تعتبر الإنترنت بما تحويه من معلومات لا تتناهى وبالسرعة التي توفرها للوصول الى المعلومة مصدراً نموذجياً للمعرفة، فقد جنبت الإنسان عناء كبيرا ووقتا كثيرا كان ينفقهما في البحث بين صفحات كتب قد لا يكون خبيرا في طرق الاهتداء اليها، أو لا يستطيع وصولها، فقد مرت أزمنة قديمة وحديثة كان المهتمون بالعلم فيها تتعلق لهم معلومات بكتاب فيبحثون عنه سنين طويلة من دون أن يجدوه، أو يتكلفون رحلات طويلة للوصول إليه، واليوم بكبسة زر واحد تصل إلى ما تريده من معلومات، لكن هذه الوفرة والسهولة في المعلومات ليست بريئة في كل مرة، وتحتاج إلى الكثير للتثبت من أنها صحيحة، ذلك لأن سهولة الوصول توازيها سهولة نشر المعلومة فبرامج التنزيل موازية دائما لبرامج التحميل، وبالقدر الذي يستطيع فيه الإنسان أن يستقي المعلومة، يستطيع كذلك أن يبثها، وهذا يؤدي إلى خلط كبير وتشويش وشك في كثير مما هو مبثوث على الإنترنت، ويحتاج المرء إلى قدرات تمييزية لغربلة ما يأخذه من معلومات، وقد أدى فقدان القدرة على التمييز بالكثيرين إلى أخطاء فادحة، إذ يستقون معلوماتهم من مصادر غير موثوقة كالمواقع الشخصية والمدونات ومواقع الشبكات الاجتماعية كالويكبيديا والتوترز والفيس بوك وغيرها، فحين تبحث مثلا عن بيتي الإمام الحافظ أبي بكر بن عطية الأندلسي الشهيرين:
إذا لم يكن في السمع مني تصامم
وفي بصري غض وفي منطقي صمت
فما لي من صومي سوى الجوع والظما
وإن قلت إني صمت يوما فما صمت
ستجد أنهما متوفران على الشبكة، ولكن صدر البيت الأخير كتب خطأ هكذا:
فحظي إذن من صومي الجوع والظما
وهو لا يستقيم بهذه الصورة وقد تواترت كل المواقع التي تورده على نقله بهذا الخطأ الفادح، لأن الأصل أن مدونا لا حظ له من العروض والشعر العربي ولا يتحرى في ما يكتب دونهما بهذا الخطأ فأخذت عنه المواقع الأخرى، وهذا يجعل الباحث الذي لا يمتلك حساً موسيقياً أو لا يعرف التقطيع العروضي عرضة لنقله بهذا الخطأ.
لقد أرقت قضية التحقق من المعلومات على الإنترنت الباحثين منذ أن صارت الإنترنت متاحة للجميع، ويذكر د. رضا محمد النجار الاستاذ في جامعة الأزهر أن الدراسات المتعلقة بمعايير التحقق من صحة المعلومات المتوفرة على الإنترنت بدأت منذ سنة ،1993 وقد قدمت دراسات كثيرة منذ ذلك الوقت، وقدم د. عبدالرشيد بن عبدالعزيز حافظ وهناء علي الضحوي الباحثان في جامعة الملك عبدالعزيز دراسة حول معايير الوثوق من صحة تلك المعلومات خلصا فيها إلى مجموعة من المعايير منها: المسؤولية الفكرية لمصدر المعلومات ومعرفة الهدف من الموقع الذي يبث تلك المعلومات أهو تجاري أو ترفيهي أوتعليمي أو إخباري أو شخصي. فلكل واحد من هذه الأنواع مستواه في درجة الوثوق، كما أن وجود رابط للمصدر الأصلي يعتبر من المعايير المهمة. ويبقى اللجوء إلى الكتاب في البحث عن المعلومة أسلم وأوثق للإنسان الساعي إلى التثبت في ما يكتبه.
محمد ولد محمد سالم