يشهد العام 2010 الذكرى العاشرة لتأسيس سوق دبي المالي (شهر مايو) و سوق أبوظبي للأوراق المالية (شهر نوفمبر)، اللذين يكونان نواة أسواق المال الإماراتية التي نعرفها اليوم تحت مظلة هيئة الأوراق المالية والسلع . وكانت التداولات في الأوراق المالية قبل تأسيس الأسواق المالية تتم من خلال السوق الموازي منذ العام ،1984 حيث يتم تداول شهادات الأسهم بشكل يدوي بين المستثمرين من خلال شركات وساطة مالية مرخصة من المصرف المركزي . وكنا كشركات وساطة مرخصة لا يتجاوز عددنا 5 شركات وساطة، كل منا لديه لائحة سعرية للأسهم متفردة بها تختلف أو تتوافق مع غيرها .

رغم أنه عند تأسيس أسواق المال الرسمية في العام ،2000 اختلفت أراء العديد من المستثمرين و المتعاملين والمراقبين على فائدتها وقدرتها على النجاح وما قد تحققه من إنجازات للمشاركين فيها من شركات مساهمة عامة مدرجة ومستثمرين، إلا أنني أعتقد أن هناك اتفاقاً جماعياً اليوم على أن هذه الأسواق أصبحت جزءاً أساسياً من تكوين اقتصادنا الوطني وتطوره خلال السنين التي مرت، كما سيستمر وينمو دورها في تطوير الاقتصاد الوطني خلال السنوات القادمة . ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، كيف ستتطور أسواقنا المالية خلال السنوات العشر القادمة؟ وهل وصلت إلى مرحلة أصبح اندماج سوق أبوظبي للأوراق المالية وسوق دبي المالي في سوق مالية موحدة أمراً حتمياً وضرورياً لنموها وتطورها وأن تأخذ مكانها الطليعي بين أسواق المنطقة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال، في رأينا، هي: نعم و بدون شك . وسنحاول من خلال سردنا لتاريخ الأسواق المالية منذ العام 2000 وحتى يومنا هذا أن نوضح وجهة نظرنا في قناعتنا على ضرورة أخذ هذه الخطوة بالقريب العاجل .

شهدت أسواقنا المالية خلال السنوات العشر الماضية العديد من الأحداث المهمة التي اسهمت في تكوينها ونموها إلى ما وصلت إليه اليوم . فقد كانت عند بدايتها بطيئة في تداولاتها نتيجة لقلة الشركات المدرجة فيها وقلة شهادات أسهم المساهمين المودعة في مقاصتها الإلكترونية . ثم انتقلت إلى المرحلة التالية مع نهاية العام 2003 وبداية العام ،2004 حيث بدأنا نرى ارتفاعاً في أحجام التداولات مع إدراج معظم الشركات المساهمة العامة في الأسواق المحلية وبدء تقبل المستثمرين أكثر لفكرة إيداع شهاداتهم في هذه الأسواق و التداول من خلالها . ومن ثم رأينا استمرار دخول كثير من الشركات المساهمة العامة الجديدة لتلك الأسواق مما ساعد في نمو عدد الشركات المدرجة فيها وتنويع القطاعات التي تغطيها ومن ثم جذب سيولة المستثمرين إليها . ومع كل عام كان يمر، كنا نجد هناك تصاعداً كبيراً في نشاط تلك الأسواق، سواء من عدد الشركات المدرجة أو عدد شركات الوساطة المالية العاملة أو أعداد المستثمرين المسجلين فيها، مما ساعد على ارتفاع المؤشرات السعرية للأسواق إلى أعلى نقاط سجلتها منذ تأسيسها وارتفاع أحجام التداولات حتى بلغت ذروتها في العام 2005 لتتجاوز 509 مليارات درهم في كلا السوقين . و استطاعت الأسواق المالية خلال تلك الفترة أن تجذب سيولة استثمارية كبيرة ليست محلية فقط وإنما سيولة إقليمية أيضا، خاصة من المستثمرين الخليجيين والعرب الذين دخلوا كلاعب رئيسي في أسواقنا في تلك السنة . وطبعاً ما لم يعرفه الكثيرون خلال تلك المرحلة أن وراء كل ارتفاعات كبيرة هناك تراجعات قد تكون بنفس الحجم، لذلك وجدنا مع نهاية العام 2005 انفجاراً للفقاعة التي شهدتها الأسواق المالية مما أدى إلى تكبد المستثمرين خسائر كبيرة كانت التجربة الأولى لأسواقنا المالية الحديثة التكوين، تخوف الكثيرون من عدم قدرتها على النهوض منها . إلا أن هذه هي طبيعة عمل الأسواق المالية عبر السنين ومن صميم تكوينها، سواء كانت عالمية متقدمة، أو عالمية واعدة، أو إقليمية ناشئة . فلا ترى ارتفاعات كبيرة سريعة ومبالغ فيها لأسعار الأسهم إلا ويتبعها انخفاض كبير و سريع، خاصة إذا كان هذا الارتفاع يتجاوز الأساسيات والمعطيات الحقيقية لأداء الشركات وأرباحها خلال تلك الفترة . ومع كل عام يمر ومرحلة يتم تجاوزها، كنا نجد إدارات سوقي أبوظبي ودبي الماليين تقوم بتطوير أدائها وتطوير فرقها الإدارية وأنظمتها وقوانينها والأدوات الاستثمارية التي تدرجها لتواكب التحديات الجديدة وتستفيد من التطورات والنمو في خدمات الأسواق المالية في المنطقة والعالم . وفي رأينا أن تجربة الأسواق في العام ،2005 بحلوِها ومرها، مثلت الانطلاقة الحقيقية لأسواق المال الإماراتية و ساهم في نضوجها ووضعها على خارطة الأسواق المالية الإقليمية الرئيسية، و استطاعت أن تقنع الغالبية من المتعاملين والمسؤولين على أهمية وجود الأسواق المالية و دورها الحيوي في تكوين اقتصاد الدولة .

ومع انتهاء العام 2005 بدأت مرحلة تضميد جراح المستثمرين والعودة إلى الاستقرار في الأسواق المالية خلال النصف الثاني من العام 2006 وحتى بداية العام ،2007 عندما وجدنا أن الاستثمار المؤسساتي الأجنبي بدأ ينظر إلى الاستثمار بأسواقنا المالية جديا والاستثمار في أسهم شركاتها . ووجدنا هذا المستثمر المحنك يقوم بعمليات متابعة ودراسة وفحص وتدقيق في قوانين الأسواق المالية وأنظمتها، وطبعاً في أداء الشركات المساهمة العامة المدرجة فيها وتقييماتها العادلة و خاصة القليل منها في ذلك الوقت الذي كان يسمح بالاستثمار الأجنبي المباشر فيها، وسهولة الشراء والبيع فيها، حيث أن هذا النوع من المستثمرين يحسب سهولة الخروج من الاستثمار قبل أن يحدد ما هو حجم الاستثمار الذي سيضخ فيها .

وكانت هذه مرحلة جديدة من مراحل تطور الأسواق المالية المحلية، حيث قررت إدارة سوق دبي المالي أن تحول السوق إلى شركة مساهمة عامة برأس مال 8 مليارات درهم، تمتلك الحكومة 80% منه، ويتم عرض الباقي للاكتتاب العام ليتم إدراجه في النصف الأول من العام ،2007 وليصبح سوق دبي المالي أول سوق مالية إقليمية تتحول إلى شركة مساهمة عامة، في خطوة أثبتت نجاحها خلال السنوات التي تلتها حيث استطاع هذا السهم أن يكون من ضمن أول خمسة أسهم الأكثر تداولا في السوق .

ومن ثم بدأنا نرى دخول الاستثمار المؤسساتي الأجنبي، خاصة صناديق التحوط Hedge Funds إلى أسواق المال المحلية، واستطاعت بفترة قصيرة أن تبني مواقع استثمارية متعددة في الشركات المساهمة التي كانت تسمح بالاستثمار الأجنبي المباشر فيها، وأصبحت لاعبا مهما في تحريك الأسواق المالية وإعادة الانتعاش التدريجي لها . وفرض دخول هذا المستثمر المؤسساتي الأجنبي على الجهات التنظيمية والجهات الإدارية في الأسواق أن تسارع في تطوير العديد من الأنظمة واللوائح المهمة لتستوعب هذا المستثمر وتستمع إلى اقتراحاته ومطالباته في تطوير أنظمة تسهل التداول في الأسواق المحلية لتستطيع أن تواكب الأسواق المتقدمة والأنظمة العاملة فيها وخاصة فيما يختص بأنظمة الإفصاح والشفافية وإيجاد أنظمة جديدة أخرى مثل الحافظ الأمينThe Custodian ونظام ال Delivery Versus Payment (DVP) والتي كانت ضرورية لجذب المزيد من سيولة المحافظ الأجنبية للاستثمار في الأسواق المحلية . وقد فرضت تلك الفترة على جميع عناصر الأسواق المالية تحديث و تطوير أنظمتها القانونية و الإلكترونية والإدارية لتواكب متطلبات المستثمر الأجنبي . فوجدنا العديد من الشركات المساهمة تقوم بأخذ الموافقات على السماح للمستثمر الأجنبي في الاستثمار في كثير من الشركات المساهمة الإماراتية وبنسب تفاوتت من 15%-49% من رأس مال تلك الشركات، ووجدنا مستويات الإفصاح والتزام الشركات المساهمة بالإعلان عن نتائجها في الفترات المحددة ترتفع، كما وجدنا شركات الوساطة تقوم بمحاولة رفع مستوى خدماتها وكفاءتها وأنظمتها لتستطيع أن تجذب هذا المستثمر الأجنبي والتعامل معه والاستفادة من حجم تداولاته في الأسواق المحلية .

وبالفعل بدأت تلك المحافظ الأجنبية بلعب دور مهم في تحريك أسواقنا المحلية حتى وصلت إلى أعلى نقاطها في شهر يناير من العام ،2008 حيث شهدت أسواق المال الإماراتية تداولات تجاوزت 100 مليار درهم في ذلك الشهر وحده . وسجلت أسواق المال الإماراتية أعلى مستويات تداول في تاريخها منذ إنشائها لتتجاوز 537 مليار درهم في ذلك العام .

ولكن مع بدء ظهور أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية مع نهاية العام 2007 وبداية العام 2008 ومع ما تبعه من انهيار لشركة ليمان براذرز في الربع الثالث من العام ،2008 وجدنا أن هذا المستثمر المؤسساتي الأجنبي الذي كان له دور بناء ومهم في تطوير أسواقنا في العام الذي سبقه، بدأ يقوم بعمليات انسحاب كبيرة لاستثماراته من الأسواق الخارجية بشكل عام وأسواق الإمارات بشكل خاص في محاولة للعودة للانكماش في سوقة المحلي للدفاع عن بقائه وإغلاق الثغرات الموجودة لديه سواء كانت مادية أو نظامية، مما أدى إلى سحب سيولة كبيرة من النظام المصرفي ومن أسواق المال تراوحت ما بين 170-200 مليار درهم في فترة ثلاثة أشهر ما بين نهاية الربع الثاني والربع الثالث من العام 2008 .

ومنذ نهاية العام ،2008 تعيش الأسواق المالية تذبذبات سعرية على فترات متباعدة مرتبطة بتأثير الأزمة العالمية على الاقتصاد المحلي وتأثير انخفاض مستويات السيولة المحلية على أداء الشركات في قطاعي العقار والبنوك وتراجع نسب نموها في العام 2009 خاصة . وفرضت هذه الفترة من التراجع الاقتصادي على إدارات الفعاليات الاقتصادية المختلفة إعادة حساباتها، ووجدناها تحاول إعادة تنظيم أوراقها، ووجدنا معظم شركات الوساطة المالية خاصة، نتيجة للانخفاضات المتواصلة في أداء الأسواق وأحجام التداولات فيها، تعاني الأمرين للتكيف مع التحديات الجديدة وانخفاض إيراداتها الكبير مما دفع الصغير منها إلى الانكماش وحتى الإغلاق فيما ظهرت تجربتان لعمليات اندماج بين شركات وساطة لم تظهر نتائجها حتى الآن .

وخلال تلك السنوات كانت ترتفع المطالبات، وبفترات متقطعة، من جميع المتعاملين في الأسواق المالية بضرورة دمج سوقي دبي وأبوظبي الماليين تحت إشراف ورقابة هيئة الأوراق المالية والسلع لتكوين سوق الإمارات المالي أو بورصة الإمارات أو ما شابهها من تسميات . وبغض النظر عن المسمى لعملية الاندماج، إلا أن مبدأ الفكرة وأهمية تنفيذها والفوائد التي ستجنيها جميع الجهات المرتبطة بها يتفق عليها الغالبية العظمى من المسؤولين والمختصين .

إن المرحلة الحالية التي تعيشها اقتصادات العالم والتي بدأت نتيجة للأزمة العالمية نهاية العام ،2008 من حالة تخبط وانقسام و إعادة هيكلة، خاصة اقتصاديات الدول المتقدمة، فرضت على حكومات العديد من الدول التدخل لحماية أنظمتها المالية من الانهيار . كما أن توسيع مجموعة الثمانية G8 إلى مجموعة العشرين G20 لتشمل المزيد من اقتصادات الدول الناشئة Emerging Markets، لأكبر دليل على قناعة تلك الحكومات بتحول ميزان القوى الاقتصادي نحو الشرق و على ضرورة إعادة النظر بالعديد من الأنظمة و القوانين المنظمة للتعاملات المالية و قوانين الرقابة والمخاطرة في أسواق المال العالمية .

كما أنه في العام 2010 وفي ظل ظهور بوادر أولية لبدء تعافي اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية وعودة نسب النمو الجيدة في اقتصادات الصين والهند، وتأكيد المسؤولين في أكثر من محفل منذ بداية العام على قدرة اقتصاد دولة الإمارات على التعافي وتحقيق نسب نمو في الناتج المحلي الإجمالي بحدود 2،5% تقريبا، بالرغم من التحديات التي واجهها هذا الاقتصاد من نتائج الأزمة المالية العالمية خلال ال 18 شهر الماضية، في جميع القطاعات سواء كانت المالية أو العقارية أو الخدماتية . فأنه في اعتقادنا، أن الوقت الآن قد يكون هو الأفضل لإنجاح عملية اندماج سوقي دبي وأبوظبي الماليين تحت راية سوق الإمارات المالي التابع لهيئة الأوراق المالية والسلع، وجعله أولوية على المدى القصير في ظل توافق الكثير من العوامل الرئيسية لتحقيق هذا الإنجاز، أهمها ما نسمعه عن وجود رغبة حقيقية لدى القائمين على كلا السوقين لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي في هذا القطاع الحيوي المهم في تكوين الاقتصاد الإماراتي . وفي رأينا أن هذا التحول أصبح يمثل فرصة لأسواق المال في المنطقة بشكل عام، ودولة الإمارات بشكل خاص، لتلعب دوراً أكبر في جذب السيولة العالمية المتنقلة من الغرب إلى الشرق مرورا بمنطقتنا عبر إيجاد سوق مالية أكبر و أقوى، ناتجة عن اندماج سوق أبوظبي للأوراق المالية وسوق دبي المالي (الذي أصبح يشمل بورصة ناسداك دبي أيضا)، لتستطيع أن تستوعب السيولة الكبيرة المتنقلة عالميا حاليا، و تستطيع أن تكون كيانا ماليا مهما قد يكون الثاني أو الثالث في المنطقة من حيث القيمة السوقية المدمجة لأسواقه، حيث أن القيمة السوقية المدمجة لسوقي أبوظبي ودبي الماليين حاليا تقارب 110 مليارات دولار أمريكي تقريبا ليأتي في المركز الثاني في المنطقة بعد السوق السعودية التي تبلغ قيمتها السوقية 354 مليار دولار وقبل السوق الكويتية التي تبلغ قيمتها السوقية 99 مليار دولار . كما أن دمج السوقين سيجعلهما في موقع أقوى في مفاوضاتهم مع البنوك الاستثمارية وشركات التصنيف العالمية لضمها ضمن مؤشر الأسواق الناشئة الرئيسية مثل مؤشر MSCI ومؤشر S P مما سيدفع بكثير من السيولة للاستثمار في أسواقنا كون مدراء المحافظ العالمية سيحتاجون للاستثمار فيها ليواكبوا حركة تلك المؤشرات .

وعلى الرغم من أن هناك بعض الصعوبات التي قد يراها البعض في إتمام عملية الاندماج ما بين السوقين، إلا أن حلها ليس صعبا ويمكن تجاوزه إذا وجدت الرغبة الحقيقية من المنفذين للمشروع وتكاتفت الجهود الصادقة لحل هذه المصاعب سواء فنية كانت أو إدارية . لأنه في رأينا أن ايجابيات تنفيذ هذه الخطوة أكبر بكثير من أية تحديات أو سلبيات قد تطرأ، خاصة إذا وضعت المصلحة العامة لاقتصاد دولة الإمارات قبل المصلحة الخاصة . وإذا كانت قناعة المنفذين للمشروع بأن عملية الاندماج ستعود بفوائد جمة على تطور الأسواق المالية في الدولة ونموها وعلى المستثمرين المحليين وعلى الشركات المساهمة العامة المدرجة فيها، الذين تأسست الأسواق لخدمتهم بالدرجة الأولى .

وفي رأينا انه من الناحية الفنية أن السوقين يتبعان للأنظمة والقوانين الخاصة بهيئة الأوراق المالية والسلع، ولكونهما يعملان بنفس نظام المقاصة الفنيCentral Depository ونفس نظام رقم المستثمر الفريد NIN، وحيث إن الأنظمة الالكترونية متوافقة بين السوقين، فإنه من السهل القيام بعملية الدمج لنظام المقاصة وأنظمة التداول في السوقين . كما أنه في ظل ما حصل من قيام سوق دبي المالي بشراء بورصة ناسداك دبي (التي تتبع أنظمة وقواعد سلطة دبي للخدمات المالية) وقيامها بعمليات دمج أنظمة المقاصة ما بين السوقين برغم اختلافهما الكبير في كيفية تعاملهما مع المستثمرين، كون بورصة ناسداك دبي أعدت للتعامل مع الاستثمار المؤسساتي فقط، بينما أنظمة سوق دبي المالي أعدت للتعامل مع نظام الاستثمار الفردي والمؤسساتي معاً عن طريق الNIN ، ومع اقتراب رؤية نتائج هذا الاندماج خلال الأسابيع القادمة تحت نظام تداول واحد يجمع السوقين ويجمع المقاصتين، فإن هذا برأينا سيظهر بشكل واضح سهولة اندماج سوقي دبي وأبوظبي الماليين، فنيا، ضمن سوق واحدة وقاعات تداول متعددة في الإمارات المختلفة تحت راية سوق الإمارات المالي مستفيداً من الخبرات التي يملكها الفريقان في كلا السوقين لتكوين سوق أقوى وأكبر وأشمل من كل سوق على حدة، ومستفيدة من كفاءات الأفراد العاملين فيهما والخبرات التي تولدت لديهما خلال السنوات العشر الماضية ليتجاوزا الكثير من التحديات التي قد يحتاجان لتخطيها ضمن عملية الاندماج .

وأما في ما يتعلق بكون سوق دبي المالي شركة مساهمة عامة مملوكة لحكومة دبي بنسبة 80% من رأس المال و20% لمساهمين مختلفين محليين وأجانب، وسوق أبوظبي للأوراق المالية هي سوق مملوكة لحكومة أبوظبي بالكامل، فإن هذه الأمر لا يمثل عائقا كبيرا أمام عملية اندماج الأسواق في رأينا، كون إدارة السوق تستطيع في سوق دبي المالي إظهار الفائدة الكبيرة التي ستعود على المساهمين في حال تمت عملية الاندماج، والتي ستعوضهم عن انخفاض حصتهم في السوق المدمجة الجديدة . أو إيجاد حلول مالية أخرى تبين أن العائد المادي الذي سيحصلون عليه من السوق المدمجة الجديدة سيعوضهم عن انخفاض حصتهم في تلك السوق، كون العائد لهذا المستثمر يرتبط بأحجام التداول التي ستحققها تلك الأسواق، وبالتالي في ظل اندماج السوقين سيستطيع المستثمر ان يستفيد مباشرة من النمو في ارتفاع أحجام التداول الناتج عن عملية الاندماج .

كما أنه في رأينا أن هذه السوق في حال الاندماج يمكنها أن تكون البورصة الرائدة في العالم العربي، كونها قد تتضمن أنظمتها وقوانينها وتشريعاتها كافة احتياجات الشركات المحلية والعالمية الراغبة في أدراج أسهمها بالأسواق المالية كونها ستوفر لهم المرونة في اختيار إدراجها في البورصة المحلية حسب القوانين المحلية التابعة لهيئة الأوراق المالية والسلع أو القوانين العالمية في البورصة العالمية (بورصة ناسداك دبي الحالية) حسب الأنظمة التابعة لسلطة دبي للخدمات المالية، مع الوصول إلى كل قاعدة المستثمرين فيهما، وهي مرونة غير متوفرة في أسواق المنطقة الأخرى . وهذه الخاصية الفريدة ستجذب الكثير من الشركات المحلية والعالمية لإدراج أسهمها في السوق المدمجة الجديدة بما يناسب احتياجاتها، مما سيزيد من عمق السوق المالي ويجذب سيولة جديدة إليه، مستفيدة من عدد المستثمرين الكبير الذين يتعاملون في السوق المالية الجديدة والذين سيتجاوز عددهم 800،000 مستثمر حسب الأرقام المتوفرة حاليا .

ومثلما كانت هناك اختلافات في وجهات النظر من ضرورة وفوائد إنشاء سوقي دبي وأبوظبي الماليين في العام ،2000 إلا أن الوقائع أثبتت الفوائد التي حققها تأسيس هذه الأسواق على الاقتصاد الوطني خلال السنوات العشر الماضية تجاوزت بكثير سلبياتها . وفي رأينا أن عملية الاندماج بين السوقين، إن بدأت في العام ،2010 ستمثل انجازاً إضافياً جديداً وحقيقياً في مسيرة تكامل وتطوير الاقتصاد الوطني وجعل هذه السوق القاعدة التي سينطلق منها تعافي هذا الاقتصاد خلال الشهور والسنوات القادمة وسيعود بالفائدة على كل المتعاملين فيه من شركات مساهمة وشركات وساطة وجهات تنظيمية وكفاءات، ويصبح لديه القدرة على أن ينافس الأسواق الإقليمية الأخرى بشكل أكبر .

وفي النهاية، نود تشبيه أسواق المال بالبحر لما يمثله البحر من عنصر أساسي في تاريخ دولة الإمارات وشعبها . البعض قد يحبه والبعض قد يخافه، البعض يستخرج منه قوته اليومي، والبعض يريد أن يأكل من خيراته، والبعض يريد أن يتسلى فيه والبعض يريد أن يستغله . البعض قد يجعله حياته والبعض رأى فيه نهايته . البعض يذهب إليه كل يوم، والبعض يذهب إليه كل أسبوع أو كل شهر أو حتى على فترات أبعد . وهذا البحر يكون جميلاً عند هدوئه، وقد يكون مخيفاً عند هيجانه . من كانت لديه الخبرة في ارتياد البحر سيعرف متى يبحر ويستمتع به وسيعرف متى يبتعد عنه ويبقى خارجه، سيعرف متى يعانده ومتى يهادنه، وهذا هو الشخص الذي سيستطيع أن يحقق أكبر استفادة منه . ولكن الشيء المؤكد أننا لا نستطيع أن نستغني عن البحر لفترات طويلة، حتى ولو كان فقط للنظر إليه والتمعن فيه للمدى البعيد . وكما نعرف أننا في مجتمع دولة الإمارات علاقتنا مع البحر قديمة جداً ولا تنتهي وقد كان في كل فترة من ذلك التاريخ يعتمد عليه الناس في قوتهم وفي دخلهم سواء في الماضي عندما كانت صناعة اللؤلؤ هي الرائدة، أو حديثا حيث نستخرج منه الكثير من الثروة النفطية التي هي عماد اقتصاد هذه الدولة .

وبالتالي كلما كبر هذا البحر كلما ارتفعت قيمة المنطقة المحيطة فيه وكلما زادت الرقعة التي يمكن الاستفادة منها في المستقبل . وبالتالي فإننا نرى أن اندماج أسواق الإمارات حتى في ظل نظامين تنظيميين لهيئة الأوراق المالية والسلع وسوق دبي المالي وقاعات تداول مختلفة تغطي الإمارات هو التحرك المنطقي والمفيد والمناسب لأخذ هذه الأسواق إلى المرحلة القادمة ونقطة التطور القادمة التي قد تحملها السنوات العشر القادمة .

* الرئيس التنفيذي لشركة شعاع للأوراق المالية