كانت الفضيلة الكبرى للمفكر الفرنسي جاك دريدا أنه أنتج ما يسمى المدرسة التفكيكية، وهو نفسه الذي رفض أن يكون منهجه مدرسة بالمعنى الكلاسيكي المتعارف عليه، إلا أنه في حقيقة الأمر كان يعتمد على بث الأفكار من خلال الحوارات معه ميزة بَصَمَت توجهه النقدي، حيث لا يمكن الركون إلى خطاب ما -أيا يكن مصدره-من دون تفكيكه، ومن دون إقامة الحوار معه عبر الأسئلة التوالدية، وهي أسئلة يتم اشتقاقها في سياق الحوار نفسه، وهو بذلك قام بعملية تثوير فلسفية وفكرية على الآليات التي سادت الخطاب الفلسفي والفكري والإيديولوجي والأدبي والنقدي الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية .
إن ركون المفكر بحسب دريدا إلى خطاب ما، واعتباره جزءاً من منجز، أو استكمالاً لمنجز سابق هو في التحليل الدريدي الأخير أمر مرفوض، لأنه يعتبر أنه إذا كان هناك ميزة ما للمفكر فهي أنه شخص حواري، والحوار هنا بمعنى الخروج عن العنوان العام، والدخول في التفاصيل، ليس من منطق الرفض للعناوين الكبرى إنسانية أو أخلاقية أو ميثيولوجية أو غيرها، وإنما من موقع عدم الوقوع في أسر العناوين الكبرى أيا كانت، والهروب من مغريات القوة التي تحملها في طياتها، فكل عنوان كبير هو قوة، وقوة تتحول مع مرور الوقت إلى قوة صماء، وهذا ما رفضه دريدا رفضاً مطلقاً، وهذا ما اعتقد أنه يجعل الفكر يأخذ دوره الحقيقي في سيرورة التاريخ من منطق أنسنة الخطاب، بمعنى عدم الركون لمطلق ما، حتى لو كان هذا المطلق عقلياً.
إن أهمية الوقوف عند هذا المفكر اليوم تبدو ضرورية أولاً بالنسبة لنا كعرب، حيث توقف الإنتاج الفكري عند مناطق معينة على مستوى الأطروحات، وتبدو الأزمة في عمقها التوصيفي، أزمة بنيوية تاريخية على كل المستويات، تبعاً لفشل الخطاب العربي المتعدد الدرجات والمستويات، وعدم قدرته على مقاربة الأزمات العربية، وإيجاد مخارج على أرضية حوارية، من دون إلغاء للآخر، ومن دون تشبث بمسلمات مهما تكن درجة التحمس لها، فالمسألة تتجاوز المنطق الانفعالي، إلى حيز أكبر، وهو أن مستقبل هذه الأمة كله على المحك اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، وصار لزاما أن يعاد تفكيك كل الخطابات التي أوصلت العرب إلى ما أوصلتهم إليه، على أن يتم إنهاء حالة المكابرة التي تقتل الروح النقدية الجادة.
وعلى الضفة الأخرى أيضاً، هناك في العالم الذي يعيش على نهب الشعوب الأخرى، أيضاً أزمة في الخطاب، وهناك أحادية في التعاطي مع مفهوم العقل أو ما هو عقلاني، وهو يقود إلى الاستخفاف بأي خطاب يطرحه الآخر، من منطق احتكار العقل، وهو ما يجعل من الحوار أمراً صعباً، الأمر الذي يجعل من مهمة تفكيك الخطاب العقلاني في صورته الحالية أمراً ضرورياً، وفي المحصلة إن الأسئلة التي يولدها الحوار داخل الذات، وبين الذات والعالم، هو طوق نجاة نحتاجه اليوم، اليوم، وليس غداً.
حسام ميرو