أسلم وجهه للواحد الأحد، وشهد بدرا مع من شهد، وحمل اللواء يوم أحد، وقاتل بشجاعة حتى استشهد.
جمع بين حسن المظهر وسلامة الجوهر، وكان عف اللسان، طيب المعشر، بكى النبي وصحبه لحاله، بعد أن تبدلت أحواله، خلع ملابسه الناعمة الأنيقة، ومضى في سبيل الله يرتدي خرقه وأسماله.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد رأيت مصعبا هذا وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك حبا لله ورسوله.
فكر مصعب بن عمير ثم اختار فأحسن الاختيار، كأنه يشعر بأن أجله محدود وعمره في الدنيا قصير، آمن بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وجاهد حق الجهاد في بدر وأحد، ونجح في مهمته بالمدينة وأتمها على خير وجه، ونال الشهادة فكان مع النبيين والصديقين والشهداء.
تلميذ نجيب
ومصعب بن عمير تلميذ نجيب في مدرسة النبوة، التحق بها صغيرا، وتعلم منها كثيرا، واستوعب في ساعات وأيام ما يحتاج إلى شهور وأعوام.
كان النبي صلى الله عليه وسلم، أسوته وقدوته، آمن بدعوته ورسالته، وسار على دربه وشريعته.
تعلم من النبي صلى الله عليه وسلم أن الدعوة إلى سبيل الله تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، بالإقناع واللين وليس بفرض الرأي على الآخرين.
وتعلم أن الجهاد في سبيل الله هو الحل الجذري لرد كيد المعتدين من المشركين وأعداء الدين.
وأدرك الشاب الصغير أن الحياة عبارة عن امتحان كبير، وأنها ليست غاية، ولكنها وسيلة إلى غاية كبرى وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى (الضحى: 4 5).
أدرك مصعب بن عمير أن متاع الدنيا إلى زوال، فتخلى عنه وتركه، واختار عيش الآخرة.
توجه الفتى الصغير إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بها يصلي مع أصحابه، ويتلو عليهم آيات القرآن الكريم. دخل إليهم وسلم عليهم وأعلن إسلامه بعد أن نطق بالشهادتين وأصبح في تلك اللحظة أحد جنود الإسلام الأوفياء المخلصين، اختصر الأعمال الجليلة في أعوام قليلة، دعا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وجاهد في سبيله وعلم الإسلام والقرآن وصلى وصام وأحسن معاملة الناس.
ودار الأرقم هي أول دار للدعوة في الإسلام، اتخذها النبي مقرا لصحابته والدعوة لرسالته حتى اكتمل عدد المسلمين 40 بدخول عمر بن الخطاب رضي الله عنه الإسلام في هذه الدار.
والأرقم بن أبي الأرقم بن عبد مناف بن أسد المخزومي صحابي جليل (30 ق ه 55 ه) (594 675م) يكنى بأبي عبدالله، أمه أمية بنت عبد الحارث.
وكان الأرقم من السابقين إلى الإسلام وطليعة المهاجرين، شهد الغزوات مع الرسول صلى الله عليه وسلم وكلفه النبي بتوزيع الصدقات. عن عثمان بن الأرقم عن الأرقم أنه تجهز يريد بيت المقدس، فلما فرغ من جهازه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يودعه فقال له الرسول: ما يخرجك: حاجة أو تجارة؟ قال: لا يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ولكن أريد الصلاة في بيت المقدس.
قال الرسول: إن صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام. فجلس الأرقم ولم يخرج (أخرجه الطبراني والحاكم).
عمر الأرقم طويلا وعاش أكثر من 90 عاما، وتوفي في خلافة معاوية.
أم مصعب
شاهدوه يركع ويسجد وعلى دار الأرقم يتردد فأبلغوا أمه بالنبأ الذي وقع على رأسها كالصاعقة.
غضبت أشد الغضب، وصبت جام غضبها على رأس مصعب، وبات أمام اختيار صعب، حبسته أمه في ركن من أركان الدار، لكنه قرر واختار وأعلن أنه مسلم ولا عودة في هذا القرار، وأخذ يتلو على قومه آيات الذكر الحكيم.
كانت أم مصعب خناس بنت مالك عنيدة وقوية وكان يخشى الصدام معها وكانت على دين الجاهلية ويخاف أن تعرف بخبر إسلامه، ولكنه ظل يتردد على دار الأرقم ليصلي مع النبي ويقرأ القرآن.
لكن لا شيء يخفى في مكة أو غيرها فقد أبصره رجل يسمى عثمان بن طلحة يسجد ويركع، فجرى إليها وأخبرها بأن ابنها أصبح من أتباع محمد، فمنعت عنه المأكل والمشرب وكل ما يحتاج إليه أو يطلب وقالت له: اذهب وشأنك لم أعد لك أما.. قال لها: يا أمي إني لك ناصح وعليك شغوف، فاشهدي أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.
قالت وهي في قمة غضبها: قسما بالثواقب (الكواكب المضيئة) لا أدخل في دينك فيزرى برأيي ويضعف عقلي.
سفير الإسلام
مصعب بن عمير هو أول سفير في الإسلام حيث أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يعلم أهلها الإسلام ويقرأ عليهم آيات القرآن.
حل مصعب بن عمير ضيفا على أسعد بن زرارة، وأخذ يتردد على المجالس والمنتديات يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويعلمهم الإسلام ويقرأ عليهم آيات القرآن الكريم، وذات مرة دخل عليهم أسيد بن حضير سيد بني عبد الأشهل غاضبا شاهرا حربته، مهددا متوعدا كل من جاء يدعو إلى الدين الجديد ويسفه دينه ودين آبائه.
وقال له ولمضيفه: ما جاء بكما إلى حينا، تسفهان دين آبائنا وأجدادنا.
قال مصعب: أولا تجلس فإن رضيت أمرنا قبلته، وإن كرهته كففناك ما تكره؟
قال أسيد لما سمع جانبا من حديث مصعب: أنصفت، وألقى الحربة إلى الأرض وجلس يسمع ويتعلم وأشرق قلب أسيد بالإيمان وهداه الله للإسلام، وقال ما أحسن هذا القول وأصدقه. وسأل: كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين؟
قال مصعب: يطهر ثوبه وبدنه ويشهد ألا اله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.
غاب الرجل قليلا ثم عاد، والماء يقطر من رأسه وبدنه ونطق الشهادتين، وسرى الخبر في أرجاء المدينة وجاء سادتها فأسلم منهم سعد بن معاذ بعد أن سمع واقتنع ومن بعده عدد كبير من أهل المدينة.
حامل اللواء
وطبقا لرواية ابن سعد حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد، وفي الوقت الذي انشغل فيه البعض بالغنائم، ظل مصعب ثابتا في مكانه، وهجم عليه رجل من المشركين يدعى (ابن قميئة) وضربه بسيفه على يده اليمنى فقطعها، وقال مصعب وهو يتناول اللواء بيده اليسرى: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، فهجم عليه ابن قميئة مرة أخرى وضربه بسيفه فقطع يده اليسرى فضم عضديه وحمل اللواء بهما وهو ينادي: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل.
ثم هجم عليه مرة ثالثة وسدد رمحه إلى القلب المؤمن الموحد، ونال مصعب الشهادة بعد أن ضرب المثل في الشجاعة والإقدام.
ونزلت الآية الكريمة: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين (آل عمران: 144).
مضى النبي، صلى الله عليه وسلم يتفقد الشهداء في غزوة أحد وأمام مصعب بن عمير فاضت عيناه بالدموع. يقول الصحابي الجليل خباب بن الأرت: هاجرنا مع رسول الله في سبيل الله نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله فمنا من مضى ولم يأكل من أجره في دنياه شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه تعرت رجلاه وإذا وضعناها على رجليه برز رأسه. فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه من نبات الاذخر وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً (الأحزاب: 23).
ونظر النبي إلى قطعة القماش الصغيرة التي تغطي الجسد الطاهر وقال: لقد رأيتك بمكة وما بها أرق لُمة ولا أحسن لُمة منك ثم ها أنت ذا أشعث الرأس في بردة (واللمة هي الصحبة).
وقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه وهو يعلمهم: أيها الناس زوروهم وأتوهم وسلموا عليهم، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم مسلم إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه السلام.
الفتى الوسيم
هو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف القرشي توفي 3 ه 625 م فتى قريش الوسيم المدلل، المترف المرفه وزينة شبابها، وقالوا عنه إنه أعطر أهل مكة.
أسلم ودعا إلى الإسلام واستشهد وهو في مطلع شبابه.. صحابي جليل، وفارس نبيل، من السابقين إلى الإسلام.
أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ليعلم أهلها القرآن والإسلام وهو أول من جمع الجمعة بها وعرف بين أهلها بالمقرئ.
أسلم على يديه عدد كبير من أبناء المدينة على رأسهم أسيد بن حضير وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة.
حمل اسمه عدد من أبناء الصحابة الكرام تقديرا لمكانته وتضحيته وحسن إسلامه، ومنهم مصعب بن الزبير بن العوام، (26 71 ه) (647 690م) ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف (توفي 64 ه 683م).
عندما أرسله النبي إلى المدينة كان عدد المسلمين بها ،12 وفي موسم الحج التالي ارتفع عددهم إلى ،70 جاؤوا إلى مكة المكرمة مع أستاذهم ومعلمهم مصعب بن عمير لمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم.
هاجر مصعب بن عمير ثلاث مرات: الأولى والثانية إلى الحبشة، والثالثة إلى المدينة المنورة.