يجمع الناقد يوسف بكار في دراساته الأدبية بين القديم والحديث، فهو يرى أن تراثنا النقدي القديم يمكن الاستفادة منه، رغم أنف أنصار الحداثة، ومن أهم أعماله دراسته عن الشاعر عمر الخيام، التي تتبع فيها حوالي ستين ترجمة لرباعيات هذا الشاعر الكبير.
ويبدو أن بكار قد وقع أسيرا في هوى الخيام، إذ أصدر عنه ثلاثة كتب، ويكاد يفرغ من ترجمة كتاب آخر عنه، عنوانه وقفة مع الخيام وهو لناقد إيراني معروف، ولا يزال في نفسه شيء من الخيام.
رغم الذهاب باتجاه ما بعد الحداثة إلا أنك مازلت مخلصا للمناهج النقدية القديمة ألم تخش أن تتحول إلى شبح من أشباح العصور القديمة يتجول هائما في العصر الحديث؟
الحقيقة أنني أجمع في دراساتي بين القديم والحديث، وهذا يفرضه العمل الأدبي نفسه، ولست أحادي المنهج النقدي، بل إنني من أنصار المذهب النقدي الشمولي، الذي يترك للنص أن يفرض على الناقد منهجه بنفسه، وإنني أوائم بين النقدي القديم والحديث مواءمة علمية، لأنني أؤمن بالمثاقفة والأخذ مما نحتاج إليه وما يتفق مع أدبنا من المناهج النقدية الحديثة.
وفي تراثنا النقدي القديم أشياء صالحة جدا لأن نفيد منها بعلمية ودقة دونما تعصب أو انحياز، ولا يهمني ما يقوله أنصار الحداثة الذين لا يفهم كثيرون منهم معظم المناهج النقدية المعاصرة، بل يطبقها بعضهم تطبيقا قسريا على أدبنا وشعرنا في القديم والحديث.
ما مفهومك للأعمال الكلاسيكية؟
أعترض على مصطلح كلاسيكية، والصحيح أن يقال كلاسية نسبة إلى كلاس وليس كلاسيك التي هي صفة في لغتها الأم.
ومفهومي للكلاسية هو المفهوم الصحيح للمصطلح، وليس كما يفهمه الكثيرون الآن من أنه التقليدي أو القديم الذي لا فائدة منه، فالكلاسية مذهب أدبي له قيمة وله أهميته، يعنى بالأعمال القديمة الجيدة فهو كغيره من المذاهب يعود ويذهب، وأنت تلاحظ الآن عودتنا السريعة إلى الكلاسية في الأدب واللبس والطعام والآثار وكل ما يتعلق بشؤون الحياة.
ما سر ولعك بالشاعر عمر الخيام؟
كتبت دراسة نقدية عن معظم الترجمات العربية لرباعيات الخيام من الفارسية والإنجليزية، وكان عددها يقترب من ستين ترجمة، وكتبت ثلاثة كتب عن الخيام، وحققت ترجمات الشاعر الأردني مصطفى وهبي التل عرار وصححت كثيرا من أوهامه فيها ونشرتها، وأكاد أفرغ من ترجمة كتاب من أهم الكتب التي ألفت عن الخيام، وهو للناقد الإيراني المعروف علي داشدي وعنوان الكتاب هو وقفة مع الخيام، وبعد الانتهاء من هذا العمل سأنتقي عددا من الرباعيات التي يظن أنها للخيام وأترجمها، لأن الخيام أضيفت إليه أعداد كثيرة من الرباعيات وهي ليست له، كما أنني جمعت شعر الخيام العربي وحققته ودرسته وهو يختلف على ندرته مع الأعداد الكبيرة التي نسبت للخيام، وفي ضوء هذا ستكون مختاراتي من رباعيات الخيام لترجمتها إلى العربية.
هل صحيح أنه قد تم ضم كثير من رباعيات فريد العطار وسعدي حافظ والشيرازي والفردوسي وجلال الرومي إلى رباعيات الخيام؟
الخيام نسبت إليه رباعيات كثيرة بعد أكثر من قرنين من وفاته، وإذا ما عدنا إلى ما قبل هذا التاريخ، نجد أن المصادر التاريخية الموثقة وقريبة العهد بالخيام لم تنسب إليه إلا عددا قليلا جدا من الرباعيات، لدرجة أن تلميذه نظامي العروضي صاحب كتاب المقالات الأربع لم يتحدث عنه في مقالة الشعر بل تحدث عنه في مقالة الفلك، ولم يذكر له أية رباعية من هذا المنطلق، ومن مضامين شعره العربي سأحاكم رباعيات الخيام وأنتخب منها ما قد يتواءم مع الخيام أيضا الذي كان حكيما وحجة للحق كما وصفه القدماء أنفسهم، أيعقل أن يكون شخص بهذه المواصفات العلمية والخلقية هو الذي قال هذه الأعداد الكبيرة من الرباعيات بمضامينها المختلفة؟ إنني أشك في ذلك كثيرا.
اختلف في تحديد عدد الرباعيات، فعند بعضهم 2000 رباعية، والبعض قال لا تتجاوز 200 رباعية، وآخرون قالوا إنها عشر رباعيات فقط ما العدد الحقيقي لها؟
العدد الحقيقي ليس معروفا لأنه لم يصل إلينا إلى الآن كتاب أو ديوان اسمه رباعيات الخيام، بل الذي وصلنا مجموعة من الرباعيات تزداد أعدادها كلما بعدنا عن تاريخ وفاة الخيام.
والمصادر الموثقة التي ذكرت سابقا لا تذكر للخيام أكثر من 13 رباعية، أما الباحثون الإيرانيون فيكادون يقدرون عدد الرباعيات التي نظن فيها أصالة الخيام بما يقرب من 156 رباعية.
اكتشف الأوروبيون رباعيات الخيام في منتصف القرن التاسع عشر بينما تأخر اكتشافها عربيا.. لماذا؟
اكتشاف الغربيين للخيام له مسوغاته، فقد كانت اللغة الفارسية والأدب الفارسي يدرسان في الجامعات والمعاهد الأوروبية، أما نحن فلم ننتبه لهذا الأمر إلا متأخرا جدا، ورحم الله طه حسين إذ قال مما يؤسف له أننا عرفنا أول ما عرفنا في العصر الحديث الخيام ورباعياته عن الغربيين، ولهذا اضطلع طه حسين بإنشاء أقسام للدراسات الشرقية في الجامعات المصرية لاسيما جامعة القاهرة، وهو الذي أوفد عددا لا بأس به من الطلاب للتخصص في اللغة الفارسية وآدابها، ومما يؤسف له أننا إلى الآن نفتقد الصلة الأدبية الحميمة بالآداب الشرقية لاسيما الفارسية والتركية، وقليلون هم الذين يتقنون هاتين اللغتين، ومعظمهم درسها إما في الجامعات الغربية، أو في جامعات خارج إيران وتركيا، وهذا هو السبب في عدم إتقانهم هاتين اللغتين ومعرفتهم الصحيحة بآدابها.
ما تفسيرك أن ترجمة أحمد رامي هي الأكثر انتشارا؟
ترجمة رامي الأكثر انتشارا لا لأنها دقيقة وصحيحة في الغالب، بل السبب في هذا هو غناء أم كلثوم لعدد منها، وهذه الرباعيات التي تغنيها أم كلثوم هي في حقيقتها أفضل ما ترجم رامي من الرباعيات، وما عداها ليس بالترجمة التي نتطلع إليها، وفي العراق مترجمون أتقنوا إلى حد كبير ترجمة الرباعيات بدقة وأمانة وأصالة، ومن هؤلاء أحمد الصافي النجفي وعبد الحق فاضل وغيرهما.
يقال إن أفضل من يترجم الأدب أديب هل توافق؟
لا أوافق على هذا المفهوم، قد ينطبق هذا المفهوم على ترجمة المواد العلمية التي تتطلب التخصص فيها، أما الدراسات الإنسانية والأدبية فلا يشترط أن يكون المترجم متخصصا بدقة في الموضوع، وإن كان التخصص الدقيق أفضل وليس شرطا أن يكون مترجم الشعر شاعرا أو مترجم الأدب أديبا، فقد يتولى الترجمة من ليس بشاعر أو أديب وينتج أعمالا مترجمة جيدة، وأضرب مثالا بنفسي فقد ترجمت كتاب سير الملوك وهو في التاريخ ولست متخصصا في التاريخ، ولكني احترمت نفسي وعدت إلى التاريخ ومصادره لأتأكد من مصطلحاته وما يتصل بالكتاب ولذلك استغرقت الترجمة ثلاث سنوات، وقد شهد لها العارفون بالفارسية والعربية.
قدمت أوراقا نقدية عن طه حسين.. ما الذي تبقى منه؟
كتبت كتابا عن طه حسين بعنوان طه حسين أوراق نقدية جديدة تناولت فيه ثلاثة موضوعات هي طه حسين والأدب الفارسي، طه حسين ونظرية الترجمة، طه حسين وتأثره الكبير بأستاذه المستشرق الإيطالي نللينو، أثبت في هذا المبحث أن كثيرا من آراء طه حسين في الشعر الجاهلي تحديدا كانت متأثرة بهذا الأستاذ وليس بالمستشرق الإنجليزي مرجليوث.
أما في الترجمة فقد بينت أهمية الترجمة عند طه حسين ومشروعه وأثبت بعض آرائه المتباينة في موضوع الترجمة.
وعن علاقة طه حسين بالأدب الفارسي فلم تكن وثيقة ولا دقيقة وقد بينت بعض المفارقات عنه في هذا الموضوع، وما بقي من طه حسين كثير يستحق العناية والدراسة، لكن الباحثين يخشون من اقتحام طه حسين في حين أنه كان يقول دائما: لا فائدة فيكم إذا لم تتجاوزونا.
كيف تقيّم العلاقة بين الناقد والمبدع؟
كان القدماء لا يأبهون بالناقد كثيرا، فقد عرف أبو حيان التوحيدي النقد بأنه كلام على كلام أي أن الناقد لو لم يجد كلاما قبله يؤلف عليه ويتحدث عنه لما كان لديه شيء يقوله، أما العصور القريبة فيعدون الناقد مبدعا كالشاعر والأديب والكاتب، لأنه قد يفطن في النصوص إلى أشياء لم تدر بخلد المبدع نفسه، فيكون على هذا الأساس مبدعا آخر، فالعلاقة بين المبدع والناقد علاقة ندية وليست علاقة تلاق أو كتابة فقط.
ألا تتفق معي على أن هناك عزلة بين الناقد من جانب وبين المبدعين والرأي العام من جانب آخر؟
أتفق معك إلى حد كبير، العزلة بين الناقد والمبدع موجودة فعلا، وهي طبيعية في صلبها، لأن المبدع لا يجلس لكي يتلقى الأوامر من النقاد، فلو فعل المبدعون ذلك لما رأينا أدبا متطورا وجديدا وكثيرا، ويظل المبدعون في كثير من الأحيان في واد والنقاد في واد آخر.
أما الرأي العام فغير معني في الغالب بما يكتب النقاد، لاسيما أن الشللية الصحافية شائعة ومنتشرة هذه الأيام.