تفجرت مؤخراً فضيحة أمريكية جديدة، تناولت قضية التجسس على مواطني أمريكا فضلاً عن التجسس على العالم بأسره، أو ما عرف ببرنامج الرئيس بوش السري للتنصت بعد أن تفجرت مجدداً مع نشر تقرير حكومي خطير أعده كبار محققي ومفتشي خمس وكالات أمنية واستخباراتية أمريكية، وطالب بمحاسبة إدارة بوش ومسؤولين كبار بمن فيهم الرئيس بوش ذاته ونائبه ديك تشيني على التجاوزات القانونية والدستورية الخطيرة التي جرت تحت عباءة إجازتهم برنامج تجسس على المواطنين الأمريكيين يشتمل على المراقبة والتنصت والملاحقة . وظل هذا البرنامج سرياً طي الكتمان لا يعلم عنه أحد سوى فئات محدودة في أوساط الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية المختلفة . ربما كان أخطر ما في التقرير ما خلص اليه من أن البرنامج لم يتمخض عن نتائج لها قيمة أو معلومات مهمة أسهمت في مكافحة ما يسمى الإرهاب وعززت أمن أمريكا . إلا أن للحكاية بداية، والبداية التي استهل بها التقرير، الذي سمح بنشر جزء منه يقع في نحو 43 صفحة، مقدمته إنما هي أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ ايلول من عام 2001 التي فاجأت أمريكا فصدمتها وأنشأت واقعاً جديداً ومناخاً يشوبه الخوف والتشكك واستدعت إجراءات غير مسبوقة تحسباً لهجمات محتملة في المستقبل . وهكذا نشأت مفاهيم جديدة ومصطلحات جديدة واستحدثت أجهزة استخباراتية جديدة أوكلت لها مهام جديدة ونشاطات . واستدعى الأمر الاستظلال بمظلة قانونية تسوغ ما جدّ من خطط لمجابهة الواقع الجديد بعدما أعلنت أمريكا الحرب على الإرهاب .

يحرص التقرير منذ البداية على إبراز حقيقة أن فكرة البرنامج وطبيعة نشاطاته، إنما نبتت وترعرعت في بيئة من مشاعر الخوف والحقد المشوب بالصدمة التي نشأت بعد هجمات 11 سبتمبر، وصاغت عالماً جديداً سارع صانعوه إلى اعتماد مبدأ ميكافيلي وانبروا لإقناع العالم بأن الغاية تبرر الوسيلة مهما بلغت هذه الوسائل من الشناعة والقبح .

ويذكر التقرير أن وكالة الأمن القومي هرعت عشية هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول لتسخير كل ما لديها من قدرات وتوظيف كل ما لديها من امكانات وما خولته من صلاحيات لجمع أكبر قدر من المعلومات الاستخباراتية للتعامل بأقصى سرعة مع الهجمات الارهابية والرد عليها، وعندما توجه مدير وكالة الاستخبارات المركزية جورج تينيت بالسؤال باسم البيت الأبيض إلى مدير وكالة الأمن القومي هايدن عما إذا كان في وسع وكالة الأمن القومي القيام بالمزيد في خضم الحملة لمحاربة الارهاب، أجاب هايدن بأن لا مزيد لمستزيد، وأن ليس في الإمكان أبدع مما كان ضمن الصلاحيات الممنوحة للوكالة ولما سأله عما يمكنه فعله إن اعطي المزيد من الصلاحيات رد هايدن بالقول إنه صاغ تصوراً بلوره في جملة معلومات تكون مسودة خطة تتناول ما هو نافع مفيد من العمليات التي ينبغي القيام بها وما هو مجد من النواحي التقنية، وسلة المعلومات هذه هي التي شكلت في الحقيقة الأساس الذي قام عليه برنامج الرئيس للتنصت .

وما لبث الرئيس بوش أن أجاز، اضطلاع وكالة الأمن القومي بهذه المهمة وتوليها نشاطات استخباراتية سرية للغاية، وفي مرسوم رئاسي سري واحد أجاز بوش كل هذه النشاطات، ومن ثم كان يعاد تجديد الترخيص بهذا البرنامج بشكل دوري على مدى السنوات التي تلت .

وكان كل تجديد لهذه الرخصة الرئاسية يشدد على الصبغة السرية للغاية لهذه النشاطات، إلا أن الرئيس أعرب كذلك عن نيته اطلاع من يرى من المناسب أن يطلعه من كبار الأعضاء في مجلس الشيوخ والنواب على هذا البرنامج حالما أرى وأتحقق من أن هذا يتناغم مع الاحتياجات الدفاعية القومية .

وهكذا سارت الأمور ومضى هذا البرنامج قدماً وقد اكتنفته سحب السرية القاتمة، وكان يجري التجديد لهذا البرنامج كل 45 يوماً تقريباً .

تطبيق البرنامج

وفقاً للتقرير جاءت باكورة التفويضات الرئاسية بتنفيذ هذا البرنامج ثمرة لنقاشات بين المدير السابق لوكالة الأمن القومي هايدن ومسؤولي البيت الأبيض وكان هايدن قد تشاور أيضاً مع كبار خبراء التقنيات في وكالة الأمن القومي ومع محامين ذوي خبرة واسعة في مكتب مستشار عام وكالة الأمن القومي لتحديد أية ثغرات استخباراتية مهمة وسدها، ولم يعلم هايدن بالتفويض الرئاسي لهذا البرنامج ولم يشارك في تطوير هذا التفويض إلا من خلال عمله بصفة مستشار تقني في هذا المجال، وبعد توقيع التفويض دعم محامو وكالة الأمن القومي قانونية ما تمخض عن هذا من برنامج، وهكذا سارت الأمور وبعدما تلقى هايدن التفويض الأول جمع ما بين 80 إلى 90 شخصاً في قاعة المؤتمرات وأوضح لهم أن الرئيس أصدر تفويضه .

ودافع هايدن في كثير من الأحيان عن هذا البرنامج، وقال هايدن، حسب التقرير إن السبب الأكبر الكامن وراء غض الطرف على التجاوزات التي انطوى عليها البرنامج إنما كانت قناعته بأن مثل هذا البرنامج يمكن أن يساعد على حماية أمريكا من هجمات الارهابيين وأن الصياغة الجديدة للنشاطات تمنح الوكالة حرية أكبر في ملاحقة الأهداف الارهابية المحتملة .

الاطلاع على البرنامج

اقتصر حق الاطلاع على برنامج التنصت على عدد قليل جداً من المسؤولين ولفه الغموض وأحيط بسرية مطلقة، وكان لنائب الرئيس ديك تشيني دور خطير في حجب الحقائق المتعلقة بهذا البرنامج وسعى جاهداً، حتى تكتنف هذا البرنامج ضبابية كثيقة تخفي طبيعته .

لذا لم يكن مستغرباً أنه حتى في أوساط السي أي إيه لم يكن سوى عدد قليل جداً يعلم بوجود هذا البرنامج أصلاً .

ويطالب التقرير بالنظر في اتخاذ اجراء تنظيمي يمكن أن يتضمن تأنيب المحامين الذين اشتركوا في صياغة الآراء القانونية أو إقصاءهم من الخدمة، والنتائج التي توصل إليها التقرير ليست نهائية ولم تتم موافقة النائب العام اريك هولدر عليها، ومن شأن هذا التقرير أن يثير جدلاً عريضاً في أوساط القضاء والمحامين .

وابتداء من 25 اكتوبر/ تشرين الأول 2001 دأب مسؤولو البيت الأبيض وهايدن على الافضاء لبعض أعضاء الكونجرس وبعض كبار العاملين في الكابيتول هيل بمعلومات مقتضبة عن البرنامج .

ورغم أنه لم يكن ثمة اشتراط قانوني بأن يحظى الترخيص الرئاسي لهذا البرنامج بموافقة النائب العام، أو غيره من مسؤولي وزارة العدل، أفاد مسؤولون سابقون ومحليون، حسب التقرير، بأن مثل هذه الموافقة عززت مستندات البرنامج القانونية والشرعية ورفعت قيمته، وصرح النائب العام السابق غونزاليس بأنه طلب من وكالة الأمن القومي القيام بعمليات لم تكن تقوم بها من قبل فاقتضى الأمر، وكان من الأهمية بمكان طمأنة وكالة الأمن القومي بأن النائب العام قد أقر شرعية البرنامج .

وقال غونزاليس أيضا إنه كان من المهم جداً أن يعرف من تعاون في هذا المجال من شخصيات القطاع الخاص بأن النائب العام قد أقر البرنامج وباركه وصادق عليه كما قال إن موافقة النائب العام كانت لها أهمية كبيرة وكانت قيمة جداً لاعتبارات سياسية صرفة وذلك حين تجري مناقشة البرنامج في الكونجرس أو حين تتم مراجعته من قبل المفتش العام .

مذكرة تقدير الخطر والتهديد

كانت وكالة الاستخبارات المركزية هي التي بادرت في الاساس الى اعداد مذكرة تقييم مدى التهديدات وتقدير حجم المخاطر المحدقة بالولايات المتحدة، وهي المذكرة التي استخدمت لدعم التفويض الرئاسي والترخيص لوكالة الأمن القومي للاضطلاع بالدور الذي اضطلعت به في البرنامج ولدعم تجديد اجازة هذا البرنامج بشكل دوري . وحشدت المذكرة، حسب التقرير، مستندات موثقة مستقاة من تقارير استخباراتية سعت إلى تقدير حجم التهديدات الارهابية المحدقة بالولايات المتحدة وبمصالحها في الخارج من القاعدة ومن تنظيمات أخرى مرتبطة بها، وكانت هذه التقديرات تعد كل 45 يوماً تقريباً تمشياً مع توجيهات التفويض الرئاسي باعتماد هذا البرنامج .

وكان رئيس أركان الاستخبارات المركزية هو الشخصية المحورية في اعداد مذكرة تقييم الأخطار واستند محللو التقارير عن الارهاب في السي أي إيه الى كل المصادر الاستخباراتية لاعداد هذه التقديرات عن التهديد والمخاطر .

وفي مايو/ أيار من عام 2003 تحولت مسؤولية وضع مسودات مذكرة تقدير الاخطار وتقييم التهديدات من السي أيه إيه إلى مركز تنسيق التهديدات الارهابية، وهي هيئة استخباراتية انشئت حديثاً .

وكان تجميع تقارير تقدير الأخطار والتهديدات يعتمد على مصادر شتى استخباراتية لتزويده بالمعلومات اللازمة .

وأكد التقرير أن ما كان يصدر عن الجهات التي تتولى رسم الصورة المتكاملة للأخطار المحتملة وتحاول تقدير حجم التهديد انما ساهمت بشكل محدود جداً في تحسين وضع الولايات المتحدة الأمني، وقال المحللون الاستخباراتيون إن تقدير حجم الاخطار لم يكن سوى جهة واحدة من جهات كثيرة جداً اعتمدوا عليها في تكوين تصور عن طبيعة ما يهدد أمريكا من أخطار .

كان جي بايبي هو القاضي الفيدرالي ورئيس محكمة الولايات المتحدة للاستئناف وقد صرح للقائمين على اعداد التقرير بأنه لم يكن يعلم عن البرنامج وأنه لا يستطيع أن يلقي مزيداً من الأضواء على الكيفية التي كان يصوغ بها جون يو أفكاره ويضع آراءه القانونية المتعلقة بالبرنامج، وقال بايبي ان يو وهو المحامي الشهير الذي شرعن التعذيب في عهد بوش، وكان مساعداً لوزير العدل جون اشكروفت كان مسؤولاً عن صياغة مسودات الآراء القانونية ذات الصلة بقضايا الأمن القومي الأخرى عندما وقعت هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وأنه كان مطلعاً على هذا البرنامج في حين أن جي بايبي، وهو قاضي الاستئناف ورئيس يو لم يكن يعلم عن هذا البرنامج شيئاً .

ومما يذكر أنه حين قيام ديك تشيني، نائب بوش، بدعوة كل ممثلي وكالات الاستخبارات عندما حل موعد تجديد العمل ببرنامج التنصت الذي تناوله التقرير من دون توجيه الدعوة لوزارة العدل، أبلغ المجتمعين يومها: على ما يبدو، اننا سنمرر الموضوع من دون مباركة وزارة العدل، إنما حدث بعدما ترامى إلى مسامع تشيني والبيت الأبيض أن وزارة العدل وعلى رأسها جون اشكروفت بدأت النظر في مسألة قانونية برنامج التنصت على الأمريكيين والتجسس عليهم، أرسل البيت الأبيض في اليوم التالي لهذا الاجتماع الذي عقده تشيني اندرو كارد ومعه مستشار البيت الأبيض القانوني البرتو غونزاليس الى المستشفى حيث كان يرقد اشكروفت لاجراء جراحة له للحصول منه على التوقيع على استمرار العمل بالبرنامج، بل إن الرئيس بوش ذاته اتصل بالمستشفى آنذاك لكن زوجة اشكروفت هي التي ردت عليه حينها فكان أن غاب توقيع اشكروفت، عن استمرار العمل بهذا البرنامج، أي أن اشكروفت، وهو من يعتبره معظم المراقبين في أقصى الجناح اليميني في تيار المحافظين الجدد والمحسوب على أقطاب المتشددين في هذا التيار رفض التوقيع، وهي لفتة معبرة توحي بشناعة طبيعة هذا البرنامج وتشي بحقيقة انتهاكه للقوانين وللحريات، ولذا يعتقد كثيرون أن هذا البرنامج أنعش روح الاستبداد وأعاد أمريكا الى عصور الظلام والطغيان .

وكان لجون يو دور كبير في ترسيخ أقدام هذا البرنامج، حسبما جاء في حيثيات التقرير الذي ذكر أن مذكرة يو أتت كذلك على تحليل قضايا التعديل الرابع الدستوري التي أثارتها التفويضات الرئاسية بهذا الشأن . وراح يو يفند هذه المخاوف المتعلقة بالبرنامج، وحاول جهده أن يسوغ العمل به ويزين نتائجه ويضخم ما سيأتي به من فوائد تعزز أمن الولايات المتحدة .

وكتب يو، حسب التقرير، ليقول إن النشاط الذي اتى التفويض الرئاسي على وصفه كان معقولاً وفقاً للتعديل الرابع، لذا فإنه لا يتطلب تفويضاً، واستشهد يو لدعم موقفه بآراء المحكمة العليا التي تجيز عمليات بحث وتقص بدون تفويض قضائي في حشد من الحالات، مثل فحص المواظفين الذين يشتبه في تعاطيهم للمخدرات أو فحص السائقين الذين يشتبه في أنهم ثمالى عاقروا الخمر . وتفنن يو في حشد أي شبهة دليل يدعم رأيه . غير ان نقاش يو للمسائل المتعلقة بالبرنامج ومسوغاتها القانونية أغفل بشكل متعمد اتساع المدى الذي بلغه هذا البرنامج في نشاطاته وضخامة المجالات التي غطاها من دون كبير فائدة . وأفاض التقرير في عرض الدور الذي لعبه يو في اضفاء صبغة الشرعية على هذا البرنامج وإخراس كل الأصوات التي كانت ترتفع محذرة من أنه يفضي الى تجاوزات جسيمة وانتهاكات لحقوق مواطني امريكا .

كان وبالاً على أمريكا

ومن المؤسف ان الشيوخ والنواب في الكابيتول هيل وهم من أنابهم الشعب الأمريكي للسهر على أمنه والذود عن مصالحه، أغمضوا أعينهم طيلة فترة مديدة ولم يرفعوا صوتاً ولم يحركوا ساكناً لوقف هذه المهزلة التي يقرّ معظم المنصفين من المراقبين بأنها لم تخدم مصلحة أمريكا بل كانت وبالاً عليها، إذ شن هذا البرنامج السري حرباً شعواء على الحريات بحجج واهية، ولم ينجح قط في جعل الولايات المتحدة اكثر أمناً، وذلك بشهادة كبار المسؤولين في أمريكا .

ومن بين ما كشف هذا التقرير البالغ الأهمية النقاب عنه من فضائح انه في مستهل الأمر تشدد البيت الأبيض وتزمت إلى حد كبير فأوعز بأن لا يطلع على هذا البرنامج ويكتشف طبيعته سوى حفنة ضئيلة من المقربين من كبار المسؤولين . ففي وزارة العدل على سبيل المثال اقتصر الاطلاع على هذا الجانب على الوزير جون اشكروفت واثنين من مساعديه، من بينهم المحامي الشهير الذي شرع التعذيب في عهد بوش الصغير جون يو، في حين لم يكن رئيس يو ذاته، وهو جي بايبي يعلم شيئاً عن البرنامج .

ومما أزاح التقرير الستار عنه أيضاً انه حتى في أوساط السي أي إيه زمرة قليلة جداً من مسؤولي وكالة الاستخبارات المركزية كانوا على دراية بهذا البرنامج، بل لم تكن الأكثرية الساحقة من هؤلاء تدرك بأنه موجود اصلاً ويكاد هذا الأمر ينطبق على كل الجهات الرئيسية المعنية الأخرى التي لم يكن اقطابها كذلك قد اطلعوا على هذا البرنامج مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي (الإف بي آي) ووزارة العدل ذاتها، وهو ما قاد الى تهديد إدارة بوش يومها باستقالة جماعية من الوزارة .

أثر البرنامج في التشريعات المماثلة السابقة

شكل هذا البرنامج سابقة خطيرة في شرعنة تجاوزات دأبت التشريعات السابقة التي استند إليها على تفادي اضفاء الشرعية عليها، وربما كان هذا هو سبب الرغبة في حجب طبيعة هذا البرنامج عن كبار المختصين من خبراء القانون الذين يمكنهم كشف عوراته بسهولة .

يذكر ان الهيئة القضائية لمجلس النواب الأمريكي كانت اوصت في 27 يوليو/ تموز من عام 1974 بإقالة الرئيس ريتشارد نيكسون واعتمدت ثلاث تهم وجهت إليه وهي: استغلال نفوذه وعرقلة مسار القضاء وعدم الانصياع له وذلك في اعقاب فضيحة ووترغيت الشهيرة التي كشفت تنصت الجمهوريين آنذاك على الديمقراطيين في مبنى ووترجيت في واشنطن حيث مركز الحزب الديمقراطي . وها هو بوش يكرر سلوك نيكسون الذي أدى الى اقالته يومها غير ان بوش زعم ان مشروعه للتنصت لا يورط الجمهوريين في مأزق مع الديمقراطيين كما حدث في الماضي بل سيساعد خبراء الاستخبارات على معرفة الأشخاص الذين يتحدث الارهابيون معهم والاطلاع على ما يقولون واكتشاف ما يخططون .

استهداف المسلمين والعرب

ظهر بجلاء أن المسلمين كانوا هم المستهدف الرئيسي بهذا البرنامج الذي طال كل فئاتهم ونال منهم بدرجات متفاوتة وألحق بهم الأذى واعتبره جزء كبير منهم كابوساً رهبياً خيم على حياتهم دهراً طويلاً ولم تنقشع كل غيومه بعد . ولابد هنا من التأكيد على ان هذا البرنامج التجسسي ركز إلى حد كبير جداً على معظم مسلمي أمريكا، بل حاول ملاحقتهم جميعاً، ولا سيما منهم ذوو الأصول العربية، لذا وبعد ان احس مسلمو أمريكا والعرب بهذا الاستهداف الصارخ حاولوا التعايش معه بالحسنى واتقاء شروره، وكان من المعتاد في كثير من الحالات عند تلقي مكالمات هاتفية من جهات غير معروفة ان لا يرد أحد على هذه المكالمة عند الطرف الآخر من الخط بعد رفع السماعة، أو حين يرد المسجل الآلي بل تبدأ عملية تسجيل المكالمات أوتوماتيكياً لفترة غير محددة، وحين يتوقف التسجيل يفاجأ ضحايا هذا اللون من التجسس بمكالمات أخرى تعاود توصيلهم بأجهزة التسجيل الرقمية الحاسوبية ولم يقتصر الأمر على تتبع المكالمات وعلى عمليات التنصت على الهواتف بل تجاوزه الى الملاحقة ومداهمة المنازل بغتة دون انذار مسبق وزيارة بعض المستهدفين في بيوتهم من دون موعد . وطالت هذه الملاحقات حتى الشخصيات رفيعة الشأن في المجتمع المسلم الأمريكي وذلك بذرائع سخيفة وحجج واهية كأن يذكر أحدهم في مكالمته اسماء معينة مثل مصعب (وهو اسم شائع في أوساط المسلمين) واسامة والقاعدة والشيخ والقنبلة وأيمن، وما شابهها.

مكتب مدير الاستخبارات القومية

كان مكتب مدير الاستخبارات القومية على اطلاع وثيق على المعلومات التي يجمعها برنامج الرئيس التنصتي، إلا ان هذه المعلومات لم تكن متاحة سوى لحفنة ضئيلة جداً من محللي المركز القومي لمكافحة الارهاب (ان سي تي سي) للمراجعة، أو إذا كان مناسباً للاستخدام في اعداد تقارير المركز القومي لمكافحة الارهاب التحليلية .

مشاركة الإف بي اي

وصف التقرير مشاركة مكتب التحقيقات الفيدرالي في برنامج الرئيس للتنصت، لا سيما دوره بصفته الجهة التي كانت تتلقى المعلومات الاستخباراتية التي يجمعها البرنامج، غير ان معظم عملاء الإف بي أي اعربوا عن خيبة املهم في هذا البرنامج ورأوا ان نتائجه كانت هزيلة جداً .

مشاركة السي اي ايه

استعرض التقرير مشاركة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في هذا البرنامج، وذكر كبار المسؤولين في السي آي ايه، بمن فيهم المديرون السابقون للوكالة، هايدن وغوس والمدير السابق ماكلوغلين ان برنامج التنصت سد ثغرة في تجميع المعلومات الاستخباراتية، حيث انه في اعقاب هجمات 11 سبتمبر تنامى القلق وازدادت المخاوف من وقوع هجمات أخرى ارهابية تشنها خلايا منبثة في الولايات المتحدة وارتأى بعض المسؤولين توسعة سلطات الوكالات الاستخباراتية كي تتسع دائرة احاطتها بالمعلومات وبذا تستبق الأحداث وتحبط قيام عمليات ارهابية جديدة .

خداع وتضليل

أقر التقرير اثر اعتراف رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية السي آي ايه ليون بنيتا قبل أيام أن وكالة الاستخبارات قامت بالفعل بعملية خداع كبرى وأخفت معلومات حتى عن اعضاء في الكونجرس، وكان بنيتا قد أدلى بهذه التصريحات في جلسة مغلقة، وعندما سرب بعض اعضاء الكونجرس شيئا مما احتوته استدرك بنيتا فأعلن: ما كان ينبغي ان تخفي السي آي ايه شيئاً عن الكونجرس . أي انه أقر وأكد بشكل غير مباشر ما تسرب من داخل الغرف المغلقة في الكونجرس . واثارت هذه التصريحات وأمثالها غضباً في أوساط الكونجرس، ولابد ان نذكر في هذا السياق أن النظام المتبع، في جلسات تتناول معلومات أمنية بالغة السرية من خلال لجان الاستخبارات المسؤولة في مجلسي الشيوخ والنواب، هو ابلاغ عضوين فقط بالتفاصيل أحدهما ديمقراطي والآخر جمهوري .