو صوت القراء الساخطين على العمل، والذين يجدون فيها حكاية سطحية، تخلو من عناصر بناء العمل الأدبي الجيد، فيأتي في مراجعات القراء: «قصص في غاية السطحية، وعلاقات في غاية السذاجة، من السهل أن يقول أي قاريء، الآن، أنت تقول ذلك لأنك لم تعشها، أو لماذا تقول هذا، لقد مررت بتجربة مشابهة، وأقول له يا عزيزي، هناك فرق بين أن أقرأ تجربة، وأن أسمعها من أحدكم، وإلّا لكان كتَّاب صفحات الحوادث من أروع الأدباء، ومحققي أكبر نسب مبيعات في كتب البيست سيلر! أين الرواية أين الأدب؟! أين الصياغة الأدبية، أين اللغة المحكمة؟! بل أين بناء الشخصيات؟! لا شيء على الإطلاق من هذا».
وتتساءل بعض المراجعات: «لا أدري هل كنت أقرأ سيناريو فيلم أم جنساً أدبياً يُسمّى رواية! هل يهدف بعض الُكتّاب لتحويل «أعمالهم» إلى أفلام، أم إلى إثراء الساحة الأدبية! أسلوب ركيك جداً، حبكة مُقطّعة مشوّهة. لا أدري إن كان يريد من فصل القصص على مراحل، إيهام القارئ بعمق الشخصيات أم بالإثارة والتشويق! عن نفسي شخصياً لم أشعر بأي شيء، شعرت فقط بأنها قصص مغرقة بالخيال والسطحية والتشوّه والتصنّع. اللغة، فعلياً، لا يوجد إلّا اللغة العامية التي تجعل العمل سيناريو فعلي وليس رواية! عدا عن الأخطاء الإملائية والنحوية».
ولا تتوانى إحدى المراجعات عن وصف الرواية بالأسوأ بين الروايات العربية: «رواية كارثية بكل المقاييس، هناك الكثير من الروايات السيئة، لكن هذه الرواية الأسوأ عن جدارة. لم أندم على قراءة أي كتاب، كما ندمت على قراءة هيبتا التي تسيء جداً لمجتمعنا المصري، خصوصاً البنات في مجتمعنا، فليس كل البنات فى مصر كرؤى وعلا. أما بالنسبة للغة التي استخدمها الكاتب في الرواية، فحقيقة لا أعلم من أين أتى بهذه اللغة التي تجمع بين العامية الركيكة جداً، وبين الفصحي، فهذه أول مرة أقرأ لأحد يكتب بهذه اللغة المبتكرة! كل ذلك، إضافة إلى كمية الألفاظ التي لا يستطيع أن ينطق بها أي شخص على الإطلاق».
على الرغم من حجم الطبعات والفيلم الذي كرس الرواية، إلّا أنه لم يمنعها من النقد اللاذع، فما الذي يمكن أن يقوله القراء عن رواية للكاتبة العالمية إليف شافاق، خاصة وعدد طبعاتها ورواياتها يتصدر قائمة الروايات الأكثر مبيعاً في العالم العربي.
تكاد تكون كل المراجعات مجمعة على جودة الرواية وإحكام سبكها، «أول سؤال تبادر إلى ذهني بعد الانتهاء من الرواية، لماذا كُتب على غلافها قصة جلال الرومي، في حين أن البطولة الحقيقية كانت لشمس التبريزي، وسرعان ما تذكرت عبارة شمس، حين قال لابن الرومي، إنك عندما تكسر إحدى الجرتين فإن الجرّة الأخرى تنكسر أيضاً، إن شمس هو جلال وجلال هو شمس».
«هذه الرواية تتناول سيرة قطبي الصوفية، وحين تباشر القراءة تشعر بأن شافاق أخذتك لرحلة إلى الداخل تدعوك فيها لتغيير بعض مفاهيمك تدعوك للمحبة، للسلام الروحي، بعيداً عن تضخيم الذات، وسوء الفهم، الأحكام المسبقة والإنانية، وهكذا حين تتعمق في قواعد العشق تنتابك حالة من الهدوء والصفاء، فأنت في أرض الفلسفة الصوفية».
«الرواية تسير في خطين زمنيين، الخط الأول تعيش فيه آيلا الزوجة والأم، والتي تقرأ رواية قدمتها لها إحدى وكيلات النشر، لتقييم مدى صلاحيتها، والخط الثاني هو ما يجري من أحداث في زمن جلال الرومي وشمس التبريزي، الذي كان يبحث عن رفيق ينقل له علمه وقواعده في العشق، بغض النظر عن اختلاف الثقافات، وبعيداً عن الشك والكراهية، وقريباً من الحقيقة كما يراها الصوفي».
«هناك أكثر من فكرة في الرواية لعل أبرزها الفكرة الصوفية حول العشق الإلهي، الذي يوِّحد البشر من دون أية أفكار عنصرية أو دينية أو طائفية، فلا يجب أن تقف الأديان حاجزاً بين الإنسان وأخيه الإنسان على اختلاف المشارب والعقائد والأفكار، إنها تقدم رسالة حب لهدم الأسوار، والانتقال لتفاهم مشترك بين الآخرين لبناء الحضارة البشرية، كما قدم هذه الفكرة بشكل مختلف جيلبرت سينويه، في روايته اللوح الأزرق، وهو ما حدث بين آيلا اليهودية وعزيز المسلم المفتون بالشرق، وبالروحانيات في الرواية».
وعلى الرغم من ذلك لم تسلم الرواية من النقد، فجاءت في بعض المراجعات: «بداية قراءتي» قواعد العشق الأربعون «لإليف شافاق، كنت متحمسة جداً للكتاب. الرواية بدايتها جذابة، وبإمكانها أن تحرك فضول القارئ بسهولة، لاكتشاف أسرار قصتين تدوران في الفلك نفسه. هما قصتا حب، ولو أن التشبيه قد يبدو غريبًا، فالقصة الأولى هي حب جلال الدين الرومي لشمس التبريزي. أمّا قصة الحب الثانية فهي عشق آيلا لعزيز. برعت الكاتبة في إدخال القصتين ببعضهما البعض، ولكن الأمر بدأ يصبح مملاً، لاسيما أن شخصيات رواية جلال الرومي، تتحدث عن نفسها، أمّا شخصيات آيلا فهي تروى وتصف.
الأمر الآخر الذي لفتني في الرواية هو المبالغة في إظهار معنى التصوف، وهنا توقفت كثيراً ورحت أقارن بينها وبين عملين لأمين معلوف «سمرقند» التي قرأتها منذ بضع سنوات و«الهويات القاتلة» التي كنت أقرأها في الوقت نفسه، مع الأصدقاء في صالون الجمعة. فلاحظت ميلاً عند الكتاب الحاليين بربط الإسلام بالتصوف من جهة، وبالتعصب من جهة أخرى. فمعظم ما يميل إليه المثقفون من الكتّاب الحاليين هو إظهار المسلم المتصوف أو المسلم المتعصب السلفي. ما من حل وسط. ما من مسلم مؤمن معتدل منفتح. شعرت وكأنني أمام مدرسة تروّج لهذه الفكرة، وكأنها مدرسة سرية تسوّق لأفكار حول الإسلام، ربما لتقرب وربما لتنفر وربما لتشوه».
ولا يسلم الدكتور عمار علي حسن، من النقد مثلما لا يسلم من الثناء أيضاً، ففي عدد المراجعات، يقارن القراء بين روايته «شجرة العابد»، وما قدمه من دراسات وبحوث سابقة حول الصوفية، فتذكر إحدى المراجعات: «توقعت الكثير عندما رأيت اسم د.عمار علي حسن كمؤلف لهذه الرواية، ولكن خاب أملي، فالفكرة ليست بجديدة تماماً والأسلوب أيضاً، حتى وصلت إلى الصفحة الثلاثمئة وتحول الحديث نحو الصوفيين ومشاهير أعلامهم (ذى النون - معروف الكرخى..) وتغير كل شىء بعدها»..
«سامحك الله د.عمار فأنت من التهمت له كتاب «فرسان العشق الإلهى» - وأصبح جزءاً لا يتجزأ من مكتبتى - وودت الكثير من كاتب عاشق صوفى مبدع مثلك».
مقابل ذلك يطرح عدد من القراءة خلاصاتهم في الرواية، وأهم النقاط الإيجابية فيها والسلبية، فيكتب أحد القراء: «تأرجح الرواية بين عوالم فنتازية وواقعية وصوفية متكئة على حقبة تاريخية» نهاية حكم المماليك، وما به من ظلم وجور على الشعب، «الرواية اعتمدت على بطلين أساسيين الشجرة وعاكف، وجميع الأبطال الذين ذكروا فيما بعد، هم لا قيمة لهم في نظري»، «نقلتني الرواية إلى جو من أجواء ألف ليلة وليلة (عالم الجن الأساطير) لكن بمذاق مختلف، الذي أزعجني في تلك الرواية الحبكة المفترض أن الشجرة، الجن هم من قاموا بإخفائها، وكيف لم يعرف ملك الجن مكانها فيما بعد، وكيف تكون الشجرة مباركة، ويهجم عليها الجراد، ويأكل فروعها، كيف استطاع الهدهد إنقاذ الشجرة، وما علاقة تلك الحادثة بباقي الرواية؟».