قال تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون.. والجلد بهذا العدد هو الحد الشرعي لمن قذف المرأة العفيفة بالزنا واتهمها بهذه الفاحشة، ولم يثبت كلامه أو يقيم الدليل عليه بأربعة شهود عدول، فإن لم يثبت ما قال يقام عليه الحد ويُجلد ثمانين جلدة لأنه كاذب ويعبث بأعراض الناس ويهدد الأمان الاجتماعي، وعقوبته تكون الجلد أمام الناس إضافة إلى أنه لا تقبل له شهادة أبدا ويوصف بالفسق وهو ما يعني الخروج عن الأمة.. إلا إن تاب بعد ذلك توبة صادقة وأصلح في عمله فلا مانع من قبول شهادته إذا ثبت صدقه.
والقذف المؤثم في الآية من الجرائم الخطيرة التي يمتد أثرها كالنار في الهشيم وهو كبيرة من كبائر الذنوب.
داود والمتخاصمان
وفي خبر من قصة داود عليه السلام قال تعالى: وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هُم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب.
وهناك تفسيرات كثيرة لهذه الآيات الكريمة أكثرها مأخوذ أو متأثر بالإسرائيليات. أما الصحيح الذي قال به أهل التحقيق من المفسرين والشراح فهو أن سيدنا داود عليه السلام كان يتعبد في محرابه، فإذا به يفاجأ بشخصين تسلقا عليه السور ودخلا عليه فخاف منهما لأنهما لم يدخلا أو يطرقا الباب وبالتالي لم يستأذنا عليه، فضلا عن أنهما قدما إليه في وقت يعلم الناس أن داود خصصه لعبادة ربه في المحراب، لذلك ارتعد منهما ظنا منه أنهما يريدان به شرا، فأضمر في نفسه أن يبطش بهما دفاعا عن نفسه، فلما تبين له أنهما قدما إليه لاستطلاع رأيه في خصومة بينهما، عاد إلى ربه واستغفره وتاب إليه من ذلك الظن وخر ساجداً لله عز وجل.. فقال الرجلان: إنما نحن خصمان تعدى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالعدل ولا تظلم وأرشدنا إلى الطريق الصحيح، فقال أحدهما إن صاحبي هذا له تسع وتسعون نعجة من الضأن ولي نعجة واحدة وأردف الراوي أن صاحبه طلب منه أن يعطيه نعجته الوحيدة ليضمها إلى نعاجه.. فقال داود (عليه السلام) مباشرة: لقد ظلمك صاحبك بهذا الطلب عندما أراد أن ينتزع نعجتك ليكمل بها ما عنده إلى مائة.. أي أن داود حكم على الخصم الآخر فورا من قبل أن يسمع رده أو دفاعه..
فعاتبه الله تعالى على ذلك ونبهه إلى ضرورة أن يتثبت الحاكم وأن يتروى القاضي في حكمه وأن يستمع إلى طرفي (أو أطراف) الخصومة قبل أن ينطق بالحكم فلا يجور ولا يظلم.. لذلك استغفر داود ربه على ظنه الأول وعلى تسرعه في إطلاق الإدانة على من لم يستمع إليه.
خطأ كبير
ووقع بعض المفسرين في خطأ كبير حين نقلوا بعض الأقوال المكذوبة اعتمادا على ما جاء لدى أهل الكتاب (اليهود) بدون تحقيق أو تمحيص ولا تثبُت خاصة في شأن الإسرائيليات التي استهدفت اختراق العقائد وخاصة الإسلام بما هو كاذب ومختلق ومزيف فيما يخص عصمة الأنبياء وتوصيف رسالاتهم.. وخلاصة ما تقولوه (كذبا) أن النبي داود عليه السلام كان يمشي على سطح داره فرأى امرأة تستحم فأعجبته وعشقها، وكانت زوجة لأحد قواده فأراد أن يتخلص منه ليتزوج بها فأرسله إلى إحدى المعارك وأمره بحمل الراية والتقدم بقوة وشجاعة (آملاً أن يهلك) ولكنه انتصر فأرسله مرات أخرى بالوصف ذاته حتى قتل فتزوج داود المرأة!
أكد المحققون الثقاة والمفسرون العالمون كذب ما قال به اليهود وأنه زور وبهتان وافتراء ولذا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من حدث بحديث داود على ما يرويه القصاص (رواة اليهودية) جلدته مائة وستين جلدة، وكأنه يقيم حد قذف المحصنات مرتين على من يفتري على الرسل.