قال علماء إن هرمون الضغط النفسي كورتيزول (cortisol) هو الذي يرجح طبيعة الإنسان نحو الشجاعة أو الجبن.
وقال الباحث دين أيكنز أستاذ الطب النفسي في جامعة ييل الأمريكية إن هذه النظرية ربما تلقي الضوء على موقف وتصرّفات ربّان الطائرة الأمريكي تشلسي شيلنبيرغر، الذي تجنّب كارثة جوية محققة في يناير/كانون الثاني الماضي عندما هبط بطائرته فوق نهر هدسون في نيويورك من دون أن يصاب أيّ من ركابه بأذى.
قال أيكنز إن هناك أشخاصاً عندما يواجهون ضغوطاً نفسية شديدة جداً، تعمل هرموناتهم بشكل فريد، لافتاً إلى أن نشاط هذه الهرمونات لا يصل إلى مستوى الذروة ذاته عند جميع الناس، فنحن مثلاً على استعداد للصراخ عندما نكون جالسين في مقاعدنا ولكن هناك أشخاص لا يواجهون ضغوطاً نفسية ويبقون هادئين.
وبيّنت الدراسة أن بعض الجنود الذين وضعوا في ظروف تحاكي ظروف المعارك التي يتخللها خطر شديد كانوا هادئين، ولم يعمل هرمون كورتيزول عندهم بشكل قوي جداً، كما هي الحال بالنسبة إلى نظرائهم الذين شعروا بالرهبة والخوف.
وقال أيكنز في الدراسة التي قدمها إلى المؤتمر السنوي لجمعية تقدّم العلوم إن البعض يولدون أبطالاً، مشيراً إلى أن ثمة من يكون أكثر هدوءاً من غيره في الظروف الخطرة والتي يتعرضون فيها لخطر شديد، لكنه استدرك بالقول لكننا بالطبع لا نريد من الناس المشي في ساحة المعركة.
وأضاف أن الجيوش تعتبر أن الجندي المثالي هو الذي لا يخاف ولكننا بحاجة لأن نشعر بالخوف كي نبقى أحياء ومعرفة ما إذا كنا في ظروف خطرة أو لا.
يذكر أن دراسات سابقة بينت أن المستويات العالية من الكورتيزول تساعدنا على إزاحة المشاعر والذكريات المؤلمة مما يجعلنا أكثر قدرة على التعامل مع المواقف المجهدة بشكل فعال.
وقام الباحثون بقيادة البروفيسور دومينيك دي كويرفين من جامعة زيوريخ بدراسة ما إذا كانت الزيادة الصناعية لمستويات الكورتيزول تساعد مرضى الرهاب على التغلب على الخوف المسبب للشلل الذي يشعرون به عند مواجهة مصادر قلقهم.
وقد أُجري الاختبار على 40 مصاباً برهاب المجتمع (social phobia) و20 مصاباً بالخوف من العناكب (spiders). حيث أعطي الكورتيزول لنصف هؤلاء، ثم وبعد ساعة أُرغم المتطوعون على إلقاء عرض تقديمي والخضوع لامتحان مرتجل في الرياضيات، أو أُجبروا على مشاهدة صورة لعنكبوت ضخم.
وعلى مقياس من 0 - 10 أبدى المشاركون الذين تناولوا الكورتيزول خوفاً أقل وبشكل معتد (significantly) من هؤلاء الذين تناولوا البلاسيبو (placebo).
وقد نشرت نتائج هذه الدراسة في مجلة محاضر الاكاديمية الوطنية للعلوم.
واشار دي كويرفين إلى أن الخطوة التالية ستكون إعادة الدراسة على عدد أكبر من الناس وربطها بالتقنيات السلوكية (behavioural techniques).
ولايعلم أخصائيو علم النفس الأسباب الدقيقة للرهاب الحاد. ومن المحتمل أن الرهابيين يملكون مستويات اعتيادية منخفضة من الكورتيزول مما يعني أنهم في المرة الأولى التي يواجهون فيها عنكبوتاً أو يضطرون للوقوف أمام حشد يعانون من فزع شديد يهيمن بعد ذلك على عقولهم. وإذا كانت دفاعات الكورتيزول الاعتيادية ضعيفة فقد يعيق ذلك تشكيل رد الفعل غير الهلعي (non-panicked reaction) عند التعرض التالي.
وعادة تعالج حالات الرهاب الشديد معالجة سلوكية (behavioural therapy) حيث يتعلم المرضى تدريجياً كيفية تقبل مخاوفهم.
فقد يبدأ المصاب برهاب العناكب (arachnophobe)، على سبيل المثال، بالنظر إلى صور للعناكب قبل أن ينتقل إلى النظر والتعامل مع العناكب الحقيقية.
ويمكن للكورتيزول أن يساعد الرهابيين على التغلب على خوفهم الأولي عندما يبدأون مثل هذه المعالجة وأن يزيد نسبة المرضى الذين يتابعون العلاج.
ويقول دي كويرفين يمكن لهؤلاء أن يتعلموا بشكل أسرع لأن المنبه ليس مخيفاً جداً.
ويملك الكورتيزول مجالاً واسعاً من التأثيرات في الدماغ وفي الجسم، وهو يستخدم في علاج بعض الحالات المزمنة مثل التهابات المفاصل (arthritis).
اما التأثيرات الجانبية الناتجة عن الاستعمال اليومي للكورتيزول فتشمل تغيرات في الاستقلاب (metabolism) وضغط الدم (blood pressure) واحتمال الإصابة بالسكري (diabetes). كما توجد مخاوف من تأثير التعرض الزائد للكورتيزول في الذاكرة المديدة (long-term memory).
ويأمل دي كويرفين أن تكون جرعة الكورتيزول اللازمة لوضع المريض على طريق هزم الرهاب صغيرة وغير مكررة، دفعة لبداية المعالجة وليس علاجاً طويل الأمد. ويقول: لن تكون حبة يومياً أبداً، ولكن يمكن أن تستخدم بالمشاركة مع المعالجة السلوكية.