ظل مصير آلاف الطلاب والطالبات في مدارس وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» في «مهب الريح»، حتى اللحظات الأخيرة من موعد انطلاق الموسم الدراسي الجديد لهذا الموسم، بسبب الأزمة المالية التي تعصف بالوكالة الأممية، وكادت أن تتسبب في عدم قدرتها على افتتاح الموسم الدراسي كالمعتاد.
تقدم «أونروا» خدماتها التعليمية لأكثر من 530 ألف طالب وطالبة من أبناء اللاجئين الفلسطينيين، يدرسون في 711 مدرسة في مناطق عملياتها الخمس، في مخيمات لبنان وسوريا والأردن والضفة الغربية وقطاع غزة، من بينهم 280 ألف طالب وطالبة التحقوا خلال الموسم الدراسي الحالي في 274 مدرسة في قطاع غزة.
وتلعب «أونروا» دوراً أساسياً في حياة اللاجئين الفلسطينيين منذ تأسيسها بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، عقب وقوع نكبة فلسطين في العام 1948، حيث تقدم المساعدة والرعاية في مجالات التعليم والرعاية الصحية والإغاثة والخدمات الاجتماعية والبنية التحتية وتحسين المخيمات والإقراض الصغير، ويستفيد منها نحو خمسة ملايين لاجئ فلسطيني منتشرين في مناطق عملياتها الخمس.
التعليم زمن النكبة
يقول محمود موسى، وهو مدرس في أحد مدارس «أونروا» في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة منذ 30 عاماً، إن ل «أونروا» ومدارسها دوراً رئيسياً في تعليم أجيال من اللاجئين وأبنائهم، خصوصاً في السنوات الأولى من النكبة، حيث كان جيل كامل مهدد بالتشرد والأمية والحرمان من الحق في التعليم، فبرز دور «أونروا» في حفظ مستقبل هذا الجيل، واستمر هذا الدور حتى اليوم.
وكان الأستاذ موسى واحداً من طلاب الأجيال الأولى من أبناء اللاجئين ممن تلقوا تعليمهم في مدارس «أونروا» في ستينات القرن الماضي، ومن ثم حصل على وظيفته في تدريس الصف الأول الأساسي بعد حصوله على شهادة متوسطة من «معهد المعلمين» في الضفة الغربية.
وبالنسبة إلى موسى فإن ل «أونروا» الفضل في نسبة التعليم المرتفعة في أوساط الفلسطينيين، وانخفاض معدل الأمية، في منافسة مع الدول المتقدمة في العالم.
وأشارت بيانات حديثة للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني نشرها في «اليوم العالمي لمحو الأمية»، الذي وافق الثامن من أيلول (سبتمبر) الجاري، إلى أنه طرأت تحوّلات واضحة على معدلات الأمية في فلسطين خلال العشرين سنة الماضية، حيث أشارت البيانات إلى انخفاض كبير في معدل الأمية منذ العام 1997، إذ بلغ معدل الأمية بين السكان الفلسطينيين 15 سنة فأكثر 13.9% في العام 1997 ووصل إلى 3.3% في العام 2017، ويقدر عددهم ب (95,450 أميّاً وأميّة)، بواقع 3.6% في الضفة الغربية (62,736 أميّاً وأميّة) و3.0% في قطاع غزة (32,714 أميّاً وأميّة).
خشية الانهيار
ويخشى سعد عواد وهو مدرس لغة عربية في مدرسة إعدادية تابعة ل «أونروا»، من انهيار التعليم في الوكالة الأممية بسبب الأزمة المالية التي تعصف بها، جراء سياسات الإدارة الأمريكية، وقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف المساعدات المالية الأمريكية لها بشكل كلي. وأعلنت واشنطن أخيراً عن وقف مساعداتها المالية التي تقدر بنحو 365 مليون دولار، تشكل نحو ثلث موازنة «أونروا» السنوية، متذرعة بأن الوكالة «منحازة بشكل لا يمكن إصلاحه»، وأن استمرارها لا يخدم جهود تحقيق السلام في الشرق الأوسط.
لكن فلسطينيين يرون أن إدارة ترامب تسعى من وراء ذلك إلى تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، واستمرار وجود أونروا يبقي هذه القضية حيّة، وتشكل العمود الفقري للقضية الفلسطينية.
وقال عواد إنه والكثير من زملائه يخشون على مستقبل التعليم في حال استمرت الضغوط الأمريكية ضد «أونروا»، حيث سيصبح مستقبل آلاف الطلبة في مهب الريح، في ظل عدم قدرة المدارس الحكومية على ملء الفراغ، واستيعاب جميع الطلبة في مدارسها، إذا انهارت مدارس «أونروا».
كما يقول عواد إن آلاف المدرسين سيجدون أنفسهم بلا مصدر دخل وبلا وظيفة، ما يعني التحاقهم وأسرهم بطوابير الفقراء والعاطلين عن العمل، في ظل الواقع المتردي في قطاع غزة وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، بسبب الحصار المضروب على القطاع الساحلي منذ 12 عاماً.
مواجهة الضغوط الأمريكية
وبدت الطالبة سمية حميد، وتدرس في الصف التاسع بمدرسة تابعة ل «أونروا» في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، واعية ومدركة للمخاطر التي تحدق ب «أونروا» ومدارسها، وقالت: إن أعداء الشعب الفلسطيني يريدون تجهيلنا، كي يسهل عليهم القضاء علينا وعلى مستقبلنا وقضيتنا والإجهاز على حق العودة.
وأضافت أن غالبية الأسر لا تستطيع توفير تكاليف التعليم لأبنائها في حال انهيار التعليم والمدارس في «أونروا»، التي تقدم خدمات تعليمية ممتازة ومجانية، وتقدم مساعدات مالية وعينية لكثير من الطلبة المحتاجين، لمساعدتهم في ظل الظروف الصعبة في قطاع غزة. وتعتقد حميد أنه يترتب على الدول العربية لعب دور حيوي في مواجهة الضغوط الأمريكية على «أونروا»، وسد العجز المالي بعد القرار الأمريكي بوقف المساعدات المالية، وقالت «إنها استلمت (شنطة) مدرسية بدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تسهم بشكل كبير في دعم صمود الشعب الفلسطيني في كل المجالات، وينبغي على باقي الدول العربية أن تقدّم بقدر استطاعتها ما يدعم الصمود الفلسطيني، وتحديداً الطلاب والشباب الذين يمثلون مستقبل الشعب الفلسطيني».
طلاب وأساتذة في بيروت يشيدون بدور الإمارات الريادي
«مشاعل النور».. حق الفلسطينيين في التعلم
بيروت، «الخليج»: هناء توبي
تدرس الطالبة راما في مدرسة «بتوف» الابتدائية التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان. راما تشعر بالحماس لعودتها للمدرسة، لقد انضمت برفقة 37,000 ألف طالب آخر من لاجئي فلسطين في لبنان في رحلة بداية عام جديد من التعلّم. كذلك محمد بكري (مهني في معهد سبلين في إقليم الخروب) الذي أعرب عن سعادته لأن علمه يجهّزه ويزوّده بما يلزم لمواجهة المستقبل. بدورها تسنيم أغا في «ثانوية الجليل» في بئر حسن في ضاحية بيروت الجنوبية، أشارت إلى أنه بفضل الدعم من المانحين والشركاء استطاعت «أونروا» تأمين حق الطلبة في التعلّم، وفتح المجالات لدخول الجامعة والحصول على الشهادات العليا المطلوبة في سوق العمل.
كفا الخليل، المتخرجة الجامعية - فرع الإعلام، والمدربة في التعليم في مركز الأونروا في بيروت، اعتبرت أن «عبور الطلاب عبر الامتحانات هو بالفعل إنجاز كبير». وأضافت «عندما أنظر إلى الوراء وأتطلّع إلى مسيرتي الدراسية من الصفوف الأولى، وحتى حصولي على الشهادة الجامعية، تحضرني التحديات العلمية التي وضعتني ال «أونروا» أمامها، لطالما حفزني أساتذتي للدراسة لأمتلك الوسائل الضرورية التي تمكنني من تحقيق حياة أفضل والحصول على فرص عمل أوفر، وبدوري سأحذو حذوهم تجاه الأجيال الناشئة. وتتابع، في صغري شعرت بالخوف، وعانيت أشكالاً من التهميش والتمييز، لكنني اليوم قوية ومتعلمة وواثقة في نفسي والفضل في ذلك يعود ل«أونروا» التي منحتني الحرية والعلم. ولأن للمتفوقين في مدارس «أونروا» حصة كبرى في الحصول على منح جامعية، فقد منح الاتحاد الأوروبي بالشراكة مع الوكالة منحاً للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت.. وائل السعدي من بين الذين تخرجوا في فرع الهندسة المدنية، أكد أنه «بفضل هذه المؤسسة تعلمنا.. لقد اجتهدت للوصول إلى المراحل التعليمية العليا، وأصبح حلمي حقيقة».
بلال خليل (متخرج من الجامعة الأمريكية في بيروت) أشار بدوره، إلى أن الدراسة في الجامعات الخاصة في بيروت باهظة التكاليف، لكن «أونروا» وشركاءها ساعدوني وكل الشباب الفلسطيني الأكفاء، للتعلم في الجامعات الخاصة. وأضاف: «خلال دراستي في الجامعة الأمريكية بدعم من ال«أونروا» والاتحاد الأوروبي تابعت اجتهادي حتى حصلت على منحة لنيل الدكتوراه من مؤسسة عبدالله الغرير في الإمارات وهي تساهم في تنشئة الشباب العربي عموماً وتعطي الحصة للشباب الفلسطيني، وقد منحتني فرصة دراسة الماجستير ويسعدني ما وصلت إليه خاصة وأن المؤسسة على شراكة مع جامعات عالمية في كندا وأمريكا وسأكون على قدر المسؤولية».
سارة أحمد الموسى، أكدت أنها وكل أفراد أسرتها يعتمدون على «أونروا» بشكل كامل. وأضافت: «لا يمكننا أن نحكي عن مساهمة «أونروا» في تعليمنا دون التنويه بدورها في تمكيننا وتعزيز ثقتنا بأنفسنا واندماجنا الاجتماعي. تعلّمت وإخوتي في مدارس «أونروا»، ومنذ كنت في الصف الأول ابتدائي وصولاً حتى الصف الثاني عشر».
سمر حرامي، تؤكد كلام زميلتها سارة وتقول: «أنا بدوري خطوت خطواتي الأولى نحو مدارس ال«أونروا» منذ ثلاث سنوات ولغاية اليوم، بعدما أنهيت الثانوية درست الترجمة الفورية بفضل «أونروا» وأساتذتها الذين علّموني ماهية الحلم والطموح وأهمية العمل البنّاء».
ونظراً لأهمية مجابهة التحديات التي تعاني منها «أونروا» حالياً، أشار المسؤول الإعلامي في الوكالة فادي الطيار إلى إطلاق حملات عالمية لدعم المؤسسة وقال: «لابُدّ من تحول الأحلام إلى إنجازات، والعوائق إلى حوافز. أضاءت مدارسنا الطريق أمام لاجئي فلسطين ولن يتوقف مشوارنا ولن تنطفئ مشاعلنا، وسنحظى بالدعم، وحصلنا على مساعدات وتبرعات من الشركاء وكان لدولة الإمارات الدور الريادي في دعم مشاريع «أونروا» الإنسانية والإنمائية، وقدمت في شهر نيسان 2018 مبلغ 50 مليون دولار لدعم برنامج التعليم للمؤسسة، إضافة لتقديمها مبلغ 15 مليون دولار لدعم العام الدراسي 2017-2018، الأمر الذي ساهم في استمرارية عجلة التعليم وخدمة اللاجئين الفلسطينيين».
هدى السمرا، مستشارة التواصل والإعلام في «الأونروا» في بيروت قالت: «عندما يمتلك اللاجئ الفلسطيني، مفتاح العلم فإنه يضمن مستقبلاً أفضل لنفسه ولعائلته». وأضافت: «برغم دعم بعض الدول العربية وعلى رأسها دولة الإمارات العربية ل«أونروا» إلاّ أنه لابُدّ من تسليط الضوء على الأزمة المالية التي نعاني منها حالياً بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقطع حصة واشنطن في دعم الوكالة، فإن خدماتنا على المحك وعلينا سد عجز مالي يبلغ 217 مليون دولار، والأموال المتوفرة حالياً تكفينا حتى نهاية الشهر الجاري فقط، وعلينا أن ندّق ناقوس الخطر لأننا لن نستسلم، والاستسلام ليس خياراً. ففي مدارسنا ال66 التي فتحت أبوابها للعام الدراسي الجديد استقبلنا من الصف الأول ابتدائي حتى البكالوريا 37 ألف طالب، مضافاً اليهم ألف طالب مهني في مركز سبلين للتأهيل المهني، ونقوم بورش عمل، وتدريب تقني، وإعطاء درس تقوية لطلابنا ولن نختلف أو نقصر تجاههم بفضل دعم الشركاء لنا ومساعدتنا في إكمال مسيرتنا التعليمية تجاه اللاجئين الفلسطينيين».
ماهر مشيعل المستشار الثقافي في السفارة الفلسطينية في بيروت أكد، على الشعارات التي رفعتها «الأونروا» لدعم طلابها ومنها «لأن الكرامة لا تقدر بثمن » و«احموا التعليم للاجئي فلسطين»، وهي حملات عالمية لدعم المؤسسة والعودة للمدارس، كما أنها شعارات غاية في الأهمية ويجب الاستجابة لها لأنه بفضل المانحين والشركاء فتحنا أبواب مدارس «الأونروا» في بيروت وتحدينا الوضع الصعب في الوكالة لكي نقول لأمريكا والرئيس ترامب أن لطلابنا الأولوية في التحصيل العلمي، وأنه لا يمكن إلغاء «أونروا» التي أنشئت بقرار من المنظومة الدولية وأثبتت جدارتها تجاه اللاجئين منذ أكثر من 60 عاماً وحتى اليوم، وهي تعلم الفلسطينيين وتؤهلهم.
على «الدكة» ذاتها درس الجد والأب والحفيد
مدارس اللاجئين في الأردن.. حكاية أجيال
عمّان: «الخليج»
مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ال(أونروا) في الأردن ليست مجرّد مكان للتعليم؛ بل هي حكاية أجيال تناوبت عليها من الجلوس على مقاعد الطلبة إلى التدريس، وحكاية أجيال توارثت مواجهة اللجوء والنزوح والتشرّد، بسلاح التنوير والعلم، وحكاية أجيال تناقلت في الساحات والأنشطة التمسك بحق الوطن والعودة إليه.
في مدارس ال«أونروا» درس الجد والأب والحفيد تباعاً من جيل لآخر على «الدكّة» ذاتها أو التي بجانبها، وفي تلك المدارس يتقاسم التلاميذ والطلبة على اختلاف مراحلهم التعليمية التناوب على الفصول على فترات الصبح والظهر والمساء؛ بسبب الأعداد الكبيرة، ويترك بعضهم الكتب لزملائهم في الأدراج حتى تعم الفائدة، ويتخذ المعلمون من تعاملهم مع الطلبة طابعاً اجتماعياً مازال يُحافظ على تقليديته؛ لأن الجميع يسكن المنطقة نفسها، وربما الحيّ والزُقاق نفسه في المخيم.
من تلك المدارس تخرّج متفوقون تقدموا صفوف الأوائل على مستوى المملكة، وأكملوا تعليمهم الجامعي، وعادوا إليها لإكمال دورهم في تعليم غيرهم؛ لأنها كذلك وأكثر فإن عودة نحو 121 ألف طالب وطالبة إلى 171 مدرسة تابعة للوكالة في الأردن مع بدء العام الدراسي الحالي؛ كانت استعادة مؤقتة لحياة هؤلاء وأولياء أمورهم ومجتمعهم؛ وذلك في ظل الأزمة المالية الخانقة، التي تعانيها «أونروا» وتفاقمها بعد توقف الدعم الأمريكي تماماً.
رغم أن المعلمين والطلبة توجّهوا إلى الفصول؛ لكن الإعلان الصريح للمفوض العام للوكالة بيير كرينبول مع بداية العودة، بأن ذلك جاء بقوة دفع ذاتي، ولا يزال الأمر في أقصى مراحله الخطرة؛ جعل الذهاب كل يوم إلى المدرسة لا يخلو من خوف عدم الرجوع إليها في أي وقت.
استطلاع علاقة الطلبة والمعلمين مع مدارسهم صحفياً وتصوير ذلك تفصيلياً رفضته إدارة الوكالة، التي اعتبرت مسؤولة إعلامية فيها أن الأمر غير متاح لضوابط خاصة.
في الطريق إلى إحدى المدارس في مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين شمال غربي عمّان يأخذ المرور مساراً على سوق خضار شعبي، وتجلس على أطرافه مجموعة طلبة يعملون على مساعدة أولياء أمورهم وأقاربهم في البيع، ويحضّرون أنفسهم للذهاب إلى فصولهم. كان ذلك عند انتصاف النهار؛ حيث تبدأ الدفعة الثانية.
سامي محمود الطالب في الصف الحادي عشر بادر قائلاً: نحن نعرف تماماً أن لا سبيل أمامنا إلاّ التعليم إذا أردنا أن نكمل في الحياة لا اختيار ثان؛ لأنه دون حصول شباب المخيمات بالذات على شهادة أكاديمية فإن مصيرهم المزيد من الضياع. وأضاف: جدي وأبي يؤكدان أن الدراسة أهم من الأكل والشرب أحياناً وأهم أيضاً وفي كل أسرة داخل المخيم تجد طالباً ومعلماً وإدارياً يذهبون إلى المدرسة. العائلات هنا مَدرسية تلتقي في الفصول وفي الطابور؛ ولذلك تتحول المدرسة إلى البيت بمعناه شبه الحقيقي.
ويقول الطالب خليل مدّان: بعد الحديث عن إمكانية وقف أو تأجيل العام الدراسي تضاعف حبنا للدراسة وخفنا كثيراً ومن كان يتردد في الذهاب إلى المدرسة أصبح أكثر حرصاً عليها ويكاد يكون همّنا الوحيد حالياً عدم التراجع عن دعم مدارس الوكالة وصرنا نتبادل الهواجس حول إن كانت أحلامنا لن تتحقق.
ويؤكد الطالبان حسام أشرف وجميل السرو أن المدرسة مرتبطة بوجدان الجيل الحالي في المخيمات اقتراناً بتعاقب سابقه عليها وتداول الحديث عن ذكريات العيش في فلسطين من خلالها والتمسك بالمستقبل. ويقول السرو: المدرسة هي المستقبل وهي كل شيء وهي المكان الذي تخرّج فيه الشعراء والأدباء في المخيمات ونحن كلما رأينا كاتباً أو مفكراً أو فناناً معروفاً وناجحاً افتخرنا أنه من مدارس المخيمات وننظر إليه على أنه قدوة لنا ونتداول الحكايات عن المقعد والفصل والأماكن التي كان يتنقل بينها ونبحث عن مقاطع وكلمات كتبها على جدار هنا أو على طاولة هناك تحث على العلم والمعرفة وحق العودة وهذا يحفزنا على السير نحو الحصول على الشهادة.
ويكمل أشرف: المدرسة تعني لنا الوصول الوحيد إلى المستقبل وتحقيق أحلامنا ونحن لا بدائل أمامنا وكل شيء سينهار إذا لم نكمل وحتى أخي الصغير في الصف الابتدائي صار يخشى الأمر. ويؤكد معلمون فضلوا عدم ذكر أسمائهم إعلامياً التزاماً بقوانين الوكالة أنه رغم بدء العام الدراسي الجديد إلا أن هناك مخاوف كبرى تتعلق بمدى إمكانية تسليم الكتب كاملة في موعدها وكذلك تزايد أعداد الطلبة في الفصل الواحد والخوف من إغلاق بعضها؛ بسبب نقص الدعم والانتقاص من الخدمات وعدم تحقيق وعود سابقة بتوفير متطلبات وظيفية وإدارية للمعلمين وهو السبب في تنفيذ وقفات واعتصامات من حين إلى آخر.
خطف الأنظار في مجلس الجامعة العربية ويحلم بدراسة الطب
أحمد بكر: نريد ترجمة أصداء الخطاب إلى دعم
عمّان: «الخليج»
بقدر الأصداء التي صاحبت خطابه القصير في مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء الماضي، يأمل الفتى أحمد إبراهيم محمود بكر، ترجمة تلك الأصداء إلى دعم حقيقي يُسهم في تحقيق حلمه وكافة طلبة مدارس وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، المتعلق بالتعليم.
بكر (14 عاماً) طالب متفوّق في الصف العاشر في المدرسة الإعدادية داخل مخيم البقعة (20 كيلومتراً شمال غربي عمّان)، أحد أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، والده مدير المدرسة استقبل «الخليج» بترحاب، لكن إجراءات الوكالة تحفظت على إتمام حوار صحفي مباشر معه والمعلمين وزملاء الابن، رغم إرسال كتاب رسمي «عاجل» تأجّل الرد.
والدة بكر معلمة، ولديه 5 أشقاء أكبرهم يدرس علوم الرياضيات جامعياً، ولا حديث في مدرسته وفي منزله وفي حارته يعلو على مخاوف تأثير وقف الإدارة الأمريكية كافة مساعدتها المالية للوكالة، على التعليم، وإجهاض تطلعات مئات آلاف الطلبة اللاجئين، وانعكاس ذلك على كل تفاصيل الحياة.
قبل سفره إلى القاهرة رفقة مفوض «أونروا» بيير كرينبول، لإلقاء الخطاب اجتمع بكر بأعضاء مجلس البرلمان الطلابي الذي يرأسه على مستوى مدارس الوكالة في الأردن، وتوافق معهم على الصيغة النهائية بحضور معنيين في الوكالة، وتدرّب على حفظه خلال دقائق وألقاه مرة واحدة أمام والده، ثم غادر بعدها بنصف ساعة إلى المطار لا يريد سوى التعبير أمام العالم خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب.
بكر، الحالم بدراسة الطب، معتاد على لقاءات دولية بحكم رئاسته للبرلمان الطلابي، ومشاركاته العلمية في مؤتمرات خارجية كان أحدها في سويسرا وضم شخصيات عالمية أنصتت له عند حديثه عن انعكاس الحاجة على توليد الاختراعات، لكنه يرى الخطاب في الجامعة العربية أهم ما فعله.
يؤكد بكر أنه لم يكن يتوقع ردود الفعل على صعيد كبير على خطابه أمام وزراء الخارجية العرب، وأن مسؤولاً بارزاً في جامعة الدول العربية اقترح عقب إلقاء الخطاب وجوده في اجتماعات لاحقة تتعلق بالقضية نفسها.
ويشدد على إدراكه تماماً لكل كلمة نطق بها، وأنه عاش معناها، ويشير إلى أن الطلبة قبل موعد انطلاق الدراسة كانوا لا يتحدثون سوى عن مصير المدارس ومستقبلها، وفي الأيام الأخيرة للإجازة ترك الغالبية مظاهر اللعب وكان الاهتمام الأول ينصب فقط على ما سيحدث. يقول: «شعرنا بسعادة غامرة عندما استطعنا دخول المدرسة هذا العام، واتجهنا إلى الفصول والساحة وكان بعض الطلاب الذين لا يحبون الدراسة والواجبات في مقدمة الاحتفال ببدء الموسم التعليمي، بعدما كنا نسمع ونقرأ ونُشاهد ما يدور حول إمكانية عدم عبورنا الباب مجدداً بسبب تراجع الدعم».
ويضيف: «انتهى الخطاب وكان التصفيق حاشداً وردود الفعل بعده مفاجِئة، حتى إنني عندما خرجت للشارع في القاهرة عرفني الناس وأثنوا على ما قلت، لكنني كنت أتساءل عن تأثيره الفعلي لاحقاً».
بكر فور عودته إلى المخيم في الأردن، توجّه في اليوم التالي مباشرة بصبحة والده كالمعتاد إلى المدرسة، وتحدث مع زملائه عن التداعيات وكان الحديث يدور حول استطاعته خلال دقيقة ونصف الدقيقة، إيصال صوت الطلبة أنفسهم لأعلى مستوى، ويؤكد أن ما قاله ينقل ما يدور في أذهانهم.
ويُدرك بكر، الذي ينحدر والده من قطاع غزة، ونزح طفلاً رفقة الجد إلى عمّان، أن فتح أبواب المدرسة هذا العام، لا يعني انتهاء المشكلة ويعلم أنها قائمة، وأن الأمور ما تزال مهددة وزادت خطراً بعد توقف الدعم الأمريكي، ويتمسك بأمل التجاوب العربي والعالمي مع الطلبة اللاجئين.




