صدر، في أيلول/ سبتمبر ،2008 كتاب جديد للكاتبة الفرنسية نيكول باشاران، وهو يحمل عنوان السود الأمريكيون، من حقول القطن إلى البيت الأبيض. المؤلفة هي مؤرّخة ومحللة سياسية متخصصة في الشؤون الامريكية، وقد أصدرت العديد من الكتب حول المجتمع الأمريكي، والعلاقات ما بين طرفي الأطلسي، وكثيرا ما تتدخل على أمواج الراديو وشاشات التلفزيون في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. وصل السود الأفارقة إلى أمريكا والسلاسل والقيود في أيديهم وأرجلهم، في مرتبة أدنى من مرتبة البشر، وهم يتعرضون للانتقاء كما تنتقى الحيوانات على أرصفة الموانئ قبل بيعها. أربعة قرون من الاستعباد ومن التمييز العرقي وأشكال العنف والمعاناة التي تلت. منذ فترة قصيرة فقط، حين كان باراك أوباما لا يزال طفلاً صغيراً، اغتيل مارتن لوثر كينغ، وكان السود الأمريكيون لا يزالون يخافون من إعدامات من دون محاكمة. وترى الكاتبة ان تاريخ السود في أمريكا هو من دون شك إحدى مغامرات البشرية الأكثر مأساوية، والأكثر نبلاً.

لم تكن أمريكا أبداً كما كانت تريد أن تكون، أي مجتمعا أبيض خالصاً. فمنذ البداية كانت مجتمعا مختلِطا وخلاسيا ومتعدد الأعراق، على الرغم من محاولة نفيها وجود هنود حمر وسود. لقد سطّر السود، بالفعل، ملحمة حقيقية في أمريكا. وصلوا إلى أمريكا في سفن الأمريكيين الأوائل، ومنذ بداية التاريخ الأمريكي، ناضلوا هم أيضا ضد الطبيعة المعادية من أجل بناء وتأسيس مستعمرات، وفي سبيل بذر البذور الأولى لما سيصبح بعد عقود عديدة الولايات المتحدة الأمريكية.

كما أن السود أسهموا أيضا، وبطريقة جوهرية، في استكشاف وتطوير القارة الجديدة.أزالوا الأشجار وبنوا واشتغلوا في الحقول وفي المصانع والورش، كما أنهم قاوموا القوة الكولونيالية، وشيدوا الثروة والاستقلال الأمريكيين. وأيضا تماهوا مع أفكار ومُثُل الحرية والمساواة للأمة الناشئة. لقد كانوا، منذ البدء، أمريكيين، لكنهم اضطروا للصراع والمعاناة والموت، حتى يتمّ الاعتراف بهم كأمريكيين. لقد كان عليهم أن يهزموا نظام الاسترقاق والتمييز الذي لم يتوقف، والنفاق الإجرامي والعنف اليومي والاعتداءات الجنسية والعار والشنار وأنواع الذلّ والإهانات والتمييز المتهيج والمهووس، مختلف أنواع الاعتداءات التي وإلى حدود أربعين سنة ماضية كان بعض من البيض لا يزالون يحاولون فرضها.

اضطر السّود إلى الكفاح، يوما بعد يوم، سنة بعد أخرى، كي يفرضوا الاعتراف بمواطنتهم. وقد استطاعوا خلق ثقافة أصيلة، هي في آن واحد سوداء وأمريكية، بشكل عميق، ولا يمكن فصلها عن حضارة الولايات المتحدة:تاريخ السود الأمريكيين هو تاريخُ أمريكا. ولكنه أيضا تاريخ ضد أمريكا، وتاريخ من أجل أمريكا وصراع من أجل الحق في التاريخ.

من القرن السابع عشر إلى القرن الواحد والعشرين، من العبد في حقول القطن إلى باراك أوباما، تم وصف السود الأمريكيين بشتى النعوت والأوصاف، من العبيد إلى الملونين إلى الزنوج إلى الأفرو-أمريكيين... كل هذه الأوصاف عكست موقفا وزمنا تاريخيا، كما عكست مسارا طويلا لهؤلاء الذين يسمون الآن، بكل بساطة، أمريكيين.

في ليل المستعمرات

في شهر آب/أغسطس من سنة 1619 وصلت أول مجموعة من العبيد السود إلى أول مستعمرة في أمريكا، تدعى فيرجينيا. كان العدد في حدود عشرين شخصاً. لا يقول المؤرخون كثيراً عن هؤلاء الوافدين الجدد، ولكن الكاتبة تستحضر ما كتبه جون رولف، أول قاض في فرجينيا وزارع تبغ: في نهاية شهر آب/أغسطس باع لنا زورق حربي هولندي عشرين زنجياً. وفي غياب أدلة أخرى، ترى الكاتبة أنه يمكن اعتبارها أول إشارة إلى حضور العبيد في شمال القارة الأمريكية، كما يمكن اعتبارها أصل الاسترقاق في أمريكا الشمالية. من الراجح أيضا أنّ السفينة كانت مَرْكب قرصنة والراجح أن العبيد تم أسرهم من على زورق برتغالي في الأنتيل.

في البداية كان الأمر مختلفا ومثيرا للدهشة. كان البيض القادمون من أوروبا والسود المنحدرون من تجارة العبيد التي كانت تتطور في إفريقيا ثم في الأنتيل، متّحدين في قسوة شروطهم الحياتية، كما كانوا متحدين في الاحتقار الذي كانوا يتعرضون له من قِبَل الملاّكين. كانوا يقاسون جنبا إلى جنب، وكانوا في كثير من الأحيان يرتبطون في علاقات ولّدت أول جيل من الخلاسيين. ولم يكُن الملاّكون، وهم مستعمرون بريطانيون، ينظرون بعين الرضى إلى هذه العلاقات. وخلال بعض العقود، استرجع العبيد حريتهم في نهاية فترة عبوديتهم، وكانوا يستطيعون القيام بعمليات الشراء والبيع والانتخاب والمشاركة في إجراءات قضائية. ولكن هذه الفترة، كما ترى المؤلفة، لم تعمر طويلا: فقد تم وضع تمييز، على الفور، بين السود الأفارقة والخدم المنحدرين من أوروبا، ووحدهم السود وجدوا أنفسهم في نظام عبودية أبدي، ينتقل من جيل إلى جيل.

تجارة خشب الأبنوس، هذه الكلمة الخفيفة التي تعني في واقع الأمر حمولات سفن من البشر. ومنذ القرن الخامس عشر قام البرتغاليون متبوعين بالإسبان والفرنسيين والإنجليز والهولنديين والدانماركيين والسويديين والألمان، باختطاف وشراء العبيد على الضفة الغربية لإفريقيا. ثم يقومون ببيعهم في أوروبا ثم في مستعمرات أمريكا الجنوبية والأنتيل. ولم يكن المستعمرون الأوائل يدققون في أصول الأيدي العاملة.

حاول المستعمرون الأوائل تشغيل السكان الأصليين، أي الهنود الحمر، في مزارعهم، ولكن هؤلاء كانوا على الفور يفرون، مستعينين بمعرفتهم الكبيرة بتضاريس المنطقة، أو كانوا يموتون بالمئات بسبب أمراض انتقلت إليهم عن طريق الأوروبيين ولم يكونوا يعرفونها من قبل. كما أن البيض البؤساء الذين يتم أسرهم في القارة العجوز كان يمكنهم أن يؤدوا هذا الدور، لكنهم كانوا يتبجحون بحماية حكومية وكانوا يختفون بسهولة وسط المستعمرين البيض. وبطبيعة الحال اتجه الاختيار نحو الأفارقة، الذين يستطيعون الصبر والتحمل من الناحية الجسدية أكثر من الهنود الحمر، ويمكن على الفور التعرف إليهم وكشفهم بسبب لون بشرتهم، الذين ليس لديهم أي نزوع للهرب في أرض لا يعرفونها، كما أنهم محرومون من كل حماية في العالم الكولونيالي الذي قرر فضّ بكارة القارة الإفريقية.

توسع الرأسمالية وتمددها في أوروبا في القرن السابع عشر، خلق طبقة واسعة من المستهلكين الجشعين لكل المواد المترفة والباذخة، ومن بينها التبغ والسكر والكاكاو والأرز والقطن والنيل في فترة متأخرة، وهكذا فإنّ الملاّكين المقيمين في مُستعمرات، مدعومين بطلب تجاري، وسعوا من مجالاتهم، وهو ما تطلب إيجاد يدٍ عاملة، ولكن رخيصة. وترى الكاتبة أنه من الصعوبة بمكان تحديد عدد العبيد التي تم اقتلاعهم من قراهم وجرى بيعهم لاحقا على أرصفة ميناء أمريكي. التقديرات الأكثر قبولا للتصديق تحددهم ما بين مليون ونصف وثلاثة ملايين بالنسبة للقرن السابع عشر، وما بين ستة وسبعة ملايين في القرن الثامن عشر.

كان تجار العبيد يتتبعون طريقا ثلاثية: من أوروبا إلى إفريقيا ومن إفريقيا إلى أمريكا قبل أن يعودوا إلى أوروبا. وكان الأوروبيون يرتاحون للاعتقاد بأن إفريقيا المستسلمة للطموحات الكولونيالية تعيش في حالة من البربرية البدائية. وكان تجار العبيد قد أرسوا مكاتبهم على طول شواطئ تمتد على آلاف من الكيلومترات، تمتد من مصب نهر السينغال إلى الحدود البحرية لما يسمّى اليوم بأنغولا.

تجار العبيد الذين كانوا يرتادون شواطئ إفريقيا لم يكونوا يطرحون على أنفسهم أسئلة ذات نظام اجتماعي، ولا حتى ذات بعد إنساني. كانوا يَصِلون في سفن مملوءة بالمواد والبضائع الأوروبية بنادق ومشروبات روحية وجواهر وقماش وكانوا يحرصون على التعاون والتنسيق مع زعماء القبائل المحلية. وكان هؤلاء بعد ساعات من التفاوض يتكفلون بإلقاء القبض على عدد كاف من الأسرى.

ترى الكاتبة أن العبودية كانت مسألة معروفة في إفريقيا، وكان السجناء، ضحايا الحروب القبلية، يجدون أنفسهم في موضع العبيد.وما لا يعرفه الكثيرون هو أنه كانت تنشأ حروب قاتلة بين قبيلتين حين تقوم قبيلة ما ببيع عبد من قبيلة أخرى. وكان التجار الأوروبيون يقومون باختيار وفحص العبيد، من الرجال والنساء والأطفال، على طريقة اختيار الماشية، حسب القامة والسن والقوة الجسدية، وكان يتم تكديسهم، في معظم الأحيان، في السفن المتجهة إلى أمريكا، وكان أصحاب السفن يعتبرون أن الخسائر(الموتى) خلال السفر كانت تعوضُ، بشكل كبير، من قبل اكتظاظ الحمولة.

كانت رحلة العبور ما بين إفريقيا وأمريكا تتراوح ما بين ستة إلى عشرة أسابيع. ولا توجد إحصاءات تكشف هذه الأسفار، وأجواء الجنون التي تسود هذه السفن المتجهة نحو العالم الجديد. بعض العبيد الذين نجحوا في الهرب، فضلوا الغرق على العبودية، والبعض منهم دخل في حالة من الجنون.

لا شيء كان يخيف أصحاب المراكب الغاصة بالعبيد سوى انتفاضات وتمردات العبيد على متن هذه السفن، ولكنهم كانوا يدفعون ثمن تأمين التمرد. ولكن في المحصلة النهائية، لا شيء يستحق القلق. فالتجارة(تجارة العبيد) مزدهرة في المستعمرات، والأرباح كبيرة جدا.معاناة العبيد لم تكن تنتهي مع وصولهم إلى الشاطئ الأمريكي، بل كانت ثمة مِحَنٌ لا تضاهيها قسوة، ومن بينها البيع بالمزاد العلني، فقد كانوا عراة ويخضعون لكل أنواع الفحوص الجسدية المهينة، وفي نهاية المطاف يعودون لمن يدفع أكثر. بعد ذلك تتم عملية غسل دماغهم ويبدأون في تعلم اللغة الإنجليزية، وأداء الطقوس المسيحية في كنائس متواضعة جدا، ولم يعودوا بعدها أبدا إلى إفريقيا.

كانت أغلبية العبيد توجد في مستعمرات الجنوب، حيث الاقتصاد يرتكز على الزراعات التصديرية التي تتطلب يداً عاملة غزيرة. فرجينيا، أول منتج للتبغ، كارولينا الجنوبية أول منتج للأرز، ثم انطلاقا من النصف الثاني من القرن الثامن عشر، كما أن جورجيا وهي أيضا منتج كبير للأرز، كانت تعج بالعبيد. في كارولينا الشمالية وفي الميريلاند كانت المزارع صغيرة وكانت تحتوي عددا أقل من العبيد. وما يجب أن يعرفه المرء هو أن العبيد لم يكونوا يكتفون فقط بالعمل في المزارع والحقول، بل كانوا يمارسون مختلف أنواع الأنشطة الحِرَفية والصناعية، ولكن العبيد الأفارقة لم يقبلوا الاستعباد من دون مقاومة. فالذين قاوموا بشراسة اعتقالهم وأسرهم لم يخضعوا لأسيادهم، بقدرة قادر، لدى وُصولهم إلى أمريكا، إذْ إنّ أول محاولة للتمرد تم اكتشافها في فيرجينا سنة ،1663 وتوالت التمردات والثورات دونما انقطاع، وكان المزارعون البيض يعيشون في رهاب حقيقي من التمردات الدامية، التي كانت تهزّ بشكل مستمر مستعمرات الأنتيل. وكلما كان عدد السود مرتفعا كلما ازداد هلعُ البيض. وامتازت ولاية فيرجينيا بكونها أولى الولايات الأمريكية التي أنشأت قانونا حول العبيد، وهو مستوحى من قواعد كانت تطبق في الكاريبي، والذي استخدم نموذجا في باقي المستعمرات. ولم يكن من حق العبيد مغادرة المزارع من دون إذْن مكتوب من أسيادهم. وإلا فإنهم كانوا سيتعرضون للجلد والتعليق على الأعمدة وبتر الأعضاء، وفي الحالات القصوى كانوا يتعرضون للشنق. وتورد الكاتبة أن القانون كان صارما في كارولينا الجنوبية والسبب هو كون العبيد يشكلون أغلبية مقارنةً مع البيض (سنة ،1732 كان عدد السود يصل إلى 32000 شخص مقابل 14 ألفا من البيض).

كان المستوطنون الأمريكيون يعارضون دائما تسليح السود، خوفا من تغذية العصيان بين العبيد، على الرغم من أن السود شاركوا في الحرب ضد الفرنسيين والهنود الحمر. وفي سنة 1770 أثناء مجزرة بوسطن الشهيرة، أصبح العبد الهارب كريسبوس أتوكس أول شهيد للاستقلال من خلال قيادته هجوما ضد الجنود البريطانيين، وفي سنة 1775 كان متطوعون من السود يحاربون في ليكسينغتون وكونكورد وبونكر هيل. ولكن الأمر كان بين أخذ وردّ. فها هو جورج واشنطن، حين أخذ زمام إدارة الجيوش الأمريكية (الجيوش التي حاربت بريطانيا في يوليو من سنة 1775) قرر تسريح كل السود، أحرارا كانوا أم عبيدا. في حين أن لورد دونمور، في المعسكر المقابل، وهو حاكم فيرجينيا الموالي للتاج البريطاني انتهز هذه الحادثة لِيَعِد كل العبيد الذين يمكنهم الالتحاق بالقوات البريطانية بالحرية. وبالفعل انتهز هذه المناسبة العديدُ من العبيد.

الحرب قلبت كل التحالفات والموازين. كما أنها قلبت أحوال المزارع والحقول، إذ إن العديد من العبيد أقدموا على الهرب. سواء كانت تنابهم النية في الالتحاق بالقوات البريطانية أم لا. حينها التجأت مستوطنات البيض الأمريكيين إلى تجنيد قسري للجنود الملونين، باستثناء دول جورجيا وكارولينيا الجنوبية، وفي نهاية حرب الاستقلال كان عدد الجنود من الأصول الإفريقية في الجيش البريطاني عدة آلاف وسط هياج كبير من قبل الأمريكيين الذين يشاهدون عاجزين هروب عبيدهم القدامى.وحين انعقد المجلس التأسيسي للدستور الأمريكي في فيلاديليفيا سنة ،1787 عبر الكثير من النواب، ومن بينهم جورج واشنطن وتوماس جيفيرسون، عن رغبتهم في إلغاء الرقّ.إلا ان مسارا عسيرا، ومقاومات عديدة حالت دون الإلغاء الفوري للرقّ والعبودية، ولكن مسيرة التاريخ كانت عنيدة ولا يمكن الوقوف في وجهها، وإن كان من الممكن تأخيرها فقط.وتصف لنا المؤلفة مسار العبيد، على الأشواك، نحو الحرية فتكتب:

في الحقيقة حصل آلاف من العبيد على حريتهم خلال حرب الاستقلال، الكثير منهم هربوا، والعديد منهم تم تحريرهم تعويضا لهم على مشاركتهم في المعارك. أما في الجنوب فقد كانت عائدات الأرز تنخفض شيئا فشيئا، كما أن الأراضي كانت منهكة، والسوق وصلت إلى حد الإشباع. أمّا في الشمال فقد غازلت الأفكار والمُثُل الجمهورية العديد من الملاك العقاريين فقرروا تحرير عبيدهم. وقد تكاثرت المجتمعات التي قررت إلغاء العبودية. ومن سنة ،1777 قررت ولاية فيرمونت إلغاء الرق، وفي السنوات التي تلتها قامت ولايتا انجلترا الجديدة والوسط بإجراءات تدريجية لإلغاء الرقّ. في حين قامت العديد من الجماعات الدينية بتعليم السود القراءة والكتابة وأيضا منحهم تربية دينية.

بدايات المجتمع الاسود الحر

أثناء إحصاءات سنة ،1790 تم إحصاء 59000 أسود من الأحرار ، من بينهم 32000 في الجنوب وفي سنة 1860 كانوا في حدود 319000 ومن بينهم 54 في المائة في مناطق الجنوب والغرب. وأثناء حرب الاستقلال قام العديد من الملاك الاقطاعيين الجنوبيين بتحرير عبيدهم. كما أن البعض منهم قاموا بتحرير الأبناء الخلاسيين الذين أنجبوهم مع العبيد السود. لم تكن أمريكا السوداء الحرة تقتصر على امتداد المدارس والكنائس. فانطلاقا من المجتمع الإفريقي الحر Free African Society رأت النور العديد من المنظمات والجمعيات. وقد أرست المحافل الماسونية بالإضافة إلى مجتمعات الإغاثة الصحية وأيضا شركات التأمين قاعدة بنية تحتية اقتصادية. وخلال القرن التاسع عشر كانت تنعقد، وفق إيقاعات متصاعدة، مؤتمرات ومعاهدات، ولكن الأمر كان يخصّ فقط السود الأحرار في الشمال. لأن المنظمات السوداء، في الجنوب، كانت ممنوعة من حق التجمع كما كانت تخضع لرقابة شديدة. مملكة القطن كانت تنغلق على نفسها، كي تواصل فرض قانونها.

مملكة القطن

كان الجنوبيون يستحضرون الكتاب المقدس لمعاملة السود معاملة دونية. وكانوا بالتحديد، يستحضرون شخص الابن حام الذي رأى عورة أبيه نوح. فقال أبوه: ليكن عبدَ عبيد إخوته. وإذاً كان من المفروض على أحفاد حام أن يكونوا عبيدا.

كان الملك القطن يطالب بزيادة العبيد على الرغم من أنه تم منع استيراد خشب الأبنوس سنة .1808 وهذا المنع لم تستوجبه أسباب أخلاقية بل للاستجابة لخشية البيض من رؤية انفجار أغلبية من العبيد القادمين للتوّ من إفريقيا غير منضبطين. أو أسوأ من ذلك العبيد الذين يحملون الأفكار الثورية التي فجرت الأوضاع في جزر الأنتيل الفرنسية. ولكن الأرباح كانت كبيرة إلى درجة أن الاستيراد السري من العبيد تَضَاعَف. لم يكن هذا الاستيراد يكفي للسوق الداخلية، فاضطر السوق الداخلي إلى الاستعانة بطريقة رسمية أو غير رسمية، بمربّي العبيد. في سنة 1790 كان الجنوب يضم 700 ألف عبد، وفي سنة 1830 كانوا في حدود مليونين، ووصل الرقم إلى أربعة ملايين عشية حرب الانفصال.

في مزارع القطن

المزرعة التي منحتها التقاليد والأدب الجنوبي(جنوب الولايات المتحدة الأمريكية) لم تكن تمثل الشكل الأكثر انتشارا للاستثمار الزراعي ولا نمط العيش المُوحد للعبيد والملكيات الزراعية في الجنوب. إن غالبية البيض في الجنوب لم تكن تمتلك عبدا، ومن بين المزارعين كان ما يقارب 90 في المائة منهم يمتلكون أقل من عشرين عبدا. ولكن المزارع الكبرى التي كان يعيش ويشتغل فيها أربعمائة من العبيد، كانت تهيمن، بشكل كامل، على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في جنوب الولايات المتحدة الأمريكية.

كان العبيد يشتغلون في القطن والتبغ والأرز والسكر والنيلج والذرة. في الحقول الصغيرة كانوا يشتغلون جنبا إلى جنب مع صاحب الحقل، لكن في المزارع الكبيرة كان رؤساء العمال والسائقون(وهم من العبيد المكلفين بتحديد ساعات التوجه إلى الحقول)، وكانوا مكروهين هم أيضا، يُجمّعون العبيد في مجموعات ويوزعون الأشغال والمهمات ويمارسون عليهم حراسة شديدة.وعلى الرغم من قناعة البيض بدونية العبيد الجوهرية وبعجزهم عن التقدم إلى ما هو أبعد من وضعيتهم كعبيد، فإن المُلاك لم يكونوا يتورعون في تعليمهم مِهَناً ضرورية لازدهار الجنوب. وإلى جانب هؤلاء العبيد الذين يشتغلون في الحقول، كان ثمة نوع آخر من العبيد الذين يشتغلون في المدن، ويقصد بهم العبيد الصنّاع، وخصوصا من النجارين والبنائين والميكانيكيين، كما كانت النساء يشتغلن في الخياطة والتطريز والنسج.أحيانا كان هؤلاء يصبغون على أعمالهم أبعادا فنية تذكّر بموهبة صناع الخزف والنحاتين وصناع النسيج الأفارقة. كانوا يتمتعون ببعض الحظوة مقارنةً مع عمال المزارع، وكانوا يقتربون من رأس الهرم في العبودية، ونعني بهم الخادمات اللواتي يقتسمن الحياة الحميمية مع الأسياد، في المنزل الكبير، ولكن الحياة في هذا المنزل الكبير لم تكن دائما سهلة. والعديد من محاولات الهرب أو العصيان أجهضتها خادمة وفية لعائلتها البيضاء أكثر مما كانت من فعل عبيد آخرين، كما أن كثيرا من الأسياد كانوا ضحايا لتسميم أو خنجر استخدمه أسود جيد كان دائما وفيا وراضيا بمصيره.

تعلق الكاتبة على هذه الحياة المشوبة بالنفاق وتكتب: كان نفاق البيض يحاول إخفاء العنف الحاضر دوماً، وهو ضمان استمرارية مجتمع يفترض أنه مجتمع نعمة وأناقة. بينما كان نفاق السود يروم بقاءهم على قيد الحياة والنجاة من تعذيب الأسياد. وقد تعرض العبيد بالفعل في الفترة التي سبقت حرب الانفصال، في الجنوب إلى معاملات فظيعة، وأصبح الجنوب منطقة الإعدامات من دون محاكمة، بامتياز، والطريف أن هذه الإعدامات كانت تطال في آن واحد البيض المتهمين بالتشكيك في مؤسسة العبودية كما تطال العبيد أنفسهم.

أربعة قرون من كل أنواع التعذيب والقتل، ومن الاغتصاب والإعدام من دون محاكمة، وبشكل خاص النساء السوداوات، اللواتي كن يُعتَبَرْن مومسات أو ممرضات. كما أن مفهوم اغتصاب امرأة سوداء لم يكن موجودا. والأبناء المترتّبون عن هذه العلاقات كانوا يعاملون كعبيد شأنهم شأن أمهاتهم. لكن أحيانا يُقرر السيد منحهم الحرية، ولكن الظرف الاجتماعي والقانوني، في القرن التاسع عشر كان يجعل إجراءات الاعتاق هذه أكثر صعوبة. سنة 1860 كان عدد الخلاسيين يُقدر ب 411 ألفاً من بين 3900000 من العبيد. لكن مفهوم ومعنى خلاسي، في نظر الكاتبة، كان يشوبُه الغموض. وبحكم كون القانون(العنصري) مُرغمًا على تعريف الزنجي، فإنه كان يُدرج في هذه الطبقة كل شخص يتوفر على ثُمُن من الدم الأسود، على الأقل.

كان التعليم كله في هذه الفترة يذهب في اتجاه إقناع السود بدونيتهم كبشر وبضعفهم. وكان باستطاعة الطفل الأبيض جلد رجل أسود بالغ من دون عقاب. كما أن عبدا أبا لعائلة لا يمكنه الدفاع عن زوجته وأبنائه. وقد كان لهذه السياسة نتائج كارثية، كما رأى أحد المؤرخين الأمريكيين وهو دانييل موينهان، سنة ،1965 تتجلى في إضعاف الروابط العائلية في المجتمعات السوداء وغياب الأب وسيادة السلطة الأمومية.