في أواخر الأسبوع الماضي انعقد في دارة الدكتور سلطان بن محمد القاسمي في الشارقة مؤتمر علمي دولي حول موضوع الخليج في الأزمنة الحديثة الشعوب والموانئ والتاريخ) برعاية من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وبتنظيم مشترك بين الجامعة الأمريكية في الشارقة ومشروع الخليج 2000 في مركز الشرق الأوسط في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية، ولمدة ثلاثة أيام وبمحاور غاية في الاهتمام:
1- كتابة تاريخ الخليج: وتضمن المحور موضوعات: شبه الجزيرة العربية في الأزمنة الحديثة: مسح تاريخي جغرافي، حصاد التاريخ.
2- المدن الثغور/ الموانئ: وتضمن المحور الثغور الخليجية كمدن، المنظور التاريخي للساحل كثقافة وهجرات ومجتمع متعدد.
3- شعوب الخليج: وتضمن المحور: الإماراتيون/ الأفارقة، المجتمعات الإفريقية الإيرانية، التجار الهنود في الخليج، الفرس في البحرين، هوية الخليج - من هم الخليجيون؟
شهد المؤتمر مشاركة واسعة لمتخصصين أكاديميين وباحثين من جامعات: طهران، كاليفورنيا، بيركلي، مسقط، ديوك، اكستير، البحرين، لندن، قطر، برلين، الشارقة الأمريكية، مركز الوثائق أبوظبي، الدراسات الفارسية في شيراز، جورج تاون، بنسلفانيا، هيئة أبوظبي للثقافة، كلية التقنية العليا بنات في دبي، دويلاوير، بروك، العين، فرانكفورت، ميلانو، الكويت، نيومكسيكو والرياض - مما يسبغ على هذا الملتقى العلمي قيمة كبرى، ويؤكد حرص المنظمين على أن يكون مؤتمرهم جامعاً متنوعاً متعدد التوجهات حتى تكتمل صورة ومرئيات الخليج في الأزمنة المعاصرة.
ولهذه التعددية، ولأهمية الملتقى، بل ومشروع الخليج 2000 الذي تتبناه جامعة كولومبيا العريقة، فاجأ صاحب السمو حاكم الشارقة في الجلسة الافتتاحية الحضور بحديث عفو الخاطر عن الخليج، تشكله وصراعاته وقضاياه ومسمياته، بل طرح تسميته التي أشار إليها في مؤلفه صراع القوى والتجارة في الخليج، إذ سماه في الكتاب الخليج الأخضر.
بيد أن اللافت هو حديث سموه حول آفاق دارة الدكتور سلطان القاسمي للدراسات الخليجية، حيث أوضح أن جهود سموه تتجه الى توفير مصادر ومراجع من الكتب القديمة بلغات مختلفة، وخرائط جغرافية وتاريخية، ووثائق ومخطوطات بلغات عدة مهمة للمنطقة وتاريخها، كالبرتغالية والهولندية والهندية والألمانية والإنجليزية والفرنسية والروسية والإسبانية والتركية والعربية، كما يوفرها كلها مترجمة باللغة الإنجليزية وكذلك العربية، على أن توضع لخدمة الباحثين ورقياً وإلكترونياً - وهو ما يُنجز حالياً، وبحيث تصبح الدارة واحدة من أميز المراكز عالمياً للدراسات الخليجية. إن مثل هذا الإعداد العلمي للدارة يضعها، في زمان أحوج ما نكون فيه لمثلها، في مصاف المراكز البحثية العالمية في العالم الأول، الذي نلجأ إليه لدراسة تاريخنا.
يقول سموه إنه سيضع في الدارة ما نبحث عنه عند غيرنا، حتى يضمن أن أهل البحوث والعلوم الجغرافية التاريخية من أبناء وبنات المنطقة يمكن أن يتوفروا على أبحاث وموضوعات وأطروحات حول تاريخ المنطقة، بل يذهب الى ما هو أبعد من هذا: أن نكتب تاريخ المنطقة ممحصين للمراجع والمصادر، محللين للوثائق، محققين لها، متطلعين الى نظرة علمية فاحصة لما كُتب ويُكتب يومياً من طرف أكاديميين لا يمتلكون المعلومات الكافية عن المنطقة، فنقع في سوء الظن والمنظور الخاطئ ونظرية المؤامرة فنتحمل أوزارهم.
دارة الدكتور القاسمي ستغدو، بإذن الله، منارة للعلوم والبحث الأكاديمي عما قريب، وهذا ما يذهب إليه صاحب السمو حاكم الشارقة، وهو يخطط للبحث العلمي في الإمارة، إذ بدأ في الجامعتين الأمريكية والشارقة بوضع لبنات لمراكز البحث العلمي والأكاديمي في ميادين شتى. ونخال أن التاريخ الخاص بالخليج، بل بالإمارات، من الأهمية بحيث أفسح له سموه كبير مجال وبادر بنفسه إلى وضع مؤلفاته حوله، أملاً في الوصول الى الصورة السوية للعربي المسلم في هذا الحيز الشرقي للثقافة العربية الإسلامية.. وهكذا نمضي الى غدٍ أتٍ أكثر عافية، ونأمل في كتابة تاريخنا بما يليق به وبنا. وهذا درب تتأكد به الذات وتملك معنى هويتها. والأمر جدير بفرح حقيقي.