تخرّج المخرج الإماراتي عبدالوهاب الهندي في معهد السينما في القاهرة سنة ،1967 ودرس على يد أهم المخرجين مثل يوسف شاهين وصلاح أبو سيف، ونور الشريف، وداود عبدالسيد، وخيري بشارة، وأخرج العديد من المسلسلات في مصر وسوريا والإمارات . الهندي أكد أنه ينتهج مدرسة جديدة في الإخراج ويحب العمل مع المؤلفين الشباب، والورش الفنية .
وقال في حوار معه إن الفنان لا يمكن أن يعرض نفسه على شركات الإنتاج، وأن ما يقدم من أعمال سينمائية في دول الخليج عبارة تجارب فنية لا ترقى إلى وصفها بالأعمال السينمائية لأن إنتاجها مكلف .
ولفت إلى أن المسلسلات التي أخرجها مثل الواحدة بعد منتصف الليل، وشعراء المعلقات، وجبال النار، وحياة الناس، وشمس منتصف الليل، ومن غير ليه، تختلف عن بعضها بعضاً في الرؤية الإخراجية . وإلى نص الحوار:
أحدث مسلسل أخرجته عرضته مؤخراً قناة أبوظبي، وهو من غير ليه، ألا ترى أن عرضه تأخر كثيراً؟
هذا صحيح، لكن ليس معنى ذلك أن القنوات التلفزيونية العربية لم تطلب عرضه، إنما كان التأخير بسبب أن القنوات التي طلبت عرضه اشترطت أن يكون في رمضان المقبل لوجود أعمال أخرى دخلت خريطة العرض في رمضان الفائت، ما أدى إلى عرضه مؤخراً على قناة أبوظبي الأولى .
ألا ترى أن جهة الإنتاج تعجلت في عرضه، خاصة أن أي عمل يعرض في رمضان يزيد من نجومية كل الأفراد الذين عملوا به؟
عرض المسلسل على تلفزيون أبوظبي نجاح كبير لكل العاملين فيه، أما حكاية العرض في رمضان فأنا ضدها، لأن كل أيام السنة صالحة للعرض، وهذا الأمر راجع للقنوات الفضائية التي أصبحت تعلن أن العمل يعرض عليها حصرياً، ويتوهم البعض أن العرض خارج هذا الشهر بمثابة حرق للعمل، ما يجعل بعض الفنانين يتسابقون لعرض أعمالهم خلال رمضان، وبالتالي تكون هناك تخمة في المسلسلات تدفع بالمشاهد إلى الصراخ من عدم قدرته على المشاهدة والمتابعة . ونحن في من غير ليه لا نقدم ما يعرفه الناس، إنما نقدم ما نسوه بسبب الحياة العصرية القاتلة .
ولكن فكرة العمل عادية، فما الجديد؟
العمل جديد جداً، وعصري جداً، وتدور فكرته حول تحكيم الضمير والعقل للوصول إلى الكمال، وتأكيد أن الأخلاق إذا سبقت الأفعال، فإننا لن نرتكب الخطأ، من خلال خطوط درامية مشوقة وأبطال صوروا ما في الورق بحرفية شديدة جداً منهم الفنانة منى واصف، وعبير شمس الدين، وعمر حاجي، وسليم كلاس، ووفاء موصلي وغيرهم .
ولماذا لجأت إلى التصوير بطريقة السينما؟
التصوير في الأعمال التلفزيونية بطريقة السينما، أصبح مناسباً فنياً، بشرط أن يكون المخرج دارساً للسينما، لأن الأمر لا يتوقف على استخدام الكاميرا الواحدة فقط في التصوير والتنقل بها ما بين مشهد وآخر، وإنما أن يكون التصوير بطريقة السينما المتعارف عليها عالمياً حتى لا يصبح الكادر مصوراً بما يشبه التصوير بثلاث كاميرات .
وما الهدف من استخدام الكاميرا الواحدة في التصوير؟
الوصول بجمال الصورة التلفزيونية المعروفة إلى روعة الصورة السينمائية التي أصبح كل الناس يعشقون مشاهدتها .
العمل يفتقر إلى تفرع الخطوط الدرامية وتشابكها، ما الهدف من اتباعك مدرسة التطوير الدرامي الحديث رغم أن المشاهد العربي قد يمل منها في بعض الأحيان؟
هذا الكلام صحيح مائة في المائة، لأنني بالفعل اتبعت مدرسة التطوير الدرامي الحديث الذي يعتمد على التطوير الكلي على خط درامي واحد، أي تحرك كل الخطوط الدرامية على خط درامي واحد من دون صنع خطوط هامشية أو فرعية، في حين تتشابك كل الشخصيات .
لكن هذا التطور الدرامي لا يستخدم في كل الأعمال الدرامية إنما في بعض الأعمال ذات الأبعاد النفسية، وأنت تقدم حباً وغدراً وأشياء أخرى؟
لا أختلف مع هذا الكلام، لكن فكرة مسلسل من غير ليه تستوعب هذا الأسلوب الجديد، لأنها أقرب إلى القصة القصيرة التي تكون كطلقات الرصاص في أحداثها التي تتجمع كلها في حدث واحد، بالإضافة إلى أن كل حلقة من المسلسل تختلف عن الحلقات الأخرى في أحداثها .
العمل نتاج ورشة سيناريو، خاصة أن المقدمة مكتوب عليها أكثر من مؤلف، بالإضافة إلى اشتراكك في الكتابة، هل أنت مؤمن بفكرة مسلسلات ورش كتابة السيناريو؟
الكتابات الحديثة كلها مشاركات ونتاج هذه الورش، التي يشرف عليها دائماً كاتب متخصص، يوجه ويدعم، وأفضل إنتاج هذه الورش لأن العمل الذي يكون وراءه أكثر من خمسة عقول يحمل وجهات نظر صحيحة ومتعددة، وتصل في النهاية إلى وجهة نظر واحدة يحددها المشرف على الكتابة .
البعض يرى أن اللجوء إلى التطوير الكلي من خلال خط واحد من دون تفرع الخطوط الدرامية خوف من الفشل، وهو ما فعلته أنت، ما رأيك؟
عندما يكون العمل الدرامي 30 حلقة، ويدور حول قصة واحدة فإن ما قلته ينطبق على المخرج والمؤلف، أما استخدام هذا الأسلوب في عمل مثل من غير ليه وينتقد فأنا آسف جداً أن أقول إن من يردد ذلك لا يفهم توظيف المدرسة الجديدة في الدراما وتكنيكها . والكتابة الحديثة تقول إن الخط الفرعي المتفرع عن الخط الرئيسي في الدراما لابد أن يكون داعماً له لتقوية الصراع وهو ما لا يمكن عمله في قصة محدودة وحلقات تحمل كل منها قصة جديدة همها المضمون الإنساني .
أخرجت عملين إماراتيين هما الواحدة بعد منتصف الليل وشعراء المعلقات وفي مصر أخرجت شمس منتصف الليل، وجبال النار الذي يرصد مرحلة الفتوحات الإسلامية، ثم اتجهت للإخراج في سوريا، لماذا لم تركز في الدراما الإماراتية خاصة أنك إماراتي؟
أنا مؤمن بأن عمل المخرج لا يتحدد بمكان، لأن قوانين الإخراج واحدة في العالم، لكن الاختلاف في الموضوعات التي تقدم، فمسلسل الواحدة بعد منتصف الليل من إنتاج مؤسسة الخليج للأعمال الفنية في دبي، وكل الممثلين فيه مصريون، ما يجعلني أصنفه بالمصري وليس بالإماراتي رغم أنه نفذ في الإمارات، وذلك لأن الحس العام فيه مصري والمضمون أيضاً . ولأصوّر عملاً في دبي أو أي مكان آخر لابد أن أظهر الروح الإماراتية والبيئة الإماراتية .
ألذلك ابتعدت؟
لم أبتعد، ويكفي أنني مخرج إماراتي له بصمة في الإخراج في سوريا ومصر، وهذا ما يهمني، بدليل أن الهنود لهم بصمة في السينما والأمريكان أيضاً لهم بصمة، فلماذا لا أكون إماراتياً صاحب بصمة في الدراما العربية؟
لكننا سمعنا أن ابتعادك راجع إلى المسؤولين عن الإنتاج في الإمارات الذين يصنفونك بأنك مخرج أعمال تاريخية؟
يمكن أن يكون لديهم هذا الاعتقاد، خاصة أن بداياتي كانت تاريخية، لحبي للتاريخ الذي حاولت ربطه بالواقع المعاش وإسقاطه عليه وأعرّف الناس بالانكسار الذي حدث للأمة الإسلامية في الأندلس، لأسباب بسيطة جداً، بالإضافة إلى سعيي لإحياء اللغة العربية المرتبطة بالهوية .
ولماذا لا تقدم على إخراج أعمال مرتبطة بالهوية الإماراتية؟
حالياً أقوم بتجميع دراسات عن الهوية والتراث الإماراتيين اللذين اعتبرهما ذاكرة أمة .
لكن هناك أعمالاً درامية إماراتية قدمت هذا التراث؟
أنا لا أقتنع بأن يكون التراث الإماراتي خلفية في المشهد، هل هذا هو التراث الذي يجب أن يكون هو نفسه الحدث الذي يدور حوله العمل؟ تقديم مثل هذه الأعمال مسؤولية هائلة على من يتعرض لها أن يتسلح بالعلم أولاً، بالإضافة إلى خبراء .
معظم الكتّاب الذين تعمل معهم شباب، لماذا تفضل العمل معهم؟
غالبية هؤلاء الشباب دارسون لكتابة السيناريو ومن المعروف أن السيناريو ركيزته الأساسية النص وهو ما أراه لديهم، لإيمانهم بخطورة السيناريو، وفي حالة اطلاعي على نص ضعيف مهلل في بنائه الدرامي وشخوصه غير مكتملة أرفضه فوراً ولا يمكن أن أقبل التضحية بتاريخي .
العمل التراثي الذي تجهز له حالياً، أين الجهة التي تنتجه؟
لا توجد جهة، ولا يمكن أن أعرضه على أي منها، لأن أخلاق الفنان لا تسمح بأن يعرض نفسه، وأؤكد أنني موجود في دبي وأرقام هواتفي لدى الجميع ومَن يريد العمل معي أهلاً به، وكلهم أصدقائي سواء المسؤولين عن الدراما في تلفزيون دبي، أو في تلفزيون أبوظبي .
وما الذي يحزنك؟
أن أكون مطلوباً للعمل في سوريا ومصر، وغير مطلوب في بلدي .
ما رأيك في ما شاهدته مؤخراً من أعمال سينمائية في الخليج؟
السينما صناعة مكلفة، بحاجة إلى حكومات تقف خلفها، ولابد أن يعرف الجميع أن حضارة أي بلد تقاس بفنها .
وما يقدم عبارة عن تجارب لا ترقى إلى وصفها بالأعمال السينمائية المكلفة في إنتاجها .