لماذا تدين الولايات المتحدة لهايتي بمليارات الدولارات؟
عندما كان كولين باول وزيراً للخارجية الأمريكية، وصف سياسته الخارجية بأنها أشبه بقاعدة آنية الفخار، وهذا مصطلح يعني أن من يكسر أو يتلف سلعة معروضة في محل تجاري تصبح ملكه، وعليه أن يدفع قيمتها .
الولايات المتحدة عملت على تدمير أو إتلاف هايتي لأكثر من 200 سنة . نحن ندين لهايتي . وديوننا لها قضية عدالة . تعويضات يتوجب علينا تسديدها . وليس مبلغ المائة مليون دولار التي وعد بها الرئيس أوباما، 100 مليون دولار مجرد جائزة يانصيب أو لوتو، الولايات المتحدة مدينة لهايتي بمليارات الدولارات، مليارات بالميم .
عملت الولايات المتحدة مئات السنين من أجل كسر هايتي . وأعتبرتها مزرعة خاصة بها . ومنذ أن حررت هايتي نفسها، عملت الولايات المتحدة على استنزافها اقتصادياً، وغزتها - عسكرياً - مراراً وتكراراً، ودعمت دكتاتوريين قمعوا شعب هايتي وحطمنا الطرق والزراعة، وأطحنا بمسؤولين انتخبهم الشعب في هايتي .
وهنا تاريخ موجز لمساعي الولايات المتحدة لتحطيم هايتي:
في العام ،1804 عندما نالت هايتي حريتها من فرنسا في أول ثورة عبيد ناجحة في العالم، رفضت الولايات المتحدة الاعتراف بها . وواصلت رفضها الاعتراف بها 60 عاماً أخرى . لماذا؟
لأن الرق في الولايات المتحدة كان معمولاً به، وكان الملايين من مواطني الولايات المتحدة أنفسهم عبيداً، ولذلك خشيت الولايات المتحدة من تكرار تجربة هايتي، والاقتداء بها وبالتالي إندلاع ثورة عبيد مماثلة في أمريكا .
بعد نجاح ثورة 1804 في هايتي، فرضت الولايات المتحدة وفرنسا حظراً اقتصادياً على الجزيرة استمر حتى 1863 . واستغلت فرنسا قوتها العسكرية لإرغام هايتي على دفع تعويضات عن العبيد الذين تم تحريرهم .
وبلغت قيمة التعويضات التي اضطرت هايتي لدفعها مائة وخمسين مليون فرنك . لاحظ أن فرنسا باعت للولايات المتحدة حينذاك منطقة لويزيانا كلها بمبلغ لم يتجاوز ثمانين مليون فرنك! .
وأرغمت هايتي على استدانة المال من مصارف في فرنسا والولايات المتحدة لدفع التعويضات لفرنسا .
ومن هذه القروض، قرض رئيسي استدانته هايتي من الولايات المتحدة، ودفعته للفرنسيين، وسددته هايتي للولايات المتحدة أخيراً في 1947 .
ويكفي أن نعلم أن القيمة الحالية للنقود، التي أرغمت هايتي على دفعها للبنوك الفرنسية والأمريكية تعادل أكثر من 20 مليار دولار .
في الفترة من 1915 - 1934 احتلت الولايات المتحدة هايتي وحكمتها بالقوة . ففي 1915 أرسل الرئيس الأمريكي ودرو ويلسون قواته لغزو الجزيرة . وقمعت القوة العسكرية الأمريكية أي محاولات للمقاومة من جانب الهايتيين وقتلت 2000 في مواجهة واحدة وفي فترة ال 19 عاماً التي تلت الغزو، سيطرت الولايات المتحدة على الجمارك في هايتي، وكانت تجبي الضرائب، وأدارت كثيراً من المؤسسات الحكومية . كم ملياراً استولت عليها الولايات المتحدة خلال فترة ال 19 عاماً التي احتلت فيها هايتي؟
وفي الفترة من 1957 - 1986 أرغمت هايتي على العيش تحت وطأة حكام دكتاتوريين دعمتهم الولايات المتحدة مثل بابا دوك وبيبي دوك دوفالييه .
ودعمت الولايات المتحدة الدكتاتوريين عسكرياً واقتصادياً لأنهم كانوا ينفذون ما ترغب فيه وكانوا سياسياً مناوئين للشيوعية، وقد استولى دوفالييه على ملايين الدولارات من هايتي وأغرقها في ديون بمئات الملايين من الدولارات لا تزال هايتي مدينة بها حتى الآن .
وتشير التقديرات إلى أن هايتي مدينة ب 1،3 مليار دولار لجهات أجنبية، ونسبة 40% من هذا الدين كانت في عهد دوفالييه الأب بابا دوك، وابنه بيبي دوك والاثنان كانت أمريكا تدعمهما .
قبل أربعين عاماً، لم تكن هايتي تستورد الأرز . اليوم تستورد هايتي كل احتياجاتها من الأرز . وعلى الرغم من أن هايتي كانت عاصمة السكر في الكاريبي، إلا أنها أصبحت الآن تستورد السكر أيضاً . لماذا؟
لأن الولايات المتحدة والمؤسسات المالية العالمية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي)، أرغمت هايتي على فتح أسواقها أمام العالم . ثم أغرقت الولايات المتحدة هايتي بملايين الأطنان من الأرز والسكر الأمريكي المدعوم، وبذلك تدهورت أحوال مزارعي هايتي وتحطمت الزراعة الهايتية .
وبتدمير الزراعة هناك، أجبرت الولايات المتحدة هايتي على أن تصبح ثالث أكبر سوق في العالم للأرز الأمريكي . وهذا جيد للمزارعين الأمريكيين، ومصيبة على هايتي .
في ،2002 أوقفت الولايات المتحدة قروضاً بمئات الملايين من الدولارات، كان من المفترض أن تتدفق على هايتي لاستغلالها في مشروعات عامة مثل التعليم، والصحة، والطرق التي كان سيتم تشييدها أو صيانتها بهذه القروض، هي نفس الطرق التي تقول فرق الإغاثة اليوم إنها تعرقل عملهم بعد كارثة الزلزال المروعة .
وفي ،2004 دمرت الولايات المتحدة الديمقراطية في هايتي مرة ثانية، عندما دعمت الانقلاب الذي أطاح بالرئيس المنتخب جان برتران أريستيد .
وهايتي يتم استغلالها أيضاً للمتعة الجسدية، تماماً كما كان يحدث في المزارع سابقاً . راجع الأخبار ووسائل الإعلام بعناية وستجد قصصاً متعددة عن انتهاكات للصغار والأحداث من قبل الارساليات والمبشرين، ومن الجنود ومن العاملين في منظمات المساعدة الدولية، بالاضافة للعطلات الجنسية لهايتي من قبل أناس من الولايات المتحدة ومن أمكنة أخرى .
ولفترة طويلة ظلت المؤسسات التجارية والصناعية الأمريكية تتحالف مع النخب الهايتية لتأسيس وتشغيل ما يعرف ب مصانع الاستغلال التي يعمل فيها عشرات الآلاف من أبناء هايتي بأجر يقل عن دولارين في اليوم .
الشعب الهايتي قاوم الهيمنة العسكرية والسياسية، المفروضة عليه من الولايات المتحدة ومن قوى أخرى، منذ استقلاله لكن القوة والسيطرة الأمريكية أرغمت الهايتين على دفع أثمان باهظة قتلى وديون وانتهاكات .
لقد حان الوقت الذي ينبغي فيه على الشعب الأمريكي أن يتحالف مع الهايتيين، لتغيير وقلب منظومة العلاقات الأمريكية الهايتية .
وهذا الموجز التاريخي يظهر كيف تدين الولايات المتحدة لهايتي بمليارات الدولارات . وهذه المليارات ليست منحة خيرية ولكنها حقيقة عدلية، ومظالم يجب دفع تعويضات مقابلها .
وكارثة الزلزال الحالية تعتبر فرصة جيدة للشعب الأمريكي، للاعتراف بتاريخ بلادنا وهيمنتها على هايتي، علينا أن ننتهز هذه السانحة ونمحو ولو مجرد جزء بسيط من تاريخنا المخجل برد فعل حقيقي وعادل .
* مدير الشؤون القانونية في مركز الحقوق الدستورية، وبروفيسور القانون في جامعة لويولا في نيوأورليانز . ويتعاون منذ سنوات مع معهد العدالة والديمقراطية في هايتي
ترجمة: محمد ابراهيم فقيري