منذ فترة وأنا أرتب وقتي كي أستفيد منه في مختلف مجالات حياتي، فالوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، والعادة اليومية التي اكتسبتها لكي أسعد بها نفسي وأثقف بها خاطري بلا عناء ولا مشقة هي الاستماع إلى حديث الشيخ محمد الشعراوي الذي افتقدناه في عالمنا، وهو من العلماء القلائل الذين منحهم الله العلم والبصيرة، وأكثر بكثير مما يتصوره الإنسان، فرحمه الله ورحم علماءنا وفقهاءنا جميعاً.

أما ما دفعني لكي أكتب هذا المقال هي نقطة أثارها الشيخ الشعراوي رحمه الله، وهي التفكر والتدبر والفرق بينهما، فرجعت إلى كل ما يتعلق بهذين اللفظين لأستزيد وأضيف إلى رصيدي العلمي الكثير، فربما تسمع كلمة وتعتبرها صغيرة ومعناها يكون أكبر بكثير مما تتصور، وهنا أقول ما الفرق بين التأمل والتفكر والتدبر التي ذكرها الله في كتابه، وهل هي كلمات مترادفة أم أن لكل منها معنى يخصها وغاية تتفرد بها؟ وقبل أن أوضح مغزى ومعنى كل لفظة يجدر بنا أن نعرف كل لفظة عند علماء اللغة حتى يسهل علينا استخراج معاني ودلالات هذه الكلمات.

التأمل هو في أصل اللغة في أ م ل التي تدل على التثبت والانتظار. وأما التفكر فمأخوذ من مادة ف ك ر التي تدل على تردد القلب في الشيء، وأما التدبر فمأخوذ من مادة د ب ر التي يقصد بها النظر في عواقب الأمور.

أما من الناحية الاصطلاحية فإن التفكر هو جولان الفكرة وهي القوة المطرقة للعلم، فلا يشترط في التفكر إدامة النظر، ولا أن يتجاوز الحاضر إلى ما يؤول إليه الشيء مستقبلاً، أما التأمل فقد روعي فيه إدامة النظر والتثبت إذ جاء في تعريفه، تدقيق النظر في الكائنات بغرض الاتعاظ والتذكر، وإذا انتقلنا إلى التدبر فنجد أن معناه، النظر في عواقب الأمور وما تصير إليه الأشياء أي أنه يتجاوز الحاضر إلى المستقبل، لأن التدبر يعني التفكر في دبر الأمور، ومن ثم عرفه الجرجاني بأنه عبارة عن النظر في عواقب الأمور. وكل من التدبر والتفكر من عمل القلب وحده إلا أن التفكر تصرف القلب بالنظر في الدليل.

والتدبر تعرفه بالنظر في العواقب وكلاهما لا يشترط فيه الديمومة والاستمرار بخلاف التأمل. وهناك فرق جوهري آخر بين التأمل وكل من التفكر والتدبر، وهو أن التأمل قد يحدث بالبصر وحده أو بالبصر يعقبه التفكر. أما التفكر والتدبر فبالبصيرة وحدها إذ هما من أعمال القلب. والعبرة أن التأمل قد يكون بالبصر مع استمرار وتأن يؤدي إلى استخلاص العبرة. وأن التفكير جولان الفكر في الأمر الذي تكون له صورة عقلية عن طريق الدليل، أما التدبر فهو يعني العقلي إلى عواقب الأمور، وهذه المعاني الثلاثة وإن كانت متقاربة إلا أنها ليست واحدة، وإذا ذكر بعض أهل العلم أنها مترادفة فإنما يقصد فقط الترادف الجزئي.

ولهذا فالتدبر الذي هو عبارة عن النظر في عواقب الأمور هو قريب من التفكر إلا أن التفكر: تصرف القلب بالنظر في الدليل والتدبر تعرفه بالنظر في العواقب، فقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها. ومما يؤسف له أصبح كثير من المسلمين ينظرون إلى القرآن الكريم نظرة روتينية وأنه كتاب أوراد وبركة، ويهتم بقراءته وتجويده وتحسين الصوت في قراءته بل والاهتمام في القراءة على مستوى الإذاعة والتلفزيون والفضائيات وطباعته بشكل ممتاز، وهذا وإن كان في حد ذاته من الأمور الحسنة والمهمة المطلوبة إلا أن هذا كله لم يكن هو الهدف لإنزال القرآن، بل لا يمنع من التركيز على الهدف الأساسي للقرآن. الهدف والمغزى من القرآن هو الهداية للبشرية وإخراجها من الظلمات إلى النور، وتحقيق هذه المهمة وإبرازها إلى الخارج لا يتأتى إلا بالتدبر والتفكر في آياته واستخراج تلك الخزائن. وقد تحدث القرآن عن ذلك في عشرات الآيات بقوله: أولي الألباب، ويعقلون، ويتفكرون، والعالمون، وعبر عن القلب غير المنفتح للذكر والتفكر من أنه مقفل في قوله أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها أي أفلا يلاحظون معاني القرآن ودقائقه ورقائقه وما فيه من المواعظ والزواجر، حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات أم أن قلوبهم قد قست، أو استغلقت، فهي لا يصل إليها الذكر ولا ينكشف لها الأمر، فكأنها مقفلة لا تقبل التدبر والاعتبار.

وحول هذه الآية جاء عن سليمان بن خالد، قال أبو عبدالله الإمام الصادق، يا سليمان إن لك قلباً ومسامع، وإن الله إذا أراد أن يهدي عبداً فتح مسامع قلبه، وإذا أراد به غير ذلك ختم مسامع قلبه، فلا يصلح أبداً، وهذا ليس على نحو الإجبار، وإنما هو نتائج الأعمال للعبد الذي يؤدي به إلى الهداية أو الغواية، حيث يتحول التدبر والتفكر في الآيات القرآنية إلى خلق راسخ فيه، يتربى عليه الإنسان ويعصمه من الخطأ والسوء، وإذا ترك الإنسان التدبر في القرآن أصبح في معرض الانحراف والضلال. يقول الشرباصي: إن التدبر إذا صار للإنسان خلقاً يتحلى به وفضيلة يتزين بجماله فإن هذا التدبر يعصم صاحبه من السوء ويقرنه بالخير. وهذا التدبر إنما يثير في الإنسان قلباً حياً يقظاً وعقلاً منفتحاً مستجيباً وإحساساً دقيقاً مرهفاً. وبهذا الاستعداد يتمكن الإنسان أن يحسن التدبر الدنيوي والديني.

ولو تدبر الإنسان عواقب الأمور لما وقع في الخطأ ولا حدثت جرائم، ويعرف الإنسان قيمة الحياة الدنيا وأنها مزرعة الآخرة وأنها وسيلة وليست غاية.

[email protected]