في المعرض الأخير في باب الرواح في الرباط للفنان التشكيلي المغربي عبد الحي الملاّخ نكهة صباغية جديدة، وقد صدر له بمناسبة المعرض كتاب يسلط الضوء على تجربة الفنان الملاخ ويرسم جانبا من مساره الجمالي.

في ورقة بعنوان أيقونات مبتهجة يكتب الناقد الجمالي ابراهيم الحسين عن تجربة الملاخ واقفا عند أهم علاماتها وبالأخص عمله الكبير على الوشم والرموز الشعبية، ويرى الحسين أن اهتمام الملاّخ بالعلامات والرموز الشعبية والكتابة وكل أشكال الخدش العفوية الموجودة على الجدران، برز منذ بواكيره الفنية الأولى. فهو يتخذ من الحرف التجريدي والرمز التعبيري وكثافة اللون صيغة للتعبير ولرسم مديات التكوين.

يقارب الفنان التشكيلي نور الدين فاتحي تجربة الملاخ انطلاقا من القدرة على توظيف اللون، يكتب فاتحي.. اللوحة فضاء حركة، عمق مشاهدة مساحة ضوء وعتمة ،تأويل نظر، وقول محتمل.. من هنا نلج عالم الملاّخ، عالم تشكيلي له تاريخه الخاص وله تضاريسه المتباينة، ويضيف: لا أطمح إلى الوقوف عند مراحل هذا التاريخ، لأنني لست بمؤرخ فن ولا أنوي السفر عبر هذه التضاريس ،لأنني لست برحالة، بل طموحي يتحدد في القيام أمام هذه الأعمال التي تنشد الاختلاف والتعدد ،بل وحتى التناقض ،في الأشكال والألوان والتكوين، طموحا إلى التكامل والاستمرار.

ويعتقد فاتحي أن أعمال الملاّخ في جوهرها تتمركز حول الولادة والتوالد، حول الشكل الجنيني الذي قد يتحول إلى مساحة هندسية أو رمز أو علامة أو عضو جسدي أو كائن بعينه كالحمامة مثلا.. هذه العناصر التشكيلية هي أصل الاشتغال عند الملاخ ،أما العناصر الإضافية فهي بفعل الاندماج والتوالد،إثر الاشتغال بالمواد والأصباغ والأسندة.

من منطلق تذوقي خالص يمضي القاص المغربي عبد النبي داشين في الاقتراب من أعمال الملاخ، ويرى أن ذاكرة الملاخ البصرية مثقلة بالرموز، تضرب عميقا في الجذور كما هي جذور النخيل التي أفرض لها المكان الذي يليق بها جعلها تحتل الصدارة، ترتفع عاليا لتكشف عن عوالمها السفلى، فتتبدى الأشكال المستدارة كالرحم الحاضن لجنين فرح مؤجل ظل الملاّخ يلاحقه بشغف المثقف الذي راهن على براءة اللون لإقامة طقس احتفالي بزمن يتأبى على وأد الأحلام.

ويخلص داشين في مقترب أخير:ثراء إبداعية الملاخ يكمن في قدرته على التنويع داخل الأصل الواحد، لا يكرر نفسه ولو تكررت أدواته، لا تستحم لوحاته في اللون مرتين، يراوغ فنيته وينفلت من تحنيطها، متمرد على شكله الإبداعي باستمرار، في كل تجربة تزعم ألوانه أنها اكتملت ودوائره انغلقت، لكنها تفاجئنا لنكتشف قارة أخرى حطت ألوانه الرحال فيها فقط لالتقاط الأنفاس استعدادا لسفر مرتقب ،مسافر زاده الضوء وبوصلته الحلم.