على الرغم من حقيقة أن التسييس أو بمعنى آخر تغليب الاعتبارات السياسية إلى حد كبير عند محاولة فهم بعض الأمور يكاد يكون صفة أساسية ملازمة للتدخل الدولي الإنساني أياً كانت تطبيقاته، وبحيث يمكننا القول بأن الدوافع الإنسانية، بمفهومها الأوسع، كانت بمثابة القاسم المشترك، لتبرير الكثير من التدخلات التي جرت منذ القدم، إلا أن استعراض خبرة العمل الدولي في هذا الخصوص يكشف عن وجود ما يشبه الإجماع بين الباحثين على أن ثمة دوافع وأهدافاً معلنة لهذا النوع من التدخل، هي التي تسوغ في نهاية الأمر القيام به . وفيما يتعلق بمجمل هذه الدوافع والأهداف، فالملاحظ أنها نظرياً تكاد تدور في مجملها حول الفكرة الأخلاقية التي تقضي بوجوب مد يد العون لكل ذي حاجة، مما يعني في عبارة أخرى أن هناك حداً أدنى من المسؤولية المتبادلة بين أعضاء الجماعة الدولية .

إن الاعتبارات الأخلاقية قد تكون مجرد ستار يخفي مطامع سياسية للطرف الدولي المتدخل لدى الطرف المستهدف جراء هذا التدخل . ولذلك، فقد ذهب بعض الباحثين وبحق إلى عدم التعويل على هذه الاعتبارات بإطلاق، بالنظر إلى أن التدخل أياً كانت صورته، إنما هو سلوك غير مقبول، حيث إنه يعرض استقلال الدولة موضوع التدخل للخطر، ومن ثم فلا يجب أن يسمح به إلا في الأحوال الاستثنائية جداً، والتي قد تستلزم لذلك عملاً دولياً عاجلاً، فردياً أو محدوداً أو جماعياً . وقد اشترط أنصار هذا الرأي مؤخراً شروطاً خاصة، يتعين تحققها لإمكان الحديث عن تدخل إنساني مبرر . ومن هذه الشروط: وقوع انتهاكات جد خطيرة وبشكل منتظم لحقوق الإنسان الأساسية، كالحق في الحياة، والحق في التمتع بالكرامة الإنسانية، واستنفاد كافة محاولات وقف مثل هذه الانتهاكات سواء من جانب المستهدفين أنفسهم أو من جانب بعض المؤسسات الوطنية والدولية ذات الصلة، وإصرار المستهدفين من هذه الانتهاكات الصريح أو الضمني على طلب الحصول على الدعم الخارجي من أي جهة كانت لاقتضاء حقوقهم أو وقف ما يتعرضون له من مخاطر وانتهاكات . وأخيراً، هناك، أيضاً الاعتبار المتعلق بإمعان السلطات المعنية في الدولة في عدم بذل أي جهد للإصلاح وتغيير الأوضاع نحو الأفضل والالتزام بالمعايير الدولية المستقرة في شأن احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية .

والمشاهد، أن ثمة وجهتي نظر رئيسيتين فيما يتعلق بتكييف موقف القانون الدولي العام إزاء مسألة مشروعية التدخل الدولي الإنساني، أو التدخل الدولي لأغراض إنسانية، وبالذات من خلال استخدام القوة المسلحة .

أما وجهة النظر الأولى، فتذهب إلى القول بمشروعية التدخل الإنساني، ولا ترى فيه تدخلاً محظوراً في الشؤون الداخلية للدولة المعنية .

والحجج التي استند إليها أنصار وجهة النظر هذه، تتمثل في الآتي:

1 أن التدخل الدولي الإنساني أو التدخل الدولي لأغراض إنسانية بالذات من خلال استخدام القوة المسلحة إنما يندرج ضمن صور التدخل التي يشملها أحد الاستثناءات الثلاثة التي ترد على مبدأ عدم جواز استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في نطاق العلاقات الدولية المتبادلة، وخاصة إعمالاً لمبدأ الدفاع الشرعي . وواضح، أن هذا الرأي إنما يوسع كثيراً من مفهوم الدفاع الشرعي ليجعله يمتد ليس فقط للتصدي للعدوان المسلح الذي قد تتعرض له الدولة، وإنما ينسحب أيضاً إلى حق هذه الدولة في اتخاذ الإجراءات اللازمة ومنها التدخل للدفاع عن حقوق مواطنيها في الخارج أو حتى مواطني الدولة المتدخل في شؤونها، والتي قد تكون محلاً للانتهاك بشكل متعمد وعلى نطاق واسع . ومؤدى ما سبق، أن استخدام القوة المسلحة للتصدي لهذا الانتهاك وما في حكمه لا ينبغي النظر إليه وفقاً لرأي هذا الفريق الأول من الباحثين باعتباره يمثل افتئاتاً أو خروجاً على مبدأ سيادة الدولة وسلامتها الإقليمية واستقلالها السياسي .

2 كذلك، هناك الحجة المتمثلة في القول بأن نص المادة 2/7 من ميثاق الأمم المتحدة الذي يؤكد حقيقة أنه: ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي هي من صميم السلطان الداخلي لدولة ما . .، لا يمكن الاعتداد به أو القياس عليه لرفض فكرة التدخل الخارجي في شؤون دولة ما، إذا ما وجدت اعتبارات إنسانية تلزم بذلك . ومرد ذلك إلى حقيقة أن ميثاق الأمم المتحدة ذاته، وفي المادة المشار إليها ذاتها قد نظر إلى مسألة الاختصاص الداخلي باعتبارها مسألة مرنة ومتطورة بحسب تطور الظروف والأوضاع الداخلية والدولية على حد سواء .

وحيث إن المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، قد أضحت من الأمور التي تحظى باهتمام دولي واسع ومتزايد بشكل مطرد، لذلك فقد أصبح من غير الممكن الحديث الآن عن اختصاص مطلق للدولة فيما يتعلق بهذه الأمور .

3 وإضافة إلى ما تقدم، فإن القول بمشروعية التدخل الدولي لأغراض إنسانية، يمكن تبريره أيضاً بالإحالة إلى نص المادتين 55 و56 من ميثاق الأمم المتحدة، اللتين تعترفان بوجود مصلحة أكيدة للمجتمع الدولي في تعزيز الاحترام الواجب لحقوق الإنسان والعمل على الارتقاء بها في المجالات كافة .

والملاحظ، أنه استناداً إلى حكم المادتين سالفتي الذكر، توسع البعض في التفسير لصالح إعطاء صلاحيات أكبر للمجتمع الدولي للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، وإلى الحد الذي سوغ لهم وربما عودة إلى فكرة الرسالة المقدسة التي تذرع بها الاستعمار الأوروبي في القرن التاسع عشر إجازة التدخل الدولي لإقامة نظم ديمقراطية على الطريقة الغربية .

وتقديرنا، أن السير في هذا الاتجاه وبإطلاق له محاذيره الخطيرة، حيث إنه يفتح الباب واسعاً أمام المزيد من التسييس على نظرة المجتمع الدولي وتقويمه للتطورات الحادثة في دولة ما، بحيث إنه يصير في التحليل الأخير أداة في أيدى الدول الكبرى أو القوية فقط .

ولعل الحالة النموذجية التي يمكننا الإشارة إليها، في هذا الخصوص، هي تلك المتعلقة بواقعة التدخل العسكري الأمريكي في هاييتي عام 1994 بترخيص شكلي من مجلس الأمن لإعادة الرئيس المخلوع جان أرستيد إلى الحكم .

4 ثم إنه إذا جاز لنا أن نعتبر أن التدخل الدولي الإنساني إنما يستهدف بالدرجة الأولى توفير الحماية الإنسانية الواجبة بالفعل لجماعات من الأفراد يعانون من الاضطهاد أو من ظلم بين واقع عليهم، فإنه يمكننا أن نجد سنداً قانونياً لهذا التدخل في أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن معاملة المدنيين في أثناء النزاعات المسلحة أو تحت الاحتلال .

فالثابت، أنه طبقاً لنص هذه الاتفاقية، فإنه يتعين على اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن تبادر إلى التدخل لتقديم العون والإغاثة الإنسانية في كافة النزاعات المسلحة، بما في ذلك تلك التي تكون غير ذات طابع دولي .

والحق، أن مثل هذه الصورة الأخيرة من صور التدخل الدولي الإنساني والتي تتم انطلاقاً من اعتبارات إنسانية محضة ليست محل منازعة من أحد، حتى ولو لم يوجد نص قانوني صريح بشأنها .

على أن تأييد فكرة التدخل الدولي الإنساني أو المدفوع باعتبارات إنسانية، من جانب هذا الفريق الأول من الباحثين ليس مطلقاً من كل قيد، وإنما توجد ثمة ضوابط معينة يتعين أن تكون محل اعتبار، ونحن نتحدث عن تدخل دولي مشروع أو مقبول في هذا الخصوص .

ومن هذه الضوابط، ما يلي:

أولاً، أن هذا النوع من التدخل يجب أن يكون محكوماً فقط بهدف التوكيد على احترام حقوق الإنسان، وليس أي هدف آخر . وبناءً على ذلك، فإن التناسب بين الفعل المهدد بالخطر لهذه الحقوق وبين طبيعة الرد المطلوب، هو شرط أساسي يجب الالتزام به .

ثانياً، ألا يكون من بين أهداف هذا التدخل بشكل خاص السعي إلى إحداث أي تغيير في هيكل السلطة في المجتمع محل التدخل، مما قد يفيد طرفاً داخلياً معيناً وعلى حساب طرف أو أطراف أخرى .

ثالثاً، أن يكون اللجوء إلى استخدام القوة أو حتى التهديد باستخدامها هو الحل أو البديل الأخير، بمعنى أن استنفاد الوسائل الأخرى السلمية أو غير القسرية هو شرط ضروري قبل الشروع في التفكير في اللجوء إلى مثل هذه الوسائل القسرية من عسكرية وغير عسكرية .

رابعاً، ألا يكون التدخل الدولي انتقائياً، على نحو ما تفعل الولايات المتحدة الآن، ومنذ انتهاء الحرب الباردة .

خامساً، وجوب ألا يتم هذا التدخل بعمل فردي تقوم به دولة واحدة، وإنما يجب أن يتم بإرادة دولية جماعية، تستند إلى قرار صحيح صادر عن الأمم المتحدة أو عن إحدى المنظمات الدولية الأخرى ذات الصلة .

سادساً، ألا يكون من شأن هذا التدخل إحداث أضرار أو مخاطر تتجاوز الهدف المقصود منه، كأن يؤدي مثلاً إلى وقوع خسائر جسيمة في الأرواح أو في الممتلكات، أو أن يؤدي إلى شيوع المزيد من الفوضى وحالة عدم الاستقرار، وذلك على نحو ما حدث مثلاً في حالة التدخل الدولي في الصومال تحت شعار عملية إعادة الأمل، والتي تجاوزت فيها القوات الدولية الهدف المنشود لتقوم بعمليات مطاردة لبعض القيادات تعقب السكان وتأديبهم بل وتعذيبهم في بعض الحالات . على أنه إلى جانب وجهة النظر هذه، المؤيدة لفكرة التدخل الدولي الإنساني أو التدخل الدولي لأغراض إنسانية، هناك وجهة نظر أخرى ترفض هذه الفكرة من أساسها وتعتبرها خروجاً صريحاً وانتهاكاً صارخاً لمبدأي السيادة الوطنية والسلامة الإقليمية للدولة .

ويسوق أنصار وجهة النظر هذه بدورهم حججاً شتى للدفاع عن موقفهم:

1 بداية، نلاحظ أنهم ينطلقون في هذا الموقف من مقولة أساسية مؤداها أن الأصل في العلاقات الدولية هو عدم التدخل، وهو المبدأ الذي نص عليه في عموم المواثيق المنشئة للمنظمات الدولية، بدءاً من عهد عصبة الأمم (المادة العاشرة)، ومروراً بميثاق الأمم المتحدة (المادة 2/7)، وانتهاء بالمواثيق الإقليمية، كميثاق جامعة الدول العربية (المادة الثانية) .

والواقع، أنه إذا كان ظاهر النص في كل هذه المواثيق يشير إلى حقيقة أن التدخل المرفوض إنما هو بالأساس التدخل الذي يأخذ طابعاً عسكرياً أو مسلحاً، إلا أن التمعن في فهم النصوص الواردة إنما يقود إلى الاستنتاج بأن التدخل الخارجي الذي يمثل تهديداً لمبدأي السيادة والسلامة الإقليمية للدولة، يشكل مسلكاً غير مقبول، بغض النظر عن الصورة التي يكون عليها: عسكرياً أو اقتصادياً أو غير ذلك .

2 كذلك، فإنه مما يعزز القول بوجوب إعمال القواعد القانونية التي تلزم الدول بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لبعضها البعض الآخر تحت أي مبرر كان، ما درجت عليه المواثيق المنشئة للمنظمات الدولية العالمية منها والإقليمية من التوكيد على مبدأ التسوية السلمية للمنازعات، سواء باللجوء إلى المفاوضات أو من خلال تدخل طرف ثالث ببذل مساعيه الحميدة أو بالوساطة أو بأية وسيلة أخرى .

والحقيقة، أن ما نراه في هذا الخصوص هو أن الحديث عن تدخل دولي إنساني، أوالتدخل الدولي لأغراض إنسانية، قد أضحى أمراً وارداً في الوقت الحاضر، وله ما يسوغه قانوناً وواقعاً، آخذين في الاعتبار الضوابط الآتية:

1 أن هذا النوع من التدخل الدولي يجب أن ينظر إليه، دوماً باعتباره يمثل استثناء من الأصل العام وهو مبدأ عدم التدخل .

وعليه، وكأي استثناء، فإنه يكون كحالة الضرورة التي يجب أن تقدر بقدرها ولا يجب التوسع فيه، حتى لا نلغي الخطوط الفاصلة بين حدود سلطة المجتمع الدولي في التدخل وبين مقتضيات المحافظة على مظاهر سيادة الدولة داخل إقليمها، وبالنسبة إلى الأشخاص كافة الذين يوجدون بشكل طبيعي ودائم أو بشكل عرضي على هذا الإقليم .

2 أنه حتى مع التسليم في حدود معينة بإمكان حدوث تدخل دولي معين لاعتبارات خاصة في شؤون دولة ما، إلا أنه يظل معلوماً، بالقدر ذاته من الوضوح واليقين، أن مثل هذا التدخل يجب أن يكون هو آخر البدائل أو الاختيارات المتاحة، أي لا يجب اللجوء إليه إلا بعد استنفاد الوسائل الأخرى كافة التي تحترم فيها السيادة الوطنية للدولة المستهدفة، ومع الالتزام بألا ينتج التدخل في هذه الحالة آثاراً أكثر ضرراً أو أشد خطورة، مما لو ترك الأمر برمته ليدار داخلياً .

3 التدخل الدولي الفردي، أي التدخل الذي يتم من جانب دولة واحدة أو حتى من جانب عدد محدود من الدول، يجب رفضه بإطلاق، ولا ينبغي قبوله بأي حال من الأحوال، حتى ولو كان ذلك بدعوى حماية الوطنيين أو إنقاذ الرعايا، مما قد يتعرضون له من مخاطر حقيقية أو متصورة .