انطلقت مساء أمس الأول فعاليات الدورة العشرين لمهرجان أيام الشارقة المسرحية، حيث قدمت فرقة مسرح الشارقة الوطني أول عروض المهرجان وهو تحت عنوان تراب تأليف وسينوغرافيا وإخراج محمد العامري وأداء كل من أحمد الجسمي وجمال السمطي، وموسى البقيشي وأحمد اسماعيل، وعبدالله زيد، وأحمد مال الله وغيرهم .

يقوم العرض على مجموعة من المستويات من حيث الحكاية حيث نلحظ وجود الراوي، والمجموعة، والغريب والنوخذة، وفرج البناي، بالإضافة إلى المرآة الموجودة في عمق المسرح والتي تقدم مجموعة من الدلالات، ومن أهمها تعدد الرؤى والرموز في المسرحية .

يبني العامري العمل سينوغرافياً وإخراجياً انطلاقاً من الديكور المتعدد الأغراض، حيث يتم تحويل الصندوق الذي يخرج منه ممثلو العرض في البداية إلى سفينة، وفريج، ومكان للصراع، وهو يقدم بالنسبة للمتلقي مسرحاً داخل المسرح، خاصة مع وجود الراوي الذي يروي حكايات الماضي البعيد، وصمود الناس في الفريج أمام المحن الكثيرة التي مرت عليهم، ومن جهة أخرى تعطي المرآة إيحاء قوياً بكسر الإيهام بين الخشبة والجمهور الذي يرى قصة ثالثة أو رابعة فيها، يقوم كل متلق بابتكارها بحسب فهمه للعلاقة الجدلية بين ما يراه على الخشبة وبين ما يراه في المرآة .

على مستوى الأداء كسر العامري في بعض اللحظات تراجيدية العرض بأداء كوميدي للغريب سليم في محاولة لإقامة لحظات تنفس في العرض بحيث لا تثقل الأجواء الدرامية على المتلقي، أو ربما لبقاء العرض ملتصقاً بالواقع من جهة أخرى .

أما الجسمي الذي لعب دور الراوي فقد أظهر إمكانياته وخبراته في الإمساك بطبيعة الشخصية وتفاعلها مع الأدوار الأخرى، والتقاط الجوهري في اللحظة الدرامية، وإمكانية تصوير الكلمة من خلال ضبط الإيقاع الصوتي وفقاً للمدلولات التي تحملها التعابير والجمل .

تلت العرض ندوة تطبيقية حضرها محمد العامري مؤلف ومخرج مسرحية تراب والفنان احمد الجسمي وادارها الكاتب عبدالاله عبدالقادر وشارك فيها عدد من الفنانين والنقاد العرب والاماراتيين .

بداية قال عبدالقادر نجح المخرج في تقديم عمل يرتبط جدلياً وحيوياً ومصيرياً بالوطن، كما ان هذه التجربة بالنسبة للمخرج لم تأت من فراغ، بل سبقها سعي حثيث من التجربة التي اكتسبها العامري ممن سبقوه في هذا المجال، كما اشاد عبدالقادر بجهود الفنيين والجوقة المسرحية وكافة الفنانين .

وقال د .شفيق المهدي مدير دائرة السينما والمسرح في العراق يعلن محمد العامري في هذا الوطن انتماءه للصف الأول من المخرجين في الوطن العربي وتابع لقد قدم عملاً مفاجئاً فيه فرجة مسرحية ورؤية داخل الرؤية، تدل على حرفة استطاعت ان تدير طاقماً من الفنانين المقتدرين .

ونوه المهدي بالمرآة التي استخدمها المخرج في بداية العرض، موضحاً ان استخدامها طوال فترة العرض جاء زائداً عن الحاجة، وكان من المستحسن لو تم استخدامها في نهاية العرض فقط .

بدوره اشاد الفنان العراقي عزيز خيون بنجاح المخرج في الانتقال من الاسلوب الواقعي إلى التعبيري إلى الرمزي، كما اشاد بالمشاهد التي قدمت ايقاعية متدفقة، لولا بعض الهنات التي يمكن تلافيها بضبط المشاهد واستثمار مكونات المسرح بطريق افضل .

أما الفنانة السورية جيانا عيد فشكرت طاقم العمل ومخرجه الذين قدموا عرضاً اشبه بقصيدة شعرية، كما اشادت بتعدد مستويات العرض وتقديم لوحة بصرية دمجت بين التغريب والواقع جملتها سينوغرافيا مبهرة .

وأشاد الناقد محمد جلال المغرب بثنائية الحكي والتشخيص واستحضار فعل الراوي الذي قدمه الفنان احمد الجسمي، الرواي ليس بمفهومه الكلاسيكي وإنما بإضافة عنصر التمثيل والمشاركة، كما نوه بامتداد سينوغرافيا العمل إلى قاعة العرض المسرحي وذلك في اشارة إلى الصناديق الخشبية الصغيرة التي جلست على مقاعد المتفرجين واحتوت على مكونات العرض .

ولفت محمد جلال إلى أهمية استخدام المرآة التي تعكس صورة الانسان المعاصر وقدمت اكثر من بعد يفيد في تلقي مضمون العمل .

واشارت بعض المداخلات إلى البعد التأليفي في العمل وقدرة المخرج على النفاذ إلى مستويات متعددة، واعتبرت بعض الآراء ان هذا العمل قدم حساسية اخراجية ترقى إلى تقديم مستوى فني يستحق التقدير .

من جهة أخرى اشاد بعض النقاد بالموسيقا التي قدمت بعداً صوفياً يليق بإنسانية الإنسان .

من أرشيف الدورة السابقة لـ "الأيام"

شهدت الدورة التاسعة عشرة 2009 من مهرجان أيام الشارقة المسرحية في افتتاحها عرض مسرحية ''شمشون الجبار'' من تأليف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وإخراج أحمد عبدالحليم، وإنتاج الهيئة العربية للمسرح، وشارك في العمل أكثر من 100 شخص من ممثلين ومؤدين وراقصين وفنيين وغيرهم، وقد كان صاحب السمو حاكم الشارقة قد كتب المسرحية في ذكرى مرور 60 عاما على نكبة فلسطين عام ،1948 وعالجت المسرحية الافتراءات على مر العصور بأحقية الإسرائيليين في أرض فلسطين، حيث توضح بالبراهين التاريخية أحقية الفلسطينيين بأرضهم، وتؤكد على مقولة مقاومة المحتل، التي تعتبر الشكل الأكثر جدوى في استعادة الحقوق المغتصبة .

وقدم في المهرجان في العام الماضي 18 عرضا مسرحيا داخل المسابقة وخارجها حيث فاز عرض حاميها حراميها لمسرح الفجيرة القومي بجائزة أفضل عرض مسرحي متكامل، كما فاز مخرج العمل نفسه الفنان حسن رجب بجائزة أفضل إخراج، بينما ذهبت جائزة أفضل تأليف إلى اسماعيل عبدالله رئيس جمعية المسرحيين والأمين العام للهيئة العربية للمسرح عن مسرحيته ليلة مقتل العنكبوت التي أدتها فرقة مسرح عجمان، وحصل عزيز خيون على جائزة الفنان المسرحي المتميز من خارج أبناء الدولة عن إخراجه مسرحية أنا والعذاب وهواك التي قدمتها فرقة مسرح دبا الفجيرة، كما حصل جمعة علي على جائزة أفضل ممثل دور أول عن دوره في مسرحية حاميها حراميها فيما نالت الفنانة بدور جائزة أفضل ممثلة عن دورها في عرض الفطام، التي قدمتها فرقة مسرح حتا، أما جائزة أفضل ممثل دور ثان فقد ذهبت إلى أحمد ناصر عن دوره في مسرحية ثواني الرحيل التي قدمتها فرقة مسرح كلباء الشعبي، وفازت الفنانة أشواق بجائزة أفضل ممثلة دور ثان عن دورها في مسرحية الفطام وحصل ابراهيم محمد على جائزة أفضل فنان واعد عن دوره في مسرحية مفاتيح التي قدمها مسرح دبي الشعبي، وفاز علي جمال بجائزة أفضل ديكور عن عرض الفطام وعلي الباروت على جائزة أفضل مؤثرات عن المسرحية ذاتها، بينما فاز ابراهيم الأميري على جائزة أفضل مؤثرات عن مسرحية ثواني الرحيل .

ويذكر أن صاحب السمو حاكم الشارقة كرّم في الدورة الماضية الفنانة نضال الأشقر حيث منحها جائزة الشارقة للإبداع المسرحي، ومما قالته الأشقر في تكريمها في عالم يغلب عليه التواصل الإلكتروني والآلي يبقى المسرح المكان السحري حيث لا يزال الاتصال يتم بشكل مباشر وحميم بين فرد وآخر بين مجموعة وأخرى بين الفنانين والجمهور، وهاجسنا هو الحفاظ على هذا النوع من الاتصال الحي الحيوي، ويرتبط الفن ارتباطا عضويا بالحياة ولا ينفصل عنها ولأنه شكل من أشكالها المصعدة جماليا وإنسانيا فهو يسهم مع عوامل أخرى في تمدين العالم والارتقاء بالنفس . أما العصا السحرية التي تجعل كل ذلك ممكنا فيحملها أفراد مميزون ونادرون مسكونون برؤية خلاقة وبالأمل ومن هؤلاء صاحب السمو حاكم الشارقة وهو الدكتور الأديب والمسرحي . . الذي يعي أن الوقوف إلى جانب الثقافة ودعمها هو وقوف إلى جانب مجتمع جديد عصري وخلاق . . ولهذا فقد أقدم على إنشاء المسرح وحول المدينة القديمة مدينة للفن ورمم المباني لتستقبل الفنانين التشكيليين وتحتضنهم كل عامين .

أما عبد الله صالح فقد نال شخصية العام المسرحية المحلية، كما صاحب الأيام ملتقى تحت عنوان تجليات وجماليات الإخراج المسرحي تم فيه تناول مجموعة محاور وهي: خصوصيات الفن المسرحي والتكنولوجي في ضوء نظرية التلقي لغة الجسد: أداء الممثل والفضاء السينوغرافي، ونحو مشروع منهجي في الكتابة والعرض المسرحي، والرؤية البصرية في العرض المسرحي المعاصر .