الزيارة الأولى إلى تونس لها نكهة خاصة لا يعدلها سوى الهواء المنعش الخفيف الذي يسربل الروح. نسيم الثواني الأولى بعد الهبوط من الطائرة، كفيل بتبديد إرهاق السفر لست ساعات ونصف الساعة بين مطاري دبي وقرطاج في تونس. عندما تكون وحدك ينتابك انقباض النبضة الأولى لصمت الغربة، لكن نافذة الانفراج ما تلبث أن تنفتح عندما تقرأ اسمك على لوحة يحملها شخص في انتظارك بتكليف من وكالة الاتصال الخارجي، فتجذبك إليه رغبة جامحة في كسر إحساسك الأول بأنك تدخل نفق التيه في أرض تطؤها قدماك للمرة الأولى، لكنها في ذهنك قصيدة وأغنية واسم جاذب لكل عين تحب الخضرة والجمال. إذاً أنت في تونس ملهمة خواطر الأدباء والموسيقيين. تونس الخضراء إحدى أجمل الدول العربية والمتوسطية، الموغلة في التاريخ والحضارات.. الاستقرار السياسي والاجتماعي، والمكانة التاريخية.. السياحة والمهرجانات الثقافية والفنية، الشواطئ الممتدة والمياه الزرقاء والمناظر الطبيعية الخلابة.

ما أن تغادر مطار قرطاج في العاصمة، حتى تطالعك لافتة معدنية يشع منها خط عريض: شارع الزعيم ياسر عرفات. تستحضر صورة القائد الشهيد الذي اختلف معه الجميع لكنهم لم يختلفوا عليه. أنت إذاً في تونس التي احتضنت الثورة الفلسطينية منذ خروجها من بيروت في العام ،1982 وحتى انزلاقها في نفق أوسلو المظلم وملحقاته التي ألقت بها في مهاوي الانقطاع القاتل عن منطلقاتها وعن الخط المضيء لحركات التحرر.

شارع ياسر عرفات أصبح خلفك، وأنت تغوص في خضرة الضاحية الشمالية للعاصمة، ويؤشر سهم على لافتة أخرى إلى قرية سيدي بوسعيد. هذا الاسم ليس غريباً عليك حتى وإن عاد عشرين سنة إلى الوراء، إلى ذلك السادس عشر من إبريل/نيسان 1988. أواه من ذلك اليوم الأسود في بلد أخضر، حينها تشرّب تراب سيدي بوسعيد دماء القائد الفلسطيني خليل الوزير أبو جهاد عندما اخترق شركاء السلام، جدار الاستقرار التونسي ووداعة البلد ليستثمروا في صناعة الموت.

تنام ليلتك الأولى على وقع الأسئلة وصمت الدهشة الأولى، لكنك مزهو بجديد المشهد وعليل النسيم التونسي وعبارات الترحيب المبتسمة باللهجة والمصطلحات الخاصة واللكنة المغاربية. عليك أن تنام لأنك على موعد صباحي مع ندوة دولية ستستمر يومين عن المشاركة السياسية في عالم متغير. فالبلاد بدأت احتفالاتها بالذكرى الحادية والعشرين ل التحوّل، وهي مناسبة مرور واحد وعشرين عاماً على تولي الرئيس زين العابدين بن علي مقاليد السلطة في السابع من نوفمبر/تشرين الثاني من العام 1987.

التحول

البلاد من أقصاها إلى أدناها تتحرك على وقع الذكرى العشرين ل تحول 7 نوفمبر، وتنبض بالنشاط المتدفق إحياء لمناسبة يرون فيها فاصلاً أرسى لمرحلة تتجدد نوعياً. كل مكان تذهب إليه يحتفل صاخباً أو صامتاً، لكن وكالة الاتصال الخارجي ارتأت ألا يبقى الاحتفال محصوراً بين الأضلاع التونسية، ففتحت ذراعيها لما يزيد على ال 130 ضيفا من 46 دولة عربية وأجنبيّة مثلوا حوالي 60 حزباً، وعدد كبير من ممثلي المنظمات والجمعيات والشخصيات الأجنبية، وعشرات من ممثلي وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة. وهكذا كانت الندوة الدولية التي احتضنها فندق كارطافو بالاس الكائن على تلة شجرية بين بلدتي المرسى وقمّرت، مناسبة لتفاعل الآراء حول المشاركة السياسية. وافتتحت الندوة بكلمة الرئيس التونسي تلاها بالإنابة عنه رئيس الوزراء محمد الغنوشي، واعتمدها المشاركون وثيقة أساسية للندوة. ابن علي رأى أنّ قضيّة الشفافية من التحديات الكبيرة التي تطرحها الأشكال الجديدة للمشاركة السياسية في عالم اليوم بحكم اعتمادها التعامل عن بعد عبر القنوات اللامادية للاتصال. وربط بين المشاركة السياسية والديمقراطية وحقوق الإنسان وبالتنمية بمفهومها الشامل، في إطار من المراهنة على المجتمع المدني ودور الأحزاب السياسية.

وانسجاماً مع عنوانها مثلت الندوة ذاتها منبراً للمشاركات المتعددة جغرافياً وفكرياً، من افريقيا وآسيا وأوروبا، من الآراء المحافظة إلى المواقف الاشتراكية. ولأن المشاركة السياسية ليست هماً معاصراً فحسب، عاد بنا الرئيس الموريتاني الأسبق أعلي ولد فال، إلى البدايات الاستقلالية في الدول النامية خصوصاً التي تميزت ب مركزية المشاركة عبر النظم العسكرية واحتكار الحزب الواحد للسلطة. ولم يكتف عصمان تانور ديانج السكرتير الأول للحزب الاشتراكي السنغالي، بالعودة إلى البدايات الاستقلالية، فاستعرض مسار تطور المشاركة بدءاً بأثينا وروما والثقافات الأفريقية القديمة وانتهاء بالعصر الراهن وفق خط يتسع ويضيق في مقارباته بشأن التحوّل من الديمقراطية المباشرة إلى الديمقراطية التمثيلية وصولاً إلى الديمقراطية التشاركية.

وذهبت نزيهة زروق عضو اللجنة المركزية للتجمع الدستوري الديمقراطي التونسي، مذهباً فلسفياً يضفي على المفهوم وتطبيقاته بعداً إنسانياً في المقام الأول وإشغالاً إيجابياً للمواطن في المسائل العامة، وولجت إلى صلب المشاركة السياسية التي اعتبرتها قائمة على الوفاق والاختلاف بالاستناد إلى قاعدة معرفية لا تتفق معها ظاهرة الأمية، وكل ذلك مشروط بالخصوصية ورفض الديمقراطية المفروضة من الخارج.

وكان لرئيس الوزراء الإسباني الأسبق خوسيه ماريا ازنار، الذي كان ثالث أضلاع قرار غزو العراق واحتلاله، رأي أخذ منحى قيمياً من حيث تركيزه على الخير والتسامح كغايتين للديمقراطية، ولم يفته أن يرفض نظرية صراع الحضارات، ولا حتى تعدد الحضارات لأن هناك حضارة واحدة بتعبيرات مختلفة ثقافياً تاريخياً ودينياً، حسب رأيه.

الصادق شعبان عضو اللجنة المركزية للتجمع الدستوري الديمقراطي التونسي، طمأن أن المشاركة المنظمة والسلمية عبر المؤسسات ليست في خطر لكنها تحتاج إلى تعديلات تواكب التطور التكنولوجي وثورة الاتصالات، كيف لا والانترنت أصبح فضاء منافساً للفضاءات التقليدية للديمقراطية. لكن تلك الفضاءات لا ينبغي أن تكون محصورة داخل الحدود الوطنية، إنما يجب أن تنفتح على التعاون الدولي وإصلاح المؤسسات الدولية ابتداء بالأمم المتحدة والوكالات التابعة لها، وفقاً لرأي رئيس الوزراء الايطالي السابق ماسيمو داليما الذي انطلق من الأزمة المالية العالمية ليخلص إلى أن الأزمات الكبرى تولد الشعور بانعدام الأمن وكراهية الغير.

لكن العلاقة بين دور الحكومة ودور المجتمع المدني في المشاركة السياسية، علاقة جدلية قائمة على التكامل من وجهة نظر رئيس الوزراء الأردني الأسبق طاهر المصري الذي رأى أن الارتقاء بالمشاركة السياسية يتطلب تطوير قدرات المجتمع المدني حتى يكون قادراً على المساهمة في تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية والتنوع.

وجاء زهير المظفر عضو اللجنة المركزية للتجمع الدستوري الديمقراطي التونسي بإضافة أخرى إذ اعتبر أن تكريس قيم المواطنة والالتزام بمبدأ فصل السلطات، واحترام حقوق الانسان وترسيخ دولة القانون والمؤسسات، من أهم مرتكزات الديمقراطية، مبرزاً محدودية الأشكال التقليدية للمشاركة في ظل التحولات العميقة وثورة الاتصالات والعولمة.

سياسة وسياحة

في الطريق إلى المحطة التالية تستمع باهتمام إلى مزيد من المعلومات عن بلد يؤمه أكثر من خمسة ملايين سائح في السنة. هنا يلتقي الجمال وثراء التاريخ والتراث عبر رابط سلس من الأداء السياحي الراقي ومرافقه الأساسية من أماكن ترفيه ومنتجعات وفنادق راقية في كل ركن من أركان البلاد، وبنية متطورة في مجال المواصلات وخدمات الاتصالات الحديثة، كل ذلك يظلله وعي سياحي عال على المستويين الرسمي والشعبي وموقع متميز ومناخ معتدل، وشواطئ طويلة على مياه المتوسط تواكبها مرافق وخدمات سياحية متطورة، وآثار تتحدث صامتة عن حضارات مرّت على البلاد منذ آلاف السنين.

موقع تونس وطقسها المتوسطي المعتدل وطبيعتها الجعرافية المتنوعة بين شواطئ وجبال وصحراء يجعلها نقطة جذب سياحي تستقطب أكثر من خمسة ملايين سائح سنويا تبلغ نسبة الأوروبيين منهم نحو 90% والنسبة الباقية من السياح العرب الآسيويين والأفارقة. وتتحدث التقارير عن ارتفاع عدد الليالي السياحية من 5.18 مليون ليلة سنة 1987 الى 360.37 ليلة سنة ،2007 وارتفاع عدد الوافدين من 1874734 سائح سنة 1987 الى 6761000 سائح سنة 2007. كما تطورت المداخيل السياحية من 9.568 مليون دينار سنة 1987 الى 300.077.3 مليون دينار سنة 2007. أما جملة الاعتمادات المرصودة من جانب صندوق حماية المناطق السياحية لصالح التطوير السياحي، من منتزهات وفسحات شاطئية، ومساحات خضراء وتهيئة شواطئ وغيرها من المجالات ذات الصلة بالسياحة، فقد بلغت ما قدره 5.104 مليون دينار خلال الفترة من 1993 الى منتصف سنة 2007.

وحسب وزير السياحة التونسي خليل العجيمي، فإن السياحة في البلاد لم تتأثر بالأزمة المالية العالمية، بل توقع بلوغ الإيرادات المالية للقطاع السياحي 3 مليارات دولار مع نهاية 2008 أي بزيادة بنسبة 5.9 في المائة مقارنة بسنة 2007. ويؤكد أنه مع نهاية 2008 تكون البلاد قد استقبلت 7 ملايين سائح في بلاد شرعت في الاستثمار السياحي منذ أوائل الستينات.

حلق الوادي

ومع مغادرة الندوة وشؤونها السياسية، كان لنا موعد مع الفضاء السياحي وشجونه الأخف ظلاً، وتحط الرحلة الجماعية للاعلاميين في منطقة حلق الوادي، الآن فقط أتيح لك أن تعرف ما الذي يعنيه الموسيقار فريد الأطرش في اوبريته الرائع بساط الريح عندما غنّى من أشعار بيرم التونسي غزلانك في المرسى ولا في حلق الواد. لكن فريد عندما غنى لحلق الوادي لم يكن المكان بهذه الحلّة العصرية التي أضفاها على المكان جسر رادس-حلق الوادي المدهش، أحد أبرز المشاريع المتطورة في تونس في السنوات الأخيرة، وتبلغ تكلفته 141 مليون دينار تونسي (104 ملايين دولار). وحسب غازي الشريف أحد المهندسين المسؤولين عن تنفيذ المشروع، فإنه الجسر الأول من نوعه في الشرق الأوسط وأول جسر معلّق بعد سلسلة الجسور التي أقيمت في البلاد وأضفت شكلاً معمارياً جديداً، وساعدت بشكل كبير على تطوير الحركة المرورية. كما أن من شأنه أن يغيّر المشهد العام وطبيعة الحياة في العاصمة وضواحيها وعموم المنطقة، حيث يعزز التواصل بين الضواحي الشمالية والجنوبية للعاصمة ويربط بين ثلاث ولايات هي تونس وبن عروس واريانة وهو يمتاز بحداثة تصميمه وطابعه الجمالي الفريد، ويمتد الجسر على مسافة 65.14 كيلومتر منها 65.12 كيلومتر من الطرقات السريعة ذات المسارين في كل اتجاه الى جانب ما يرافقه من معالم جمالية وتصاميم حديثة ومنها الجسر المعلق المشدود بكوابل مثبتة في برجين اساسيين علوهما نحو45 مترا فوق البحر يستندان الى اوتاد ذات قطر يناهز المترين وغائرة في المياه العميقة. ويؤمن هذا المشروع ربطاً مباشراً وسريعاً بين الضاحيتين الشمالية والجنوبية عبر قناة تونس للملاحة، كما يهدف لتقليص ضغط حركة المرور على الطريق العابرة لمدينتي حلق الوادي - الكرم علاوة عن ربط ميناءي رادس وحلق الوادي ببعضهما وبشبكة الطرق في إطار دعم الانشطة الاقتصادية والصناعية بمحيط تونس الكبرى.

مطار وميناء

في اليوم الرابع من البرنامج تحط الحافلة بوفد الإعلاميين في منطقة النفيضة حيث مشروع المطار الدولي الجاري تشييده بمواصفات ومقاييس عالمية ستجعله نافذة أكثر اتساعاً على العالم. عليك، كما الجميع، أن ترتدي لباس الشغّيلة قبل أن تدخل منطقة الأعمال. المطار، قيد الإنشاء، يقع على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة في المنطقة الواقعة بين هرقلة والنفيضة على مساحة تقدر ب 6 آلاف هكتار، وينتظر أن يدخل حيز الاستغلال في أكتوبر/تشرين الأول ،2009 علما بأن طاقة استيعاب هذا المطار ستبلغ، بعد اكتمال كل مراحل المشروع، 20 مليون مسافر سنوياً. ومن شأن هذا المطار الجديد ان يخفف ضغط حركة النقل الجوي بمطار تونس قرطاج الدولي وتنشيط الحركية الاقتصادية في كل المنطقة.

ومن المتوقع أن يعكس إنجاز ميناء المياه العميقة في المنطقة ذاتها (النفيضة) توظيفاً فعالاً لموقع تونس الجغرافي المتميز في إطار الممرات البحرية على مستوى العالم، وطموحها بتعزيز مكانتها كمركز للاعمال والتجارة والخدمات ذات القيمة العالمية. وسيتم الإعلان قريبا عن عرض دولي لتنفيذ المشروع.

ويعكف مكتب دراسات هولندي مع مكتب تونسي على إعداد دراسة جدوى للمشروع. ومن المتوقع ان تنطلق أعمال التهيئة نهاية العام الحالي.

وجبة من التراث

تنزع قبعات جيش الشغيلة وبزّاتهم الفسفورية وتعود إلى الحافلة لتمضي جنوباً وتطوي على جانبي الطريق صفحات لامحدودة من أشجار الزيتون المزروعة بتنسيق هندسي، وتغطي أرضاً منبسطة مفتوحة على مدى النظر، فلا ترى سوى الشجر وبعضاً من نساء يبسطن الفراش تحت شجر الزيتون لجمع الثمار، وجرارات زراعية تخترق صفوف القامات الخضراء، فنوفمبر/ تشرين الثاني أيضاً موسم قطف الزيتون. ثلاث ساعات والحافلة تنهب الطريق، وفضولك يدفعك لسؤال جارك التونسي في المقعد عن الوُجهة والمرفق التالي في تلك المنطقة البعيدة، فيجيبك باختصار حاسم: دعها مفاجأة.

تتوقف الحافلة وينزل الإعلاميون ليدخلوا مبنى يتبين أنه معصرة زيتون. شيء مدهش وربما شكّل مفاجأة للكثيرين من الأفارقة والأوروبيين، لكنه ليس كذلك للفلسطيني أو اللبناني أو السوري الذي نشأ على اقتصاد الزيتون وقطفه وعصره وتفاصيله المنزلية. ووجدت نفسك تحدث زميلك التونسي كيف كنت تحمل رغيفاً ساخناً من خبز الطابون الفلسطيني وتذهب إلى معصرة الزيتون القريبة وتتناول الزيت الذهبي من فم الفرَازة إلى فمك. ينقطع الحديث بدعوات الصعود إلى الحافلة لننطلق في مسرب ترابي بين أشجار الزيتون.

تتساءل صحافية لبنانية عندما قيل لنا إننا ذاهبون إلى مطعم للغداء: أي مطعم هذا الذي لا تجاوره سوى أشجار الزيتون؟ وكان المطعم الموعود مشهداً رائعاً منذ لحظة الهبوط من الحافلة، وجدنا أنفسنا نتقدم عبر باحة منزل بسيط على صوت المزمار التونسي المسمى هناك الزكرة، مترافقا مع الطبل والزي التقليدي، في توليفة مزجت بين التراث المحلي وشقيقه العربي، لم تتوقّف إلا أمام قعقعة الأواني والصحون، فكان لنا أن نتناول وجبة من الكسكسي التونسي المقدم مع لحوم الذبائح في إطار احتفالي، وفي تعبير ذي طبيعة عربية حملت صفة أصبحت لازمة مركّبة، الكرم العربي.

صفاقس تصالح البحر

في طريق العودة من الجنوب، كان التوقّف في مدينة صفاقس فرصة لفهم إحدى محطات البرنامج التي لم تكن واضحة لنا. استمعنا إلى شرح عن مشروع تبرورة الذي يحمل اسم المنطقة الواقعة وسط المدينة ولها شرفة بحريّة بطول ستة كيلومترات تغطي 420 هكتاراً. ويشرح أحد القائمين على المشروع أنه يهدف إلى إنشاء مدينة عصريّة تضم متنزها حضريا على مساحة تفوق 50 هكتاراً وفق شكل هندسي دائري يتكوّن من مسطّحين بارتفاعين مختلفين ومنحدرين، ما يمكّن من استقطاب أنشطة ترفيهيّة ورياضيّة. وفوق ذلك كله، ينطوي المشروع على بعد إنساني وبيئي إذ يسعى إلى مصالحة مواطني منطقة الساحل الشمالي للمدينة مع البحر من خلال القضاء على التلوث على طول 3 كيلومترات من الشريط الشاطئي، وتيبيس مساحة في البحر لصالح هذا المخطط العصري الضخم. أشغال المشروع بلغت مرحلة متقدمة بعدما تم رفع 6 ملايين متر مكعب من رمال البحر وجلب مليون متر مكعب من التراب بهدف ردم جزء من الساحل لتهيئة أعماق البحر وإعداده للسباحة. وبلغت الكلفة الإجمالية لعمليّة إعداد أرضيّة المشروع 5.140 مليون دينار (104 ملايين دولار)، ويتوقع أن تنتهي الأشغال المتّصلة بهذه العمليّة في غضون أواسط العام المقبل 2009. ويمتدّ تنفيذ المشروع بمختلف مراحله ومكوناته على فترة زمنيّة تقدّر بخمس عشرة سنة، فيما يتوقع أن يبلغ حجم الاستثمار فيه ثلاثة مليارات دولار، يساهم البنك الاوروبي للاستثمار بحوالي 70 مليون دولار منها.

سهرة شهرزادية

في مدينة الحمامات سحر البحر يعانق التاريخ.. مغناطيس سياحي يجذب ملايين الباحثين عن المتعة والسحر والجمال. في هذه المدينة المطلة على البحر يمكنك أن تلهو وتفتح عينيك على الجمال، وتتمتع بالاستجمام والعلاج الطبيعي. فمن الساحات والأسواق إلى الفنادق، ومن الحمامات المعدنية إلى الفناءات، ومن الأسوار إلى الديار والحدائق، كلها تؤدي إلى متعة.

قرون مرت على هذه المدينة وحضارات جادت على الأجيال اللاحقة بهذا الموروث الحضاري الكبير، وهذه العادات والتقاليد والفولكلور، واللوحات الشعبية الخالدة في نسيج فسيفسائي يعرض كل إبداعات الإنسان على مدى عصور متتالية.

على مدخل الفناء القديم في الطريق إلى مطعم شهرزاد، تستقبلك تماثيل ضخمة لأفيال يستقلها مقاتلون يمتشقون السيوف ويشع من جبهاتهم وميض ساطع للفروسية وصناعة الأمجاد. ليلة من ليالي شهرزاد أمضيناها هناك بمصاحبة أنغام الطرب الراقي والرقص الشرقي في جو ساحر يحيطه ديكور شرقي ودفء المرمر الوردي ينتشل من التاريخ أجواء ألف ليلة وليلة تحت سماء من الوميض الخافت.

وأمام المسرح الآسر يكتمل المشهد، بكوكبة من شبان وصبايا مل الشموع يحملونك على بساط من النغم والأداء التمثيلي التلقائي إلى ليالي شهرزاد، فتشعر بانعدام الوزن وتحلق في فضاء الحياة القديمة.

قرطاج تختزل التاريخ

لم يكن برنامج الرحلة القصير يتسع لقرطاج، لكن هل تستطيع أن تغادر تونس من دون زيارة عروس التاريخ، ثم تدعي أنك زرت تونس؟ كان عليك أن تذهب وحدك كي لا تحرم مخيلتك ومذكراتك من هذا المشهد السياحي والمعرفي المثير. فقرطاج واحدة من أبدع التحف التاريخية، عروس لتاريخ ممتد طيلة ثمانية وعشرين قرناً، لكنها أيضاً فتاة الحاضر وسيدة المستقبل. فيها تراث أثريّ عظيم وثري، وسجل مؤتمن على قائمة التّراث العالمي. وهي مع سيدي بوسعيد والمرسى وقمّرت تشكل الضّاحية الشّمالية لتونس العاصمة.

سحر الألوان وسيدي بوسعيد

سيدي بوسعيد الضاحية السياحية خفيفة الدم الواقعة على بعد 20 كم في شمال شرق تونس العاصمة والمتربعة على منحدر صخري يطل على قرطاج وخليج تونس، تتميز بفن معماري خاص وفريد، إذ تكاد لا ترى فيها سوى ثلاثة ألوان، الأبيض والأزرق والأخضر. كل بيوتها ومبانيها بيضاء ذات أبواب عتيقة يغلب عليها اللون الازرق مطرزة بنقوش وزخارف جميلة. الأبواب والشبابيك وجدر الحماية المعدنية كلها زرقاء. ثنائية الأبيض والأزرق هذه تتناثر بمنتهى الجمال في ثنايا بساط أخضر من الأشجار والورود.

المتعة لا تبلغ شاطئ النهاية إلا وتبحر من جديد عندما تتجول في أزقة سيدي بوسعيد وشوارعها الضيقة المرصوفة بحجارة أكل الدهر عليها وشرب. وإذا أتيح لك أن تكون هناك في ساعات الصباح الباكر او المساء، تسمع بوضوح زقزقة الطيور في الشوارع التي تفوح بعبق أشجار البرتقال والحدائق الظليلة المحتضنة بيوتاً تحسبها غيوماً هندسية حيث الطراز الاسلامي والديكور والجدران والرخام والمصابيح الملونة واشجار الياسمين التي لا يكاد يخلو منها أي منزل في تونس.

وفي القهوة العالية وهي مكان سياحي جاذب للعديد من الزوار التوانسة والعرب والأجانب وبخاصة في فصل الصيف. وكان مثيراً للفضول أن تطلب كأساً من الشاي بالبندق لتكتشف أن البندق ما هو إلا الصنوبر.

تونس العتيقة

مدينة تونس العتيقة مشهد آخر تماما.. التوانسة يسمونها البلاد العربية، كأنما هي تختزل الأمة كلها. إذا كنت ذا جلد وتخترق أزقة وأنهج المدينة (الشارع الفرعي يسمى نهجا)، ترى كثافة النحل وعبق التراث وحراكاً بكل الاتجاهات، صخباً وأصوات بائعين. لوحة ينبعث منها دخان النراجيل ورائحة الماضي الجميل. كل نهج أو زقاق له نكهته ورونقه، روائح البخور والقهوة العربية وأضرحة الأولياء الصالحين ومطاعم تقدم الأكلات التونسية الشعبية مثل الكسكسي بالعلوش واللبلابي والهرجمة.

قال صديق تونسي إنك ستكون محظوظاً لو أتيح لك ان تزور هذا المكان في شهر رمضان وتشهد مهرجان المدينة الذي تتوزع فعالياته بين الفضاءات والقصور التراثية التي تحمل السامرين إلى الزمن البسيط الجميل، فمن حدائق خير الدين إلى بئر الأحجار ودار الأصرم معالم تاريخية تحولت إلى فضاءات فنية تستقطب عشاق الطرب والفن الأصيل. وقبل إسدال الستار، كان لا بد من اقتناص فرصة التجوال في تونس العتيقة للتوجه لأحد محلات بيع الاسطوانات والأشرطة وشراء عدد من الأسطوانات للفنان العربي الراحل، الشيخ إمام. تعود بك الذاكرة إلى كلمات قالها صديق إعلامي وموسيقي في تفسيره لإعجاب الكثير من التونسيين بفن الشيخ إمام واستضافتهم له في عشرات الحفلات وفي شتى المدن والمناطق: إنه شعب يتذوق الفن الجميل. وفي الطريق إلى المطار كانت أشجار القينا والصنوبر والسرو والكلاتوز تمضي مسرعة إلى الوراء، وكان صوت فريد الأطرش لا يزال يردد تونس أيا خضرا. أقلعت الطائرة مع هبوط الليل، وكنت تفضل أن يكون هبوطها في الليل لكي تنتظر انجلاءه على إيقاع كلمات أبو القاسم الشابي، وتلقّم جوالك برقم شخص ما في فلسطين أو العراق أو الصومال أو أفغانستان، لتقول له ولا بد للقيد أن ينكسر.

_