في الثامن من شهر مايو/أيار من كل عام تنطلق فعاليات يوم الثلاسيميا العالمي الذي أقرّته الأمم المتحدة في جدولها السنوي مما يدلّ على أهمية وخطورة ذلك المرض الذي رافق البشرية منذ أكثر من خمسين ألف سنة وفتك خلالها بمئات الآلاف من الأرواح.

إن مرض الثلاسيميا من أكثر الأمراض الوراثية انتشاراً في العالم إذ يبلغ عدد حاملي سمة المرض (أناس أصحاء ولكن إن تزوجوا من نفس الفئة أتوا بأطفال مرضى بالثلاسيميا) ما لا يقلّ عن 60 80 مليون فرد وأن 60 ألفاً من الأطفال المُصابين يولدون كلّ عام.

يبلغ إجمالي مرضى الثلاسيميا المسجلين لدى الاتحاد العالمي للثلاسيميا حوالي 200 ألف مريض.

والثلاسيميا هو اضطراب وراثي مرتبط بالدم، وينجم عن غياب أو انخفاض إنتاج الهيموجلوبين (بروتين في كريات الدم الحمراء مسؤول عن حمل الأكسجين إلى الأنسجة).

وقد تحتوي كل خلية من خلايا الدم الحمراء على ما بين 240 إلى 300 مليون جزيء من الهيموجلوبين. ولكل جزيء هيموجلوبين وحدتان فرعيتان (سلاسل) يشار إليهما عامة ب(ألفا) و(بيتا)، وكلاهما ضروري لربط الأكسجين ونقله إلى خلايا وأنسجة الجسم.

وتتحكم مجموعة جينات الجلوبين (ألفا) في إنتاج سلاسل ألفا، بينما تتحكم مجموعة جينات الجلوبين (بيتا) في إنتاج سلاسل البيتا. ويحدد النقص في أي منهما نوع الثلاسيميا الناجمة (إما ألفا أو بيتا).

وكلمة ثلاسيميا مشتقة من الكلمة الإغريقية ثالاسا ومعناها البحر، وذلك نظراً لأنه تم التعرف على تلك الحالة المرضية لأول مرة لدى البشر الذين يعيشون حول البحر المتوسط.

وإنها لحقيقة معروفة بأن الثلاسيميا (ألفا) و(بيتا) هي من أكثر الاضطرابات الوراثية شيوعاً في العالم وتنتج عن اختلالات أحادية الجينة. ولا يزال مرض الثلاسيميا يمثل مشكلة كبرى في كثير من أنحاء العالم.

وتزداد احتمالية حمل صفة مرض الثلاسيميا لدى البشر المنحدرين من منطقة البحر المتوسط (بما في ذلك شمال إفريقيا)، والشرق الأوسط، وجنوب شرقي آسيا، وذلك بالمقارنة بسكان المناطق الأخرى في العالم. فالثلاسيميا مرض متوطن في كافة دول العالم العربي تقريباً، وقد يرجع ذلك إلى التواجد التاريخي لطفيلي الملاريا في المنطقة، وانتشار ظاهرة زواج الأقارب.

وتتراوح معدلات حمل الثلاسيميا بيتا بين (1 5%)، وقد ترتفع هذه النسبة في بعض الدول، كما في الإمارات حيث تتجاوز عتبة ال8%.

وقد خضع الأساس الجزيئي للثلاسيميا بيتا لدراسات واسعة في مختلف الدول العربية، وتم التعرف على أكثر من ستين طفرة في مورثة الجلوبين بيتا لدى المرضى المصابين بالثلاسيميا بيتا في العالم العربي.

وقد أوضحت دراسة وراثية حديثة أجريت في دبي وجود خمسين طفرة بين سكان الإمارات العربية المتحدة. وكما هو متوقع فإن لكل دولة عربية، متوسطية كانت أم آسيوية، طيفها الخاص بالطفرات، فقد تظهر بعض الطفرات في معظم البلدان، بينما طفرات أخرى تكاد تكون منحصرة إقليمياً، وكل هذا نتيجة الأصول التاريخية للمرض في المنطقة.

ويمكن أن يبدأ تشخيص الثلاسيميا في وقت مبكر جداً (فيما بين 9 11 أسبوعاً من الحمل)، وذلك باستخدام وسائل وطرق مثل أخذ عينات من المشيمة.

كما يجوز تحليل السائل الأمينيوني خلال أسابيع الحمل 16 إلى ،20 وكذلك يمكن الكشف عن الثلاسيميا من خلال تعداد الدم الروتيني.

وتتميز أعراض الثلاسيميا بوجود أنيميا حادة تظهر بعد 6 إلى 24 شهراً بعد الولادة، وتختلف عن أنيميات نقص التغذية، وتضخم للكبد والطحال وتشوه وتمدد لعظام الوجه. وتتطور تلك العوارض، إن لم يتم معالجتها في الوقت المناسب، إلى أن يبدأ القلب بالضعف فيتوقف عن عمله قبل بلوغ الطفل العاشرة من عمره.

وقد ساعد الطب على التخفيف من تلك العوارض عن طريق الأدوية ونقل الدم بشكل دوري حيث أثبت العلاج المبكر جدواه من حيث تحسين حياة المرضى.

ويعد نقل الدم على المدى الطويل وسيلة العلاج المحورية لدى مرضى الثلاسيميا بيتا وذلك من أجل تخفيض حدة الأنيميا.

ويلاحظ أن تكرار عمليات نقل الدم تؤدي عادة إلى زيادة حِمْل الحديد، وهذا أمر يتطلب تطبيق أسلوب تكليب الحديد، لمنع حدوث تلف بالأعضاء الداخلية.

وفي السنوات الأخيرة أثبت زرع نخاع العظم نجاحاً لدى كثير من المرضى المصابين بالثلاسيميا بيتا لأن هذه الزراعة تؤدي إلى توقف اعتماد المريض على نقل الدم إليه.

ويؤدي إهمال علاج الثلاسيميا بيتا في النهاية إلى الوفاة، وعادة ما يحدث ذلك بسبب تعطل عضلة القلب، لذا ينبغي الاهتمام بالفحص الجيني، والاستشارة الوراثية، وفحص ما قبل الولادة من أجل الوقاية من ذلك المرض وعلاجه.

وعلى الرغم من ذلك يلاقي أغلب مرضى الثلاسيميا في العالم حتفهم قبل بلوغهم سن العشرين أو الثلاثين بالإجمال. وبذلك يكون قد قضي على المريض بعد أن يكلّف علاجه ما يُقارب السبعة آلاف دولار سنويا (25000 درهم).

وفي الدول التي تتكفل بتأمين طلبات تلك الحالات تُخصّص مبالغ هائلة من المال لتغطية نفقات المرضى. ففي قبرص مثلاً تم حساب هذا الأمر منذ أكثر من عشرين سنة، ووجدت وزارة الصحة أنها لو تركت ازدياد أعداد مرضى الثلاسيميا في الجزيرة كما كان عليه الأمر في السابق لاستهلكت من أجلهم في العام 2000 المبلغ المعادل لمخصصات وزارة الدفاع كاملة!

إن الحسابات التي قامت بها قبرص في حينه أفاقت العديد من دول العالم إلى الخطر الذي يحدق بهم إن تركوا الأحوال على ما هي عليها الآن. إذ يجب ألا ننسى أن قبرص مجرد جزيرة صغيرة في المتوسط ولا يزيد عدد سكانها على المليونين. فما بالكم لو قمنا بحساب تكاليف الأربعة آلاف مريض بالثلاسيميا في دولة الإمارات العربية المتّحدة ذات الأربعة ملايين نسمة ومجمل الدول العربية التي يبلغ تعداد سكانها الإجمالي حوالي 350 مليون نسمة.

حتى أواخر الثمانينات، كانت معظم الدول تقوم بواجبها بتأمين الطبابة اللازمة لمرضى الثلاسيميا فيها. ومع حلول أوائل التسعينات واكتشاف العديد من التطبيقات الوراثية لمنع تكاثر المرض، آثرت العديد من تلك الدول التحوّل إلى هذا المنحى لتتخلص من الضغط الصحي والاجتماعي والاقتصادي الذي فرضه واقع الثلاسيميا عليها وللتخفيف من معاناة العائلات المصابة. ونجحت كل من قبرص واليونان وإيطاليا، بالأخص جزيرة ساردينيا، في القضاء على ازدياد عدد مرضاها بالثلاسيميا بنسبة جاوزت ال95%. ويعتبر ما حدث في تلك الدول، وبالأخص جزيرة ساردينيا، إنجازا كبيراً يستحق أن نأخذ منه عبراً كثيرة.

يبلغ عدد سكان جزيرة ساردينيا مليوناً ونصف المليون (أربعة ملايين في دولة الإمارات) منهم 190000 يحملون سمة المرض (مقارنة ب400000 في الإمارات) ويحتمل أن يأتوا ب110 أطفال مريضين بالثلاسيميا كل عام (250 في الإمارات).

إن تراكم ذلك العدد دون توقف كاد أن يقضي على النظام الصحي في ساردينيا فسارعت بإطلاق مشروع الحدّ من انتشار مرض الثلاسيميا في العام 1977.

وقد بدأ المخطط بحملة توعية شاملة غطّت مدن وقرى ومصانع ساردينيا كافة. وأُعدّت حملات عديدة لتوعية العامة عن طريق وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية. كما تم تعيين فريق خاص لإعداد لقاءات توعية عامة ضمّت العديد من الجمعيات الخيرية، والمؤسسات الأهلية، والأطباء، والزعماء السياسيين والشعبيين، والقابلات القانونيات، والعمال، والممرضات.

كذلك طُبِعت منشورات وكتيبات حول المخطط وأهدافه ومخاطر الثلاسيميا وسبل الوقاية منه ووُزّعت في مراكز الزواج، ومكاتب المخاتير، والعيادات الطبية، والمؤسسات المهتمة بتحديد النسل. كذلك أُدخلت في المقررات التعليمية الخاصة بالفصول الابتدائية والمتوسطة ساعات توعية خاصة بمرض الثلاسيميا تستعمل فيها كل وسائل عرض المعلومات إن مكتوبة أو عن طريق الأفلام الوثائقية. ونُشِرت بعد ذلك عيادات خاصة في أنحاء الجزيرة لتتكفل بإعطاء النصح الوراثي للعائلات المحتاجة.

وقد روعي في تلك الجلسات عدم تحيُّز الطبيب المحاوِر نحو المشروع الحكومي ومحاورة الأهل محافظاً على مشاعرهم وكل اعتقاداتهم حول الأمر ولم تُفرَض أية قيود إجبارية تُلزِم العامة بإجراء الفحوص الوراثية. ولكن وبالرغم من ذلك، بلغ عدد المتقدمين لإجراء الفحوص الوراثية 212899 شابا وشابة تم تشخيص 36389 منهم كحاملين لسمة المرض.

وضمّت تلك الأرقام 2700 عائلة شخصت منها 2310 عائلات على أنها معرضة للحصول على أطفال مرضى ولذلك تمت مراقبتها بشكل دوري.

وعندما أُجري إحصاء حول كيفية وصول المعلومات عن مرض الثلاسيميا إلى المتطوعين، أظهرت النتائج وصول المعلومات إلى 44% منهم عن طريق وسائل الإعلام وتوزعت باقي الأرقام على موظفي عيادات النصح الوراثي، والأطباء، والقابلات القانونيات. وهذا أمر يدل على أهمية الدور الذي لعبه الإعلام في دفع برنامج القضاء على مرض الثلاسيميا في جزيرة ساردينيا.

وقد لوحظ أيضاً حدوث تقدم في عدة مجالات أهمّها أن اكثر المتقدمين إلى الفحص التطوعي كنّ من النساء الحوامل الخاشيات من إنجاب طفل مريض. أما في نهايات الحملة، فإن اكثر المتطوعين كانوا من الشبان غير المتزوجين أو المتزوجين الذين لم ينجبوا بعد. كذلك لوحظ أن 95% من هؤلاء الشبان وافقوا على إجراء فحوص جنينية إن قرروا الإنجاب. وبالفعل فقد وافق 9,99% من العائلات على إجراء عملية الإجهاض بسبب حمل الأم لطفل مريض. ويُفسِّر ذلك تطور التكنولوجيات الوراثية إلى حد أنّ يتم تشخيص الجنين في مرحلة مبكرة جداً من الحمل (حينها في الأسبوع السابع أو الثامن من الحمل وحالياً في اليوم الأول أو قبل ذلك أيضاً) الأمر الذي لاقى بلا شك استحسان الكثير من الناس. أما الإنجاز الأهم فكان خفض نسبة ولادة مرضى الثلاسيميا من 110 أطفال في كل عام إلى أربعة أو خمسة أطفال. وهذا ما يُعادل نسبة نجاح قدرها 94%.

إن الإنجاز الذي تحقق في ساردينيا بكل تفاصيله من حيث التخطيط أو النتائج لهو بمثابة درس مفيد يجب أن تضعه كل دول العالم الواقعة تحت وطأة مرض الثلاسيميا نصب أعينها. ففي دولة الإمارات العربية المتّحدة، تهتم مراكز الثلاسيميا بأمر حوالي 3700 مريض بالثلاسيميا بتأمين الدواء والطبابة اللازمة لهم.

وبحساب بسيط لتكلفة علاج هؤلاء المرضى سنجد أن المبلغ اللازم لهم لن يقل عن 100 مليون درهم (ثلاثة ملايين دولار) سنوياً، وقد يزيد هذا المبلغ بازدياد عدد المرضى.

وفي هذا السياق تحضر الإشارة إلى الجهد المبارك لشباب الإمارات من برنامج إعداد القادة تحت الرعاية الحكيمة لصاحب السمو الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والذين أطلقوا في العام 2004 حملتهم تحت عنوان إماراتنا خالية من الثلاسيميا 2012.

ولاقى المشروع دعم العديد من الشيوخ وأصحاب القرار في الدولة والذين وضعوا العديد من الإمكانات تحت تصرّف القيّمين على هذه الحملة.

وهذا كلّه ليس إلاّ الخطوة الأولى نحو التأسيس لمراكز متعددة في معظم الإمارات لتوجيه الاستشارات الوراثية للعائلات المهددة بالثلاسيميا ومراكز أخرى تقدّم أحدث الاختبارات الوراثية للكشف المبكّر عن المرض ضمن الضوابط الأخلاقية السائدة في الدولة للاتّجاه نحو إمارات خالية من ولادات مرضى الثلاسيميا في العام ،2012 الأمر الذي قد يمهد للحدّ من انتشار ال240 مرضاً وراثياً الأخرى الموجودة في دولة الإمارات العربية المتّحدة.