قصص كثيرة نقرأها ونسمع عنها، تفاجئنا بقسوة قلوب بعض الآباء والأمهات، وتفتح أعيننا على انعدام الوعي لديهم، ولعل أشهرها قصة الأب الذي ترك طفلته تعيش وحيدة في غرفة مظلمة بلا رعاية ولا طعام ليتوقف نموها وتعاني ضموراً في جسدها وعقلها والأب الذي ضرب طفلته ضرباً مبرحاً حتى الموت، والأم التي عاقبت طفلتها بحرقها في أنحاء متفرقة من جسدها لأنها كشفت عن بعض ملابسها لزميلتها الطفلة، وغيرها من القصص التي تؤكد أن من بين أولياء الأمور الذين يفترض أن مهمتهم توعية أولادهم، يفتقرون هم أنفسهم للتوعية وأساليبها، وأنهم بحاجة لوعي أكبر في هذا الجانب، وهو ما يظهر بوضوح في قسوتهم في التعامل مع أبنائهم وعقابهم بطرائق وحشية قد تنتهي بموتهم أو اصابتهم بعاهات مستديمة . في هذا التحقيق ناقشنا الظاهرة مع البعض الذين تعايشوا مع قصص مؤلمة ممن يمتلكون الخبرة في هذا المجال بحكم عملهم .
ترى شمة سعيد، ربة منزل، أن العقلية العربية من الصعب عليها تقبل الخطأ بسهولة، حيث تتصرف أمهات كثيرات بلا وعي ولا تفكير حين يعلمن بمواقف حدثت مع أبنائهن، وعن أحد المواقف تقول: حدث مع إحدى قريباتي موقف مؤلم، حيث دخلت غرفة ابنتها الصغيرة ووجدتها تلعب مع ابنة خالتها ذات السنوات الخمس لعبة الطبيب والمريض، ما جعلها تكشف عن بعض المناطق من جسدها، وحين رأتهما قريبتي انهالت عليهما بالضرب، وصرخت فيهما وعاقبتهما، وتسببت منذ ذلك اليوم في قطيعة بينها وبين أختها لأن ابنة أختها أصيبت منذ ذلك اليوم بتبول لا إرادي وخوف شديد، حتى حين تشعر بحاجتها للذهاب إلى الحمام، وها هي الطفلة لا تزال تعاني الخوف، وكان الأجدر بالأم أن لا تهول الأمور، وأن تنصح البنتين بهدوء وتناقشهما بحكمة حتى تستوعبا الأمر، وتضيف شمة: المشكلة في أننا نفتقد الوعي في التعامل مع الأمور، وننفعل بدرجة كبيرة تفقدنا صوابنا .
وعن سبب ذلك تقول: بُعد الأم عن أطفالها واعتمادها على الخدم في تربيتهم، حيث تتوقع أن كل الأمور تسير على ما يرام، لتفاجأ بأحد المواقف التي تفقدها عقلها لتتصرف بطريقة بلا وعي، ما يتسبب بالأذى النفسي والجسدي للأطفال، برغم أن الأم هي من يستحق ذلك العقاب لإهمالها .
وتضيف: استغرب كيف تصل قسوة القلب إلى أن تؤذي أم ابنتها بطريقة وحشية أو يعاقب أب أبناءه بطريقة وحشية، وهؤلاء الآباء والأمهات بحاجة لتوعية حقيقية . وعن أسباب عدم معرفة الأبوين لطرائق التعامل مع الأطفال تقول: زواج صغيرات السن وعدم الاعتماد على النفس هما السبب، إلى جانب انشغال الأب بأمور أخرى وترك المسؤولية للزوجة .
وتتحسر شمة على الحياة السابقة التي كانت فيها الزوجة تشارك أهل زوجها السكن في المنزل نفسه لتتعلم من والدة زوجها طريقة تربية الأبناء والاهتمام بهم، أما حالياً فقد انفردت كل زوجة ببيتها وبدأت الظواهر الاجتماعية السيئة بالظهور .
ويعجب رعد زهران، مندوب مبيعات لمستحضرات العناية بالبشرة، من حال المجتمع اليوم، حيث ذكر أن القصص التي نقرأها اليوم تدمي القلوب من قسوتها، ومن خلال خبرته في مجال عمله يقول: تنشغل الزوجة بالواجبات والمظاهر الاجتماعية وتنسى دورها كأم، ولا تشغل نفسها بأمور منزلها وأطفالها، وحين يحصل مكروه لابنها أو ابنتها كالتحرش مثلا، تثور ثائرتها ولا تتصرف بحكمة، لتصرخ وتضرب وتعنف وتوبخ، ما يزيد الأمر سوءاً ويجعل الأبناء يتجنبون إخبارها في المرات المقبلة إن تكرر الأمر مع أحدهم، وهذا في حد ذاته مشكلة أكبر، حيث نفتقر لثقافة توعية الأبناء، ونتصرف بناء على انفعالاتنا .
وعن أساليب العقاب التي يتخذها بعض الآباء والأمهات يقول: البعض يتفنن في تعذيب الأبناء، ولا يشعر بالألم لأنه بعيد عن أبنائه، ولو كان قريباً منهم لمنعه ذلك القرب من مجرد التفكير في أذيتهم . ويضيف: في مجال عملي أتعامل مع سيدات كثيرات، وأتعجب من الطريقة التي يتعاملن بها مع أطفالهن، حيث تقوم بعضهن بضرب الابن لمجرد لمسه للمستحضر الذي اشترته، أو تصرخ في وجهه أو تدفعه بعيداً . هذه النوعية من السيدات لا يفكرن مجرد تفكير في تأثير هذا الموقف على أطفالهن، والإحراج الذي يسببنه لهم .
زينب عمر، مدرسة لغة إنجليزية بمدرسة إشبيلية، أكدت أن أي شخص في أية مرحلة من مراحل حياته يكون في حاجة دائمة للتوعية، وهنا تقول: رغم أني أم ومعلمة وأعمل في مجال التربية، فإني أشعر في أوقات كثيرة بحاجتي للتوعية من خلال مواقف أمر بها، لأن التطبيق مع الأبناء يختلف عما درسناه للتعامل مع الطلاب، وأشعر كثيرا بحاجتي للطرائق الصحيحة والقواعد السليمة لتوعية أبنائي بشكل لا يؤثر فيهم سلباً، ويزيد خوفهم تجاه أشياء معينة، وتضيف: تفتقر أمهات كثيرات للوعي، وهو ما لاحظته من الغياب المتكرر لإحدى طالباتي، وإهمالها لدراستها وحضورها للمدرسة في وقت متأخر، وحين سألتها عن السبب أخبرتني أن والدتها تجبرها على القيام بالأعمال المنزلية هي وأختها حتى وقت متأخر من الليل، ما يجعلها تتأخر عن القدوم إلى المدرسة في الصباح، إلى جانب أن الأم وبحكم أنها امرأة عاملة فإنها تضطر إلى تغييب ابنتيها عن المدرسة بالتناوب للبقاء مع أخيهما الطفل الصغير، وباستدعاء الأم أنكرت نصف ما قالته ابنتها وذكرت أن سهر ابنتها بالليل ليس بسبب الأعمال المنزلية، وهنا تقول زينب: هذه الأم بحاجة لأشواط كبيرة من التوعية، وبحاجة للتعرف إلى أساسيات التعامل وفهم أكبر في ما يخص تربية الأبناء . مثل هذه الأم لن تنجح في توعية بنتيها بطريقة صحيحة، وربما تؤذيها وهذا ما تمكن ملاحظته من عدم استيعابها لأهمية التعليم بالنسبة لها، وعدم قدرتها على تنظيم أمورها من دون أن يكون ذلك على حساب المدرسة، مشيرة إلى أن قلة الوعي لا تقتصر على ذلك بل لها أكثر من مظهر، إذ نعاني مشكلة عدم وعي الكثير من أولياء الأمور لأهمية متابعة أبنائهم دراسياً حيث يكتفي الكثير منهم بتوفير المتطلبات المادية لهم من دون النظر للمتطلبات الأخرى التي تضاهي بأهميتها تلك المتطلبات .
وترى آسيا صفر، مديرة مدرسة النخيلات بالشارقة، أن أساليب التربية اليوم أفضل بكثير من السابق، وأن الوعي زاد لدى الأمهات لاتساع مجال المعرفة والحرص على الثقافة، وتقول: ربما نقرأ أو نسمع عن بعض التصرفات الغريبة من بعض الآباء والأمهات، ولكن هذه التصرفات لا تصدر إلا عن غير المتعلمين، لأنه من المستحيل أن تؤذي أم متعلمة وواعية أبناءها .
كلام آسيا جعلنا نفكر بسؤال راودنا وهو: كيف استطاع ذلك الدكتور الذي أجبر ابنته على العيش على سطح المنزل وحدها وتسبب في توقف نموها أن يلقي بعلمه وشرف مهنته جانبا ويتعامل مع ابنته بتلك الطريقة الوحشية؟
وتحدثت آسيا عن أسباب التصرفات التي ينقصها الوعي من الأمهات فقالت: الاعتماد الكلي على الخدم له دور كبير، إلى جانب عمل الأم التي تعود إلى منزلها مرهقة تعاني ضغوط العمل، لتتجنب أطفالها والحديث معهم، وتوجه غضبها نحوهم إن وجدت ما لا يعجبها فتؤذيهم بذلك، وتؤكد أن العادات السابقة من سكن الزوجة مع أهل زوجها كانت لها إيجابيات أهمها استفادة الزوجة الجديدة من خبرات والدة زوجها والصبر على الأبناء والتعامل معهم بهدوء وحكمة، ولكنها في الوقت نفسه تفتقد الاستقلالية وعما إذا كان زواج صغيرات السن السبب في بعض التصرفات التي نستنكرها تقول: ليس شرطا، فقد تزوجت حين كنت في الخامسة عشرة من عمري، وأكملت دراستي وثقفت نفسي وقرأت كثيرا عن الأطفال وطرائق التربية، كما أخذت من طريقة والدتي في التربية أفضل الأشياء، فصغيرة السن قادرة على أن تؤهل نفسها وتربي جيلاً واعياً .
محمد أمين، مراسل إعلامي بشرطة الشارقة، أكد أن تكرار المواقف والقضايا المأساوية التي نسمع عنها ونقرأها بالصحف من طرائق تبين جهل الأمهات والآباء بالتعامل مع أبنائهم تنتج عن غياب الوعي، والمعرفة بقواعد التربية الصحيحة، وهذا يعود لجهل الوالدين وعدم تواصلهما مع برامج التوعية أو حتى وسائل الإعلام، أو بسبب نشأتهما بمحيط عانى التفكك الأسري أو العنف، وهذا تظهر آثاره على علاقة الآباء بأبنائهم، وذكر بعض المواقف قائلاً: انعكس عدم الوعي على التعامل بوحشية مع الأطفال، فقد سمعت عن رجل كان يعتدي بالضرب المستمر على ابن زوجته من زوجها السابق، نتيجة غيرته رغم تعهده في بداية زواجهما بأن يتكفل برعاية الطفل، هذا الزوج إن كان يمتلك الوعي لاعتبر هذا الطفل كابنه ووفر له الرعاية، كما تتكرر بالمقابل قصص عن اعتداءات بعض الزوجات على أبناء أزواجهن ومعاملتهن لهم بقسوة، إلى جانب وسائل العقاب التي يتعامل بها بعض الآباء والأمهات مع أبنائهم والتي تفتقر لكل أنواع الرحمة، ومن خلال تواصله مع المجتمع أكد محمد أن هناك جهودا مبذولة في جهات مختلفة وحراكاً اجتماعياً تجاه هذه الظاهرة، الهدف منها نشر الوعي والحفاظ على التماسك الأسري، وهذه التوعية يجب أن تستهدف كل شرائح المجتمع .
الخاطبة أم سعود، أول مصلحة اجتماعية في الإمارات، والتي تتابع الكثير من الأزواج قبل وبعد الزواج تقول: لاحظت انعدام الوعي عند فئة كبيرة من الشباب المقبلين على الزواج، ومن خلال جلوسي معهم وسؤالي لهم عن الزواج يقولون: إنهم سيوفرون المتطلبات المادية والاحتياجات والطلعات والسهرات، وهنا أتساءل أين الاحترام والحب والحنان، وحين أسألهم عن مدى معرفتهم بالتعامل مع الأطفال يقولون: الله يخلي الوالدة وبعضهم يقول الله يخلي الخادمة، وهنا أستنكر ما قالوه وأخبرهم بضرورة أن يزيدوا وعيهم بهذا الجانب وأن الطفل لا يعوضه أحد عن حنان الأم واهتمام الأب ووجوده، وأن الخدم غير موثوق بهم، وكثير منهم يعذب الأطفال بغياب والديه . وتطرقت أم سعود لذكر أحد المواقف فقالت: أتاني زوج وزوجة على وشك الطلاق لأصلح بينهما، وعرفت أن الزوجة تقوم بأذية طفلتها وضربها بشكل دائم ودفعها بعيداً عنها إن اقتربت منها، وهي دائمة الخلافات والمشكلات مع زوجها وأخيها، فسألتها عن السبب فأخبرتني أن زوجها يريدها أن تتفرغ له بمجرد قدومه للمنزل وأن تلبي متطلباته من طعام وشراب ووجه حسن، وأنه يرفض أن توفر له الخادمة هذه الأشياء، وأنها من غيظها وقهرها تسلط غضبها على طفلتها المسكينة لتضربها، مثل هذه الزوجة غير مؤهلة للزواج ولا تمتلك الوعي الكافي بحقوق الزوج وطريقة التعامل مع الأطفال، ولن توفر التوعية السليمة لابنتها إن احتاجت إليها .
وتضيف أم سعود: مشكلة فتيات اليوم انفتاحهن على الأفلام وعلى العالم الخارجي ورغبتهن في تطبيق ما يرونه بلا وعي، ونسيانهن للعادات والتقاليد .
وعن رأي الدين في مثل هذه القصص المؤلمة التي يصعب على الإنسان تصديقها كقلة الوعي التي تجعل من الأبناء ضحايا عنف الآباء، قال د . يوسف حسين أحمد، أستاذ الفقه المقارن المشارك في كلية الدراسات الإسلامية والعربية: الرحمة بين الآباء والأبناء والمودة والاحترام مطلب أساسي من مطالب العلاقة بينهم، ولا تحتاج إلى قوانين، لأن الأبوة شفقة وعطف وحنان ورحمة، ومن يعتدي على ابنه بالضرب الذي يفضي إلى الموت شاذ، والقوانين ليست للشواذ، إنما لأغلب الناس، وهذا الفعل وهذه الجريمة لا تصدر عن أغلب الناس، ويضيف: نستغرب كثيراً من جرائم كهذه لأن الشفقة والعطف والحنان تعد أساس التعامل بين الآباء والأبناء، وعلى كل منهم أن يرفق بالآخر .