أثارت النتيجة التي حققها حزب أفيغدور ليبرمان
العنصري في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، تأملات البعض
في ما وصل إليه المستوى الأخلاقي للكيان الصهيوني، وخصوصاً ما يتعلق بموقفه من عرب فلسطين، المقيمين داخل ذلك الكيان.
وعلى الرغم من أن هذه التأملات، والمخاوف، تنطلق أحياناً من الحرص على صورة إسرائيل، وكأنها دولة قامت على الحق، لا على المذابح والتنكيل والتشريد، وكأن لها آباء مؤسسين كان يشغل بالهم، النقاء الأخلاقي لهذا الكيان، إلا أنها تكشف حقيقة ما يصبو إليه زعماء إسرائيل، وهو الحفاظ على دولة يهودية خالصة.. أي خالية من العرب بمعنى أدق، الأمر الذي يتجلى في طروحات حزب إسرائيل بيتنا، بزعامة أفيغدور ليبرمان، وغيره من الأحزاب الأخرى، بدرجات متفاوتة من الوضوح والفجاجة.
ضمن هذا الاطار، كان المقال الذي كتبه ريتشارد كوهين، في صحيفة واشنطن بوست (24/2/2009)، والذي استهله باقتباس من مذكرات أول رئيس ل إسرائيل، حاييم وايزمان، الذي كتب يوم 30 نوفمبر/ تشرين الثاني ،1947 محذراً زعماء إسرائيل، الحاليين،حيث يقول: إني على ثقة من أن العالم سوف يحكم على إسرائيل، بما ستفعله مع العرب، والمقصود، بطبيعة الحال، العرب الذي يعيشون فيها.
ويتحدث الكاتب عما يسميه، تنبؤ وايزمان بمسار إسرائيل، الحالي، وما تخططه للمواطنين الفلسطينيين فيها، البالغ عددهم 1،5 مليون نسمة، ويقتبس تحذير وايزمان، الذي قال في مذكراته يجب ألا يكون هنالك قانون لليهود وآخر للعرب.
ويتابع الكاتب قائلا: ان تحذير وايزمان قد لا يكون معروفاً لدى أفيغدور ليبرمان، المهاجر من الجمهورية السوفييتية السابقة، مولدوفا، والذي أصبح الآن أهم الزعماء السياسيين في إسرائيل، حيث جاء حزبه إسرائيل بيتنا، في المرتبة الثالثة في الانتخابات الأخيرة، ما يجعل من شبه المؤكد أن يكون جزءاً من الحكومة، وهو الديماغوجي المعادي للعرب، كما يقول الكاتب.
والعرب الذين يحقد عليهم ليبرمان، ليسوا أعداء إسرائيل، التقليديين سواء في غزة أو في الضفة الغربية، أو أي مكان آخر في الشرق الأوسط، بل هم عرب إسرائيل، الذين يشكلون نحو 20% من عدد سكانها، وهو يريد أن يقايضهم بمستوطنين يهود يعيشون الآن
بصورة استفزازية في الضفة الغربية المحتلة.
ويقول الكاتب إن قضية عرب إسرائيل، معقدة، فهم ليسوا يهوداً، ومع ذلك يطلب منهم الولاء لدولة يهودية، وهم عرب، ومع ذلك، يطلب منهم ان يقفوا على الحياد بينما يتم سحق إخوانهم
العرب بالمدافع الاسرائيلية، كما حدث في غزة.
ويختم الكاتب مقاله بالقول، ان خطاب ليبرمان قد أثار بعض القلق في أوساط المجتمع اليهودي الأمريكي،
ولكن معظم زعمائهم، لاذوا بالصمت كالعادة.
ويضيف، ان بوسع اسرائيل ان تقايض أرضاً بسلام، لا عرباً بيهود، لأن ذلك، لن يلحق الضرر بالعرب وحسب، بل وبالقيم الاسرائيلية.
وقد تطرق فريد زكريا، في مجلة نيوزويك (15/2/2009)، الى آراء أفيغدور ليبرمان، وموقفه من فلسطينيي ،1948 ويقول زكريا، إن ليبرمان صار يحظى الآن باهتمام كبير في إسرائيل، وكذلك المسائل التي يركز عليها، سواء اشتملت عليه الحكومة الجديدة أم لم تشتمل، وعلى الرغم من ادانته الشديدة لمقاتلي حماس، وحزب الله، إلا أن هدفه الأول هو الاقلية العربية في إسرائيل، التي وصفها بأنها خطر اسوأ من خطر حماس، وقد اقترح طرد مئات الألوف من المواطنين العرب، عن طريق قيام إسرائيل، الشمالية واعتبارها أجزاء من الضفة الغربية، وهدد فئة اخرى منهم بتجريدها من الجنسية الاسرائيلية اذا لم تف بمتطلبات مثل أداء قسم الولاء، أو الخدمة الالزامية في الجيش، ويضيف زكريا قائلا: اني لا اعرف أي دولة ليبرالية ديمقراطية منذ الحرب العالمية الثانية، جردت مواطنيها من جنسيهم أو طردتهم.
ويقول زكريا، إن عرب إسرائيل، يواجهون التمييز ضدهم في العديد من مناحي الحياة، بما في ذلك حرمانهم من حق الانتقال الى مناطق اخرى داخل الدولة، وامتلاك الأراضي، والتعليم والتوظيف، ويستشهد بقول قاضي المحكمة العليا المتقاعد، تيودور أور، ضمن تحقيق رسمي في الانتفاضة الثانية، أن عدم المساواة هذا موثق في عدد
ضخم من الاستطلاعات والدراسات الرصينة...
في صحيفة الجادريان (17/2/2009) كتبت دافنا بارعام، تحت عنوان لقد حان الوقت لاعادة النظر في الصهيونية، إن نتائج الانتخابات الاسرائيلية أظهرت على السطح، الثمار العفنة للجدال الذي ظل دائراً منذ تأسيس الدولة: وهو الفكرة التي تقول إن وجود دولة يهودية خالصة أمر ممكن وشرعي ومرغوب فيه،
وبكلمات أخرى، عمقت نتائج الانتخابات، مأزق العواقب الاخلاقية والعملية للايديولوجيا الصهيونية التي تقوم عليها الدولة.
وتمضي الكاتبة إلى القول إن إسرائيل، أثناء الحرب التي أسفرت عن وجودها، طردت 750 ألف فلسطيني، كما أن 250 ألفاً آخرين تم طردهم أثناء حرب ،1967 ومنذ ذلك الوقت وما تلاه، اتسم الانقسام الى يسار ويمين بالرغبة في التوسع الاقليمي، بدعم من اليمين، وطموحه الى النقاء العرقي، وتنفيذ من اليسار الصهيوني.
وقد كان اليسار على الدوام هو الذي يدفع باتجاه تقسيم الأرض، والفصل بين اليهود والعرب من أجل تأمين أغلبية يهودية كبيرة داخل إسرائيل، وبدا اليمين، مع مرور الزمن، غير معني على الاجمال بنتائج وجود عدد كبير من الفلسطينيين يعيشون تحت الاحتلال الاسرائيلي، ما داموا لا يتمتعون بحقوق المواطنة أو غيرها من الحقوق المدنية، وكان لحزب العمل يد في التوسع الاقليمي وفي زيادة عدد العرب، في آن واحد، فقد وافق على التقسيم سنة ،1947 معتبراً إياه فرصة للحصول على أكبر قدر ممكن من الأراضي الخالية من العرب، ومدركاً لفرصة تطهيرها من معظم العرب خلال الحرب التالية، ولكن حزب العمل ذاته، هو المسؤول عن انتصار إسرائيل، في حرب ،1967 التي أدت إلى توسع اقليمي كبير، والى انضواء ملايين الفلسطينيين في المناطق المحتلة في الوقت ذاته، تحت حكم إسرائيل.
وظل ضم المناطق المحتلة، في الضفة الغربية وقطاع غزة، أمراً غير وارد بالنسبة الى حزب العمل واتباعه في اليسار الاسرائيلي لأن ذلك سينطوي على منح الجنسية للفلسطينيين الذين يعيشون فيها، ومن ثم التنازل عن فكرة الغالبية اليهودية في إسرائيل، وكانت فكرة الضم تراود اليمين الاسرائيلي ولكنه كان يقلع عنها بسبب المأزق ذاته، وكان الحل المؤقت هو الاستمرار في بناء المستوطنات في الضفة الغربية وغزة المحتلتين، ومواصلة الأمل باختفاء الفلسطينيين بمعجزة ما، أو اغراق البلاد بفيض من المواطنين اليهود، لحفظ التوازن بصورة حاسمة.
من هنا نشأ التفكير بحل الدولتين، أو حل الدولة الواحدة.. ولكن فكرة الدولة الواحدة تحولت إلى خطر يتهدد أحلام جميع الصهاينة.
وغدت عبارة الخطر الديموغرافي جزءاً شرعياً من الخطاب الذي ينادي بفكرة حل الدولتين. وهكذا، تحولت فكرة حل الدولتين، التي بدأت دعماً من اليسار لحق الفلسطينيين في تقرير المصير، الى أداة لنشر التمييز العنصري.
ومن هذا المنطلق، كان سهلاً على أي شخص ينتمي إلى اليمين، من آرييل شارون الى تسيبي ليفني وبنيامين نتنياهو، ان يتبناها، وعلى جورج بوش ان ينادي بها.
وتقول الكاتبة ان المواطنين العرب في إسرائيل، يجسدون استحالة وعقم محاولة تحقيق النقاء العرقي للدولة. وقد ادى تصاعد العنصرية داخل إسرائيل الى تحويلهم إلى قنبلة موقوتة تسمى الخطر الديموغرافي،.. وكان فوز أفيغدور ليبرمان، تتويجاً لكل ذلك.
.. فإذا كان امتلاك دولة يهودية خالصة هو الهدف الأسمى، فإن التخلص من المواطنين غير اليهود هو السبيل المنطقي الوحيد لتحقيق ذلك.. دون حديث عن الترانسفير، بل بطرح شعارات مثل لا مواطنة من دون ولاء.
وتقول الكاتبة في نهاية مقالها، ان الوقت قد حان للاعتراف بأن الأحادية العرقية، لا يمكن ان تكون إطاراً للقيم الليبرالية. كما ان الوقت قد حان للاعتذار لعضو الكنيست، عزمي بشارة، الذي يصفه الليبراليون الإسرائيليون بأنه قومي عربي، بسبب مطالبته بدولة لجميع مواطنيها. كما ان الوقت قد حان لإعادة النظر في الصهيونية.