أثبت مسلسل حاير طاير أنه لا يزال يمثل علامة الجودة في الدراما الإماراتية، رغم أن عمره يقترب من عشر سنوات ناقش خلالها حوالي 150 قضية في حلقات منفصلة متصلة، ونتابع حالياً جزأه الخامس والأخير كل ليلة على شاشة تلفزيون دبي.

المسلسل عندما قدم لأول مرة لفت الأنظار الى موهبة بطله جابر نغموش في الأداء الكوميدي والتراجيدي، وإن كانت الحلقات التي أتيحت لي فرصة متابعتها كانت مساحة الكوميديا فيها شبه معدومة، وركز مؤلفه جمال سالم في جزئه الذي يعرض حالياً على مآسي الناس وهمومهم التي تثير الاكتئاب أحياناً، والحزن والتعاطف أحياناً أخرى.

وإذا كانت الحلقات الآتية تكاد تخلو من الكوميديا، فإن أهم ما يحسب للمؤلف فيها هو استغلال مساحة الحرية، ومناقشة قضايا كانت تعتبر من قبل خطوطاً حمراء ممنوع تجاوزها.

من الحلقات التي ناقشت ما كنا نعتبره محظوراً من قبل كانت حلقة تطرقت لوضع أبناء الإماراتية المتزوجة من وافد، والذين يولدون في الدولة ويتعلمون في مدارسها وجامعاتها، وعندما يتخرجون لا يجدون أي فرصة عمل، ويفاجأون بأن كل الأبواب تغلق في وجوههم رغم تفوقهم الدراسي، ورغم انتمائهم الى الدولة والتي لا يعرفون لأنفسهم بلداً سواها، وأيضاً لم تغفل الحلقة حرمانهم من العلاج حتى لو كانوا على شفا حفرة من الموت، وذلك في ذات الوقت الذي يتنعم فيه أبناء خالهم المتزوج من غير مواطنة بكل مميزات وحقوق المواطنة.

الحلقة كانت صادمة ومثيرة لأوجاع البعض ممن يعيشون نفس الظروف والذين يبحثون عن مخرج لأزماتهم المتلاحقة والمتكررة.

أيضاً تطرق المسلسل لقضية الطلاب الذين يبتعثون للدراسة في الخارج، والذين يعانون من ضعف مخصصاتهم المالية رغم أنهم أبناء بلد جدير بالمباهاة به أمام الآخرين، ولأجل استكمال دراستهم وتحقيق هدفهم لا يجدون مفراً سوى العمل في وظائف صغيرة ولا تليق بهم ولا بسمعة الوطن.

وبصرف النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف مع ما طرحته الحلقة حول مخصصات المبتعثين، وعملهم في الخارج إلا أن ما يحسب للمسلسل هو مناقشة للقضية بشكل مباشر لا يخلو من الجرأة والوضوح.

كما تطرق حاير طاير لسلوكيات الأفراد من خلال عدة حلقات مثل قضية من يستغلون سلطتهم لظلم الآخرين والسطو على ممتلكاتهم وزوجاتهم، ومن يؤجرون بيوتهم لشركات إنتاج لتصوير أعمال فيها ويتدخلون في عملهم وفيما لا يعلمون، ومن يسافرون للخارج للعلاج وينصرفون عن هدفهم لإشباع رغبات مما يعرضهم للابتزاز.. وقضايا أخرى متعددة.

المسلسل كنا نتمنى أن يمنح للكوميديا مساحة وخصوصاً أن المشاهد يحتاج لمن يرسم على شفاهه بسمة بنفس حاجته لمن يناقش همومه، وأعتقد أن الأكثر خسارة من عدم وجود مساحة كوميديا هم الممثلون وعلى رأسهم جابر نغموش الذي أمتعنا بخفة دمه في أجزاء سابقة.

محمود حسونة

[email protected]_