يوليو/ تموز ،2006 يوليو/ تموز 2010 أربع سنوات مضت على العدوان الإسرائيلي على لبنان واستمر 33 يوماً .هي الحرب السادسة في تسلسل الحروب الإسرائيلية العربية، منذ إغتصاب فلسطين في العام ،1948 لكنها قد تكون الأطول، وفيها لم تحقق إسرائيل كما هي العادة، انتصارات عسكرية، وبالتالي أخفقت في تحقيق مكاسب سياسية، التي هي وجه آخر للحرب .

ثمة حقيقة أفرزتها هذه الحرب، وهي توازن رعب عسكري وسياسي، هي برأي المتابعين والمحللين الاستراتيجيين، تمنع حتى الآن، وربما لأمد مستقبلي لا يمكن تحديده بزمن محدد اندلاع حرب جديدة، لكنها بالتأكيد إذا ما اندلعت في لحظة ما، فقد تنفتح على آفاق جديدة لا يمكن التكهن بنتائجها، بسبب ما ستتركه وقائعها الميدانية من آثار ستتعدى أطراف الصراع، لتطال كل منطقة

الشرق الأوسط . . وربما ما بعد المنطقة . يوليو/ تموز مرة أخرى، هو الخامس الذي يفتح سنة جديدة، فيها يبدو الميدان مفتوحاً على احتمالات أوسع عسكرياً، لجهة الاستعدادات النوعية على شتى المستويات، بما يجعل من أي حرب محتملة مكلفة بشكل قد لا يتحمله العقل البشري .

وسياسياً، بما سينتج حتماً واقعاً جديداً لمرحلة جديدة، لا يمكن تحديدها إلا على ضوء النتائج الميدانية العسكرية، علماً أن حرب 2006 أجهضت مشاريع كانت معدة للمنطقة، كمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي طرحته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس .

فكيف يرى خبراء ومحللون استراتيجيون وسياسيون لبنانيون نتائج حرب يوليو/ تموز ،2006 وكيف ينظرون ويقومون احتمالات المستقبل سلماً أو حرباً ونتائجها؟

عبدالله بو حبيب (سفير لبنان الأسبق في واشنطن)

أوجدت حرب تموز 2006 حالة من توازن الرعب في لبنان وإسرائيل، بحيث يستحيل على الأخيرة التفكير في حرب جديدة من دون حساب الخسائر الكبيرة التي سيتكبدها جيشها وشعبها، ربما بصورة أقسى مما حصل في عام ،2006 وتستطيع إسرائيل أن تواصل اعتداءاتها بالمفرق مثل الخروقات الجوية اليومية وغيرها، إلا أن شن حرب شاملة فمسألة معقدة تماماً، وفي الجانب اللبناني أيضاً ثمة خشية كبيرة مما يمكن أن تفعله الآلة الحربية الإسرائيلية من دمار وقتل في حال وقعت الحرب .

هذه هي النتيجة الأولى لحرب يوليو/ تموز ،2006 ولكن صعوبة إتخاذ القرار بحرب جديدة من قبل إسرائيل، لا يعني أن لبنان بمأمن منها إلى الأبد، أو أنه سيبقى مستقراً على الدوام . ثمة أمور كثيرة في المنطقة يمكن أن تؤثر في وضع لبنان، لأنه الحلقة الأضعف، وقد تؤدي إلى حرب، وهذه الأمور هي الملف النووي الإيراني وعملية السلام وقضية المحكمة الدولية وأخيراً قضية سلاح حزب الله نفسه، ويبدو أن كل هذه المسائل تراوح وتهدد الوضع برمته، وقد يكون لبنان ساحة المواجهة الوحيدة لتصفية النزاعات أو الحسابات، ولكن لا بد من التأكيد على أن توازن الرعب يحول دون اندلاع الحرب بقرار متعمد ومحسوب، ولكن يبقى احتمال وقوع خطأ ما في الحسابات من هذا الجانب أو ذاك لتندلع حرب جراء حادث غير محسوب، ويتورط الجميع فيها .

الموقف الأمريكي الحالي مخالف لموقف الإدارة السابقة، والرئيس باراك أوباما آخر ما يريده هو حرب جديدة في الشرق الأوسط، إذا لم يتوفر سبب موجب، مثل مبادرة حزب الله إلى الحرب . وكذلك الأوروبيون الذين أيدوا حرب 2006 لظنهم، كما الأمريكيين، بأنها ستنهي حزب الله، ولكن الأوروبيين عرفوا قبل الأمريكيين في ذلك العام، استحالة تحقيق هذا الهدف، واليوم أعتقد أن لديهم الموقف نفسه .

نحن في حالة ستاتيكو في الحرب والسلام، وهذا هو الوضع الدائم والطبيعي في منطقة اللااستقرار الكامل .

ويبقى هذا الوضع معرضاً للاهتزاز بحادث أو بحساب خاطئ من هذا الطرف أو ذاك .

حرب لا مثيل لها

إلياس حنّا خبير (استراتيجيّ، مدرّس مادة الجيوبوليتيك في الجامعة الأمريكية في بيروت، عميد ركن متقاعد)

يُقال عن العسكر أنهم يحاربون الحرب الأخيرة . بكلام آخر، لا يمكن توقّع شكل الحرب، المقبلة بشكل دقيق، من هنا ديمومة مبدأ الغموض في الحرب Fog of War . تدور الحرب في ظروف سياسيّة ولأهداف سياسيّة وبامتياز . أليست الحرب هي السياسة بوسائل أخرى كما قال عنها المفكّر العسكريّ البروسيّ كارل فون كلاوزفيتز؟

تذهب الأمم إلى الحرب وفي اعتقادها أنها ستربح . هكذا درجت العادة . لكن طبيعة الحرب هي كالحرباء التي تبدّل لونها كلّما دعت الحاجة . هي، أي الحرب، أعنف لقاء بين الإنسان والإنسان، حيث الدم هو الثمن . وبعد الحرب، يضيع المنتصر ويزهو بنصره، أم الخاسر فهو يعيد حساباته للقاء مستقبليّ قريب .

لا تشذّ حرب تمّوز/ يوليو 2006 عن كلّ هذه المسلّمات . لكن الأكيد أن لهذه الحرب خصوصيّة لم نعهد لها مثيلاً، لا في الصراع العربيّ الإسرائيلي، ولا حتّى في حروب التحرّر من الاستعمار .

فماذا عن خصوصيّة هذه الحرب؟

- إنها حرب بين دولة أمّة، هي إسرائيل، ولاعب من خارج إطار الدولة هو حزب الله Non State Actor .

إنها حرب تقليديّة من جهة إسرائيل، ولا تماثليةّ Asymmetric من جهّة حزب الله .

تواجه في هذه الحرب، أقوى جيش ما بعد الحداثة، Post Modern Army - الذي يملك أحدث عتاد في المنطقة وحتى في العالم، مع لاعب يملك الأرض، الشعب، وعتاد قديم جداً مقارنة مع سلاح الجيش الإسرائيلي .

لكن الفارق كان في كيفيّة استعمال هذا السلاح . بكلام آخر خاضت إسرائيل الحرب التي كانت تتمنّاها، واستعدّ لها حزب الله منذ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان العام ،2000 وحتى تمّوز/ يوليو العام 2006 .

ضربت هذه الحرب العقيدة الاستراتيجيّة الاساسيّة لإسرائيل والتي كان قد أرساها مؤسّس الدولة العبريّة ديفيد بن غوريون، والتي تقوم على:

-خوض الحرب على أرض العدو

-ضرب العدو بشكل يصعب عليه التعويض في وقت قصير نسبيّاً

- عدم خوض حروب استنزاف طويلة لأنها مكلفة، مادياً وبشرياً

ضربت حرب يوليو/تموز هذه الأسس مجتمعة . فكان الداخل الإسرائيلي مسرحاً للحرب كما كان لبنان . عوّض حزب الله كلّ خسائره في وقت قصير جداً نسبياً، وهذا أمر يعود إلى ارتباط حزب الله بقوى اقليميّة مترابطة معه جغرافياً نسبياً، كما تعتبر هذه الدول أن قيمة حزب الله الاستراتيجيّة لها، ومن ضمن صراعها مع كلّ من الولايات المتحدة وإسرائيل، هي فريدة من نوعها ولا يمكن التعويض عنها في أي مكان . وأخيراً وليس آخراً، كانت حرب يوليو/تموز الحرب الأطول من ضمن كلّ الحروب العربيّة الإسرائيلية، إذ دامت 33 يوماً، ودون قدرة إسرائيل على الحسم .

في هذه الحرب، لم تستطع إسرائيل قياس النصر بعد الحرب كي تقدّمه وتُظهّره في البُعد السياسيّ . لا بل على العكس، أسست هذه الحرب إلى أزمة داخليّة في إسرائيل، وعلى كلّ المستويات، السياسيّة، الاستراتيجيّة وحتى الوجوديّة . فكان تقرير فينوغراد . وعندما نتحدّث عن تقارير، هذا يعني أن إسرائيل في أزمة . في العام 1973 وبعد حرب أكتوبر/ تشرين الأول، كانت لجنة اغرانات . بعد حرب 1982 على لبنان ومجزرة صبرا وشاتيلا كانت لجنة كاهان . وبعد حرب يوليو/ تموز كانت لجنة فينوغراد .

باختصار، يُمكن القول، خاصة في الحروب اللاتماثليّة Asymmetric- إن حزب الله ربح لأنه فقط لم يخسر، وخسرت إسرائيل فقط لأنها لم تربح، وذلك بغضّ النظر عن كلّ معايير الربح والخسارة في الحروب .

في توازن القوىّ

لم تبدّل الحرب موازين القوى العسكريّة في المنطقة . فحساب هذه الموازين، يتم عادة بين الجيوش التقليديّة . لكنها حتماً، أي نتائج حرب تمّوز، أرست معادلات جيو - سياسيّة جديدة . فقد أجبرت الحرب الرئيس بوش على تغيير مقاربته للواقع الاقليميّ . كذلك الأمر، بدّلت بعض الدول العربيّة موقفها من حزب الله، حتى ولو في الشكل من دون المضمون . كذلك الأمر، اعطت هذه الحرب اندفاعة جديدة لكلّ من سوريا وإيران . فظهرت هذه الاندفاعة في سلوكيّات هذه الدول، خاصة في العراق ولبنان .

خلقت هذه الحرب معادلة ردعيّة جديدة لإسرائيل، الأمر الذي ألزمها على إعادة صياغة استراتيجيتها الكبرى تجاه لبنان . فالحرب لم تعد نزهة في لبنان . وهي، وإن أرادت خوض حرب جديدة على لبنان، فعليها حتماً تحقيق النصر . وتحقيق النصر يعني تدمير كلّ انش يتواجد فيه حزب الله، وهذا أمر مُكلف، ويستلزم وقتاً طويلاً، الأمر الذي يعيدنا مجدداً إلى سقوط مبادىء الاستراتيجيّة الإسرائيلية الكبرى التي أرساها بن غوريون والمذكورة أعلاه . ألم يقل ديفيد بن غورين لوزير دفاعه موشي دايان، إن إسرائيل تسقط وتنتهي، فقط عندما تخسر الحرب الأولى؟

بعد حرب يوليو/ تموز، بدأت إسرائيل تحضّر لاسترداد الصورة الردعيّة التي فقدتها . فكانت المناورات المكثفة، وكانت الغارة على دير الزور في سوريا . كما راحت تعدّ جيشها لحرب القرى، فبنت لذلك قرى شبيهة بالقرى التي يتواجد فيها حزب الله في جنوب لبنان .

لذلك وإذا وقعت حرب جديدة، سوف تقاتل إسرائيل أكثر على طريقة قتال حزب الله، وسوف يقاتل حزب الله أكثر على طريقة قتال الجيش الإسرائيلي . على كلّ، وحسب دراسة عسكريّة مهمّة للمفكرّ العسكري الأمريكيّ ستيفن بيدل كانت قد نشرت في مجلّة الجيش الأمريكيّ حول طريقة القتال في حرب تمّوز ،2006 يقول بيدل: إن حزب الله لم يقاتل حسب قتال المقاومة فقط، لا بل، قد جمع بين التقليديّ واللاتماثليّ . أما في جهّة إسرائيل، فهي قاتلت تقليدياً فقط الأمر الذي جعلها عاجزة عن تحقيق الأهداف .

ومع العودة إلى الحرب المقبلة، قد يُمكن القول، وفقط لأن للحرب أهدافاً سياسيّة، فإن هذه الحرب مرتبطة مباشرة بالديناميّة السياسيّة للمسارات الأربعة المذكورة أعلاه . لكن الأكيد، أن الضوء الاخضر من الجهّة الإسرائيلية، هو حتما أمريكيّ وبامتياز . وهذا الضوء سوف لن يأتي قبل عام على الأقلّ، فقط لإعطاء نظام العقوبات الجديد على إيران القرار 1929- وقتا كي يتظّهر، اللهم إلا إذا كانت هناك حسابات خاطئة .

أما من الناحية الأخرى خاصة إيران، فإن الحرب لن تكون، إلا إذا كان مصير النظام ككلّ على المحك . وهي قد تكون مباشرة في الخليج إغلاق مضيق هرمز مثلا . أو عبر فريق آخر حزب الله مثلاً في جنوب لبنان . وفي هذا الأمر مخاطرة كبرى على الاثنين، حزب الله وإيران . لكن الأكيد، أن لبنان سيكون ساحة قتال مجدداً، لكن ليس كما كانت الحال في حرب تمّوز . ألم نقل إن على إسرائيل أن تنتصر في الحرب المقبلة لأن مصير الكيان وديمومته مرتبطان بهذا النصر؟ ومن قال إن النصر مضمون ومؤكّد؟ فحذار من الحسابات الخاطئة لأن مصير لبنان وديمومته قد يصبحان على المحكّ .

قوة ردع المقاومة

العميد الركن د . أمين حطيط:

بعد أربع سنوات على حرب يوليو/ تموز 2006 ما زالت مجريات هذه الحرب موضوع دراسة في الكثير من مراكز الأبحاث وهيئات الأركان وقيادات الجيوش، لأن المشهد الذي رسمته لم يؤثر في نتيجة الحرب نفسها فحسب بل على نمط تعاطي الجيوش الكلاسيكية الكبرى مع المواجهات والحركات القتالية مع المقاومات المختلفة من مواجهات الجيوش النظامية . فنجد على سبيل المثال أن أكثر من 15 مركز أبحاث أمريكياً خاصاً وعاماً عكف على دراسة هذه الحرب وتوصل إلى خلاصات مهمة جداً وأصدر توصيات ساهمت في إعادة صياغة الجيش الأمريكي لأساليبه القتالية من خلال استحداث وحدات خاصة لمقاتلة عدو مختلف تمام الاختلاف . وعلى الصعيد الأوروبي أيضاً، عملت مراكز تحضير الوحدات العسكرية، باعتبار أنه تم الاستغناء هناك عن الجيوش الفضفاضة الثابتة، على الإدخال في مناهجها العسكرية تدريس كيفية قتال عدو يجمع بين القدرات العصابية، وبين التقنيات العسكرية المتطورة .

على صعيد إسرائيل اضطرت إلى إعادة نظر شاملة في التنظيم العسكري والمدني، في أكثر من اتجاه، فنقلت مسؤولية الجبهة الداخلية من وزارة الداخلية إلى وزارة الدفاع، وهذا يعني أن الدفاع عن الجبهة الداخلية عمل عسكري ميداني تتحمل مسؤوليته قيادة الأركان . وعلى صعيد التشكيلات زادت إسرائيل من عدد الوحدات الخاصة لتقاتل قتال حرب العصابات، وبدأ في إسرائيل سجال مهم حول أي السلاحين هو الأجدى، هل سلاح البر أم سلاح الجو، ولكل من الرأيين أنصاره وحتى الآن يبدو أن الموضوع يحسم حيناً ثم يعود السجال من جديد .

هذه الحرب اربكت المنظومة العسكرية الإسرائيلية من ناحية التنظيم أو من ناحية تحديد الأولويات .

أما على صعيد القتال فقد أثبتت حرب يوليو/تموز أن المقاومة التي تمتلك قدرات نارية مهمة قادرة على إصابة أهداف حيوية كثيرة في العمق هي مقاومة مؤثرة وأعطت النموذج لمقاومات أخرى خارج لبنان لتمتلك سلاح الصواريخ سواء المصنع محلياً أو استيراده من مصادر خارجية، وبما أن تصنيع الصواريخ ذات المدى القصير 15 كيلومتر، سهل فإن ادخاله في المعادلة أربك الجيوش النظامية المحتلة في المنطقة .

لذا يمكن القول إن حرب يوليو/ تموز 2006 أحدثت تغييراً عسكرياً واستراتيجياً في مسار الحروب، وفرضت على كل من يعنيه الشأن العسكري، أن يعتبر هذه الحرب حداً فاصلاً بين حقبتين من المواجهات العسكرية، حقبة مواجهة جيش تقليدي بجيش تقليدي أو جيش تقليدي تواجهه مقاومة تقليدية . والحقبة الثانية الجيش التقليدي الذي يواجه مقاومة مركبة تقليدية وغير تقليدية .

وهل تشكل تجربة حرب 2006 حائلاً دون شن حرب جديدة من قبل إسرائيل، حرب قد تكون أكثر تطوراً وتحقق النجاج؟

إسرائيل كيان مخالف للحق وللقانون ولا يمكن أن تستمر من دون استخدام عنصر القوة . وهذا العنصر تلجأ اليه تحت عنوانين، الأول، التلويح به للضغط والتهويل، والعنوان الثاني، هو استعماله بالفعل اذا اضطرت لذلك، وهي حين تفعل فإنها تكسب الحرب وتكون بالنسبة لها رحلة سياحية، لأن قوتها العسكرية هائلة قادرة على تحقيق الأهداف بسهولة . هذا هو جوهر النظرة الصهيونية للقوة التي تفعل فعلها بحرب ومن دون حرب . ويضاف إلى ذلك أن القوة العسكرية الإسرائيلية تمنع الخصم من المجازفة في اختبار جديتها، لذا فهي قوة ضاغطة للوصول إلى نتائج من دون استخدامها، وفاعلة لتحقيق النتائج المطلوبة، ومانعة لمنع أي اعتداء .

هل هذه الوظائف الثلاث استمرت على حالها بعد حرب يوليو/ تموز . الجواب هو لا، في العنوان الأول أي أن تفعل القوة فعلها من دون استخدامها، فهذا لم ينجح، وفي العنوان الثاني، أي أن تحقق إسرائيل ما تريده، فهذا لم يحصل . أما العنوان الثالث، أي منع الطرف الآخر أن يهاجمها ويواجهها، فهذا فيه شقان، في الشق الهجومي فإن المقاومة ملتزمة بعدم الذهاب إلى الاستراتيجية الهجومية، وشن الحرب، وهذا ليس بسبب قوة الردع الإسرائيلية، والشق الثاني، هو أنه اذا دخلت إسرائيل في الميدان مراهنة على عدم تصدي المقاومة (اي العامل المانع) فإنها مخطئة وهذا ما برهنته حرب يوليو/ تموز . المقاومة مستعدة للمواجهة، لا بل أكثر من ذلك، فإن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله عندما أعلن المعادلات الجديدة في القصف، توصل إلى نظرية استراتيجية التكافؤ في الأهداف المتقابلة . وهذا غير مسبوق على الإطلاق في تاريخ المقاومات منذ أول التاريخ العسكري، لذلك فإن القوة الردعية التي تعول عليها إسرائيل لم تعد قائمة . بل على العكس، المقاومة امتلكت من أسباب القوة ما يردع إسرائيل عن شن الحرب، وعلى هذا الأساس فإن الذي يمنع الحرب في لبنان في المدى المنظور هو قوة المقاومة وليس الإرادة الدولية، ولا شيء يعول عليه مثل القرارات والضمانات الدولية، فقط قوة المقاومة تمنع وقوع الحرب، التي استخلصت قاعدة ان إسرائيل لا تسمع ولا ترى إلا ما يعنيها في ذاتها ألماً أو منفعة .

وهل حولت حرب يوليو/ تموز المقاومة إلى جيش نظامي نظراً لما تمتلكه من ترسانة تحتاج إلى بنى ثابتة؟

إذا تحولت المقاومة إلى جيش تقليدي فإنها نتيجة قدرة المقاومة هي البقاء على طبيعتها، أي الريح في العاصفة . الجيش النظامي في أساسياته هو مجموعة من البنى والمواقع والقيادة الثابتة، فإذا تحولت المقاومة إلى هذا النمط لن تستطيع مواجهة الجيش الإسرائيلي، من جهة التسليح فإن لإسرائيل امتياز الانفتاح على كل الدول والأسواق، للحصول على التسليح والتمويل اللازم، في حين أن المقاومة تعاني الحصار من أكثر من جهة، وتعتمد على الدعم الشعبي وعلى القدرة على الابتكار في وجهة استعمال ما لديها من امكانات .

تحول المقاومة إلى جيش نظامي هو حلم إسرائيلي، لأنه بداية لإنهائها وسحقها . وهذا ما يهدف اليه من يروج لإندماج المقاومة في الجيش اللبناني لأنه الطريق الأسرع إلى سحقها .

المقاومات تختلف عن الجيوش في نمط العمل . الجيوش تقوم على مبدأ المركزية في توزيع المهام والامكانات باستثناءات قليلة حيث تعطى للقائد الميداني أحياناً بعض حرية التحرك . أما المبدأ الأساسي للمقاومة فهو اللامركزية في الأداء والمركزية في القرار . وبالنسبة للتسليح فإن اللامركزية في توزيع المعدات، مع مركزية في تأمين المعدات .

وأخيراً بالنسبة للأساليب القتالية فإن الجيش نظام معركة ثابت، في حين أن للمقاومة نظام غير ثابت، يعتمد على ردة الفعل، أي أن الأداء دفاعي مبني على فعل العدو .

وهل يؤثر وجود اليونيفيل في أرض الجنوب في وقائع الحرب المقبلة؟

لا قيمة لوجود اليونيفيل للتأثير في قرار شن حرب من عدمه، فهذه القوات التي تضم دولاً أساسية في حلف شمالي الأطلسي، جاءت من أجل حماية إسرائيل في الفترة التي تحتاجها إلى ترميم قوتها، والاستعداد لحرب جديدة . والكلام عن حماية لبنان لا يصدقه سوى البسطاء .

إذا وصلت إسرائيل إلى الجهوزية للحرب فإنها ستشنها ولن تكون اليونيفيل حائلاً، بل على العكس فإنها ستكون شريكة لإسرائيل . وستفتح اليونيفيل الطرق للجيش الإسرائيلي، كما فعلت في العام 1982 عندما اجتاحت لبنان ووصلت إلى إحتلال عاصمته، وقد كانت اليونيفيل متواجدة في الجنوب، منذ العام ،1978 واستطاعت القوات الإسرائيلية أن تغزو الأراضي اللبناني وصولاً حتى عمق 40 كيلومتراً بأمان تام، وهذا ما ستفعله قوات اليونيفيل في أي حرب مقبلة .

صمود المقاومة واللبنانيين منع إسرائيل من تحقيق أهدافها

جورج علم

مرّت سنوات أربع على تاريخ 12 يوليو/تموز ،2006 وبقي السؤال: أي لبنان يريد اللبنانيون؟ لبنان المقاوم المنتصر لحقّه، أم لبنان المستسلم؟

وبقيت الفوقيّة الأمريكيّة الغربيّة قائمة: سلاح حزب الله هو المشكلة، والمقاومة هي منظمة إرهابيّة، فيما التهديدات الإسرائيليّة مشروعة، والخروقات اليوميّة للسيادة اللبنانية مبررة .

ولدت حرب يوليو/ تموز 2006

من رحم أحداث وتطورات كثيرة، أبرزها أربعة:

- اصطفاف دولي وراء القرار 1559 الذي صدر عن مجلس الأمن في الأول من سبتمبر/ أيلول ،2004 وطالب صراحة بانسحاب فوري للجيش السوري من لبنان، وترسيم الحدود، وضبط المعابر، ومعالجة سلاح حزب الله، وبسط الدولة اللبنانية سلطتها على كامل أراضيها .

- إصرار أمريكي على معاقبة سوريا انطلاقاً من لبنان لمعارضتها الرئيس جورج بوش في هجومه العسكري على العراق، ورفضها المشاركة في حملته العسكريّة، وكان الثمن باهظاً، انسحاب فوريّ من لبنان، واتهامها بمسلسل الاغتيالات، والتعمّد والإصرار على النيل من حلفائها اللبنانييّن، وفي طليعتهم حزب الله .

- انشطار عميق في العالم العربي أودى به إلى محورين: محور دول الاعتدال والتسوية، ومحور دول الرفض والممانعة .

- انقسام حاد في لبنان بين فريقي 8 و14 مارس/ آذار، وانتفاضات المظاهرات، ومقاطعة واسعة لرئيس الجمهوريّة العماد آميل لحود بعد تمديد ولايته ثلاث سنوات، في ظل حكومة مستأثرة بالسلطة التنفيذيّة برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة .

وبعد 33 يوماً من الحرب الإسرائيليّة المفتوحة على لبنان، وضع تقرير بمتناول قيادة الجيش اللبناني تحدث مسهباً عن مراحل ثلاث:

الأولى: مرحلة الفعل، وردود الفعل، واستمرت ثلاثة أيام .

الثانية: مرحلة الصمود في وجه العدو، والتصدي له، واستمرت حتى 25 يوليو/ تموز ،2006 عشيّة انعقاد مؤتمر روما الدولي لدعم لبنان .

الثالثة: مرحلة المفاوضات الصعبة في ظلّ احتدام لغة الحديد والنار، والمجازر التي كان أشدها وقعاً ووحشيّة مجزرة بلدة قانا في 30 يوليو/ تموز . وبدأت هذه المفاوضات من النقاط السبع التي طرحها رئيس الحكومة (آنذاك) فؤاد السنيورة، واستمرّت حتى تاريخ صدور القرار 1701 عن مجلس الأمن الدولي في 14 أغسطس/ آب 2006 .

وكانت المواجهة قد بدأت عند الساعة التاسعة من صباح يوم 12 يوليو/ تموز ،2006 عندما حاولت قافلة للجيش الإسرائيلي اختراق الحدود باتجاه الأراضي اللبنانيّة، فتصدّت لها عناصر من المقاومة، وتمكّنت من قتل ثلاثة من عناصرها، وأسر اثنين، وعلى الفور تمّ إرسال دبابة ميركافا إسرائيليّة داخل الأراضي اللبنانية في محاولة لاستعادة الأسيرين، فانفجر فيها لغم مضاد للدبابات يحوي 300 كيلو غرام من المتفجّرات، فقتل ثلاثة جنود إسرائيلييّن، وجرح أربعة . كما لاقى ثمانية جنود إسرائيليين مصرعهم في القتال الذي أعقب ذلك عند محاولة الإسرائيليين استعادة الجرحى وجثث القتلى من الدبابة .

وأطلق حزب الله على هذه العمليّة اسم عمليّة الوعد الصادق لأنها جاءت تحقيقاً لوعد سبق أن أطلقه الأمين العام السيّد حسن نصرالله، للضغط على إسرائيل من أجل إطلاق ما بقي من الأسرى اللبنانيين في سجونها، وكذلك للسعي إلى استعادة منطقة مزارع شبعا المحتلة .

"تغيير الاتجاه"

وساد اعتقاد عند غالبية المسؤولين يومها أن يقتصر الردّ الإسرائيلي على غارة جويّة محدودة ضد مواقع لحزب الله، تعقبها مفاوضات لتبادل الأسرى، كما حدث من قبل في أكثر من حادثة احتجاز رهائن، وخلافاً لذلك شنّت إسرائيل هجوماً عسكريّاً واسع النطاق لم يهدف إلى استعادة جنودها الأسرى فقط، بل إلى إبعاد حزب الله عن الحدود الشمالية مع لبنان .

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي آيهود أولمرت أن المواجهة التي حصلت، وتمكّن حزب الله من اختطاف جنديين إسرائيليين عمل من أعمال الحرب من جانب حكومة لبنان . وأكّد أن لبنان مسؤول وسوف يتحمّل عواقب أعماله . وصرّح وزير الحرب الإسرائيلي عامير بيريتز أن الجيش الإسرائيلي سيشنّ هجوماً عسكريّاً يستمر حتى يحلّ الجيش اللبناني محل حزب الله في الجنوب . وقال: إذا امتنعت الحكومة اللبنانية عن نشر جيشها، كما يفترض بحكومة ذات سيادة، فلن نسمح باستمرار وجود حزب الله على حدود دولة إسرائيل . كما أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي دان حالوتس صراحة أن هجوم إسرائيل، سيعيد الزمن في لبنان 20 عاماً إلى الوراء، إذا لم تجر إعادة الجنديين الأسيرين فوراً .

وحدد حالوتس أربعة أهداف رئيسيّة للعدوان الإسرائيلي على لبنان: إطلاق سراح الجنديين المختطفين، وإعادة صياغة الوضع الأمني على امتداد الحدود اللبنانية الإسرائيليّة، ومنع حزب الله من بلوغ أراضي إسرائيل، وإضعاف حزب الله وجعل حكومة لبنان تمارس سيادتها على أراضيها وعلى النشاطات التي تنطلق منها .

وانقضى يوم 12 يوليو/ تموز 2006 على وجوم، وقلق كبير يعتمر في النفوس، وأسئلة تشغل الرؤوس: ماذا عن الغد؟ وكيف ستكون ردّة الفعل الإسرائيليّة؟

وصباح 13 يوليو/ تموز ،2006 بدأت السماء تمطر بالصواريخ والقنابل الثقيلة الوزن، وقصفت الطائرات الحربيّة الإسرائيليّة الجسر الذي يربط بيروت بمدينة صيدا، وبدأت وسائل الإعلام تنقل الأخبار من هنا وهناك عن صواريخ تستهدف الطرقات والجسور، فيما بدا أنها خطة لعزل المناطق عن بعضها، وشل الحركة العسكريّة الميدانيّة لحزب الله، وتدافع الناس إلى محطات الوقود، ومخازن الأغذية، والصيدليات بشكل غير طبيعي لشراء المؤن والمواد الغذائيّة والأدويّة، واضطربت الأجواء .

الموقف الرسمي

ومنذ الساعات الأولى للحرب، أعلن رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، أنه فوجىء بما يجري، وأن حكومته لا تتحمل مسؤولية النتائج والتداعيات . وعمّق هذا الموقف الشرخ بين فريقي 8 و14 مارس/ آذار، إلاّ ان شراسة العدوان والمواجهة فرضت ترفعاً عن المهاترات، وانصرافاً واعياً مسؤولاً نحو خلق أجواء للتعاون والتضامن داخل الحكومة لمواجهة مشكلة بدأت تكبر ويتعاظم شأنها بعدما تعاطفت الولايات المتحدة الأمريكيّة، وغالبية المجتمع الدولي، مع إسرائيل محملين لبنان مسؤولية الانتهاك الحدودي . وكان على الدبلوماسيّة اللبنانية أن تخاطب العالم باللغة التي يفهمها، وبالأساليب والمقاربات التي يمكن أن يقتنع بها لإيجاد مخرج بأقل قدر من الأضرار .

وبما أن الموقف الإسرائيلي ارتكز على أن الحرب على لبنان لن تتوقف إلاّ بعد إطلاق سراح الجنديين الأسيرين، كان موقف المقاومة أنه لا سبيل إلى إطلاق سراحهما إلاّ عبر مبادلتهما بمعتقلين لبنانيين في السجون الإسرائيليّة بواسطة طرف ثالث، وكان على الحكومة اللبنانية إيجاد طريق ثالثة تجنّب البلاد حرباً مفتوحة ومدمّرة، وأعلنت بعد يومين من بدء الاعتداء الإسرائيلي الآتي: بسط سلطة الدولة اللبنانية على أراضيها كاملة، وتوسيع مهام القوات الدولية العاملة في الجنوب، وإيجاد حلّ لمشكلة مزارع شبعا . . . وهكذا ولدت المرتكزات الأولى لما عرف لاحقاً بالنقاط السبع .

وبعد مرور 15 يوماً على بدء الحرب، وصمود المقاومة في وجه العدوان، بدأ التغيير، فبعدما كان الموقف الدولي يركّز على اتهام لبنان بخرق الاستقرار على الحدود، ويطالب بإطلاق سراح الجندييّن الأسيرين، بدأ ينظر بعين الواقعيّة والاعتبار إلى حجم العدوان الإسرائيلي الوحشي، ويركز على اعتبار أن عملية 12 يوليو/ تموز لا تستدعي القسوة التي تميّز بها الرد العسكري الإسرائيلي المدمّر . ثم تطورّ الموقف الدولي بعد ذلك لينتقل إلى موقف داعم للبنان بوصفه دولة تتعرّض لعدوان فظيع غير مقبول، ولا يجوز استمراره .

وأسهم العدوان الإسرائيلي الوحشي في قسوته إلى توحيد الموقف اللبناني، وأخفى التباينات التي ظهرت في الساعات الأولى بعد العمليّة . لقد توحّد لبنان في مواجهة العدوان، والرد عليه، والسعي إلى إيقافه، ومطلبه واحد حكومة ومقاومة: الإصرار على وقف فوري لإطلاق النار، وعلى انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية التي توغّلت فيها بعد 12 يوليو/ تموز، وعودة النازحين فوراً إلى منازلهم وديارهم في الجنوب .

وهكذا . . وبعد مرور أربع سنوات على تاريخ 13 يوليو/ تموز ،2006 يبقى السؤال: ماذا تغيّر؟ وهل إذا ما عاودت إسرائيل عدوانها على لبنان سنرى مواقف في لبنان مغايرة لهذه المواقف؟! وأي لبنان يريد اللبنانيون؟!

"إسرائيل" عاجزة عن خوض حرب جديدة لأنها لا تعرف نتيجتها

الدكتور فريد الخازن (نائب لبناني وعضو تكتل الإصلاح والتغيير):

- الحرب التي اندلعت في تموز 2006 بين إسرائيل وحزب الله كانت حتمية نظراً للوضع الذي كان قائماً في جنوب لبنان منذ الانسحاب الإسرائيلي في العام ،2000 فلم يكن يفصل بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي سوى شريط شائك، فلا اتفاقات ترعى الموقف هناك، ولا قوات دولية، ولا أي شيء آخر، وكان لا بد للحرب من أن تندلع سواء بمبادرة هذا الطرف أو ذاك، إسرائيل أو حزب الله أو طرف ثالث .

وقعت الحرب فخاضتها إسرائيل حرباً شاملة ومدمرة زجت فيها الإمكانات العسكرية الضخمة، وراهنت على تحقيق هدفها كاملاً، أي سحق حزب الله، في تكرار لتجربة العام 1982 حين استطاعت إسرائيل أن تخرج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، ولكن مع فارق أن هدف حرب 2006 كان إخراج حزب الله من قدراته العسكرية . فشلت إسرائيل فشلاً ذريعاً وغير متوقع في حساباتها، بتحقيق هذا الهدف وأفضى ذلك إلى تدخل مجلس الأمن لايجاد وضع جديد من خلال إصدار القرار 1701 وتعزيز قوات الطوارئ الدولية الموجودة أصلاً في الجنوب، واليوم فإن الوضع يختلف جذرياً عن وضع 2006 بوجود دولي فاصل بين الجانبين .

بالنسبة لاحتمالات الحرب الآن، فإنني أعتقد أن حزب الله لن يبادر للقيام بأي عمل قد تعتبره إسرائيل ذريعة لحرب جديدة، وسيكتفي الحزب بمراقبة الوضع والاستعداد لصد أي عدوان جديد إذا حصل . وكذلك في إسرائيل فإن الوضع اختلف أيضاً، إذ بعد رهانها على أن حرب 2006 ستكون الأخيرة على الجبهة اللبنانية، بحيث تنهي حزب الله عسكرياً، تفاجأ القادة الإسرائيليون بعوامل عدة، أهمها أن حزب الله يمثل شريحة شعبية كبيرة، وليس مجرد تنظيم عسكري يتمركز في ثكنات، وأن مقاومته العسكرية طوال 33 يوماً كانت استثنائية وغير منتظرة، وثالثاً، تفاجأوا بقدرة الحزب على استهداف العمق الإسرائيلي بقوة .

هذه العوامل غيرت في المعطى الاستراتيجي بحيث خسرت إسرائيل الهامش الذي كان لديها على المستوى الدولي قبل ،2006 وقد جاءت الحرب الإسرائيلية الأخرى على قطاع غزة، وفشلها في تحقيق أهدافها، لتعميق المأزق الإسرائيلي . فقد واجهت إسرائيل المجتمع الدولي بتقرير غولدستون الذي أحرجها، وأدى استمرار حصار غزة إلى أزمة أسطول الحرية مع تركيا ودول عدة .

لذا على الرغم من القدرات العسكرية الهائلة لإسرائيل، فإن فشل الحربين على لبنان وغزة، وعدم استثمارهما سياسياً، بل بالعكس، جعل الوضع في المنطقة في حالة توازن رعب، إسرائيل عاجزة عن خوض حرب لأنها تعرف ما ينتظرها من رد عسكري من قبل حزب الله، ووضعها الداخلي يضغط لتجنب الحرب، كما أن الوضع الدولي اختلف عن وضع 2006 .

أمريكياً كان الرهان أيضاً على قدرة إسرائيل على الحسم سريعاً، وهذا الحساب تبين أنه خاطئ، لذا فإن الإدارة الأمريكية، وكذلك الجانب الأوروبي، لا يحبذون الحرب على الجبهة اللبنانية، والموضوع ليس في التداول، حتى على الساحة الفلسطينية فقد سبق وجربت حرب غزة، لذا أستبعد أي حرب في المنطقة في المدى المنظور .

الحديث الوحيد المتداول عن الحرب هو في إمكان توجيه إسرائيل ضربة لإيران وتحديد لمفاعلاتها النووية، ولكن لا أعتقد أنها قادرة من دون مساعدة أمريكا، ومن دون الضوء الاخضر الأمريكي، وهو غير متوافر حالياً في ظل إجماع أمريكي وأوروبي وروسي وصيني على اعتماد خيار العقوبات . لذا استبعد ايضاً حصول هكذا حرب . على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي فإن جبهته الوحيدة المفتوحة هي جبهة لبنان، بعد أن وقعت آخر الحروب الاقليمية في العام ،1973 واعتقد أن حرب يوليو/ تموز أثرت بشكل مباشر على لبنان، وبشكل غير مباشر على الوضع في المنطقة، ولكن هنا أيضاً أستبعد أن نكون على مشارف حرب عربية إسرائيلية، أو بالأحرى سورية إسرائيلية، بدعم ما من إيران . فالصراع العربي الإسرائيلي محصور اليوم في المستوى السياسي فقط، والواقع أن العرب اليوم في حالة انقسام حاد، بحيث أنهم عاجزون عن خوض الحرب، أو المضي في عملية السلام .

على المستوى اللبناني البحت، أدت حرب تموز إلى قيام توازن رعب مع إسرائيل يردعها عن شن أي عدوان، ومن جانب حزب الله، أو غيره من الأطراف اللبنانية يسعون للحرب مع إسرائيل، ولكن ثمة حقوقاً للبنان سيستمر في المطالبة بها وأبرزها الانسحاب من مزارع شبعا . أما اذا حصل العدوان فلبنان سيتصدى له .

أفضل وسيلة لمنع الحرب الاستعداد لها

كريم بقرادوني (رئيس حزب الكتائب سابقاً):

كشفت حرب يوليو/تموز 2006 عن حقيقة أن الجيش الإسرائيلي يقهر وليس الجيش الذي لا يقهر . وأن نكسة حزيران/يونيو 1967 يمكن أن تصحح . وقد نقلت حرب 2006 الإحباط الذي كان سائداً منذ أربعين عاماً في الوسط العربي، نقلته إلى الوسط الإسرائيلي، وأهم ما حدث، ليس الصمود ومواجهة دبابة المريكافا وعجز إسرائيل عن الوصول إلى الليطاني واحتلال أراضي لبنانية جديدة، وهذا كله مهم .ولكن الأهم التأثير النفسي الذي أحدثته حرب يوليو/تموز داخل إسرائيل . وبات الداخل الإسرائيلي يطرح العديد من التساؤلات وأكثرها: هل لدى إسرائيل استراتيجية لمواجهة المقاومة، والجواب حتى الآن ليس واضحاً .

في المناخ السياسي الإسرائيلي فإن حزب الله نجح في تكبير قدراته العسكرية أربعة أضعاف مما كانت عليه في صيف ،2006 وأن صواريخ الحزب باتت تصل إلى مدى أبعد من السابق، وأن جبهة الشمال مفتوحة ومتفجرة .

اعتقد أن رغبة إسرائيل موجودة وثابتة بضرورة ضرب حزب الله وتجريده من سلاحه، وتنظيف منطقة جنوبي وشمالي الليطاني . هذه الاستراتيجية موجودة ولكنها تصطدم في الواقع بأن حزب الله تمكن من تنظيم شبكة صواريخ له في العديد من القرى اللبنانية، والبعض يتحدث عن 160 قرية، وهذه القدرة العسكرية تحول دون اندلاع حرب جديدة، أي ما يسمى توازن الرعب . وباعتقادي أن أفضل وسيلة لمنع الحرب هي الاستعداد لها، وهذا ما يفعله حزب الله .

القرار الإسرائيلي هو قرار المؤسسة العسكرية خصوصاً ما يتعلق بشؤون الحرب، وهذا القرار يتأثر بالموقف الأمريكي، وهذا الأخير لا يمكن الركون إليه لمنع الحرب لأنه كان على الدوام منحازاً إلى إسرائيل، كما لا يمكن الركون إلى الالتباس الأوروبي لأنه في النهاية يصب ولو بتحفظ في القرار الإسرائيلي . ما يمكن أن نفعله هو الخروج من الانقسام العربي، وهو الفعل الوحيد الذي يمكن ان يجابه إسرائيل ويردعها . فالمطلوب تحقيق تفاهم حد أدنى عربي للمواجهة السياسية والعسكرية، وما جرى في لبنان عام 2006 وفي غزة بعد ذلك، يثبت أن المقاومة هي جزء من هذا التفاهم العربي، وبالمقابل فإن استمرار الخلاف العربي حول المقاومة في لبنان وغزة وحتى العراق، هو الحافز الأول لاستمرار إسرائيل في الرهان على كسب حرب ضد العرب . أما التغييرات السياسية الاستراتيجية التي أحدثتها حرب يوليو/ تموز ،2006 فقد وضعت إدارة بوش مشروعاً للمنطقة اسمه الشرق الأوسط الجديد الذي روجت له كونداليزا رايس، وهذا أسقطته حرب ،2006 ليحل محله في عهد أوباما مشروع آخر اسقطته إسرائيل، هو مشروع الحل على أساس الدولتين . وبهذا فالعودة إلى المشروع الأول غير ممكن فقد سقط إلى غير رجعة، أما المشروع الثاني فيمكن القول إنه يشكل تسوية بين إسرائيل والعرب .

وحول احتمال أن يكون الحل بحرب جديدة . فقرار الحرب قرار إسرائيلي وليس عربياً، فإذا إرتأت إسرائيل أنها قادرة على فرض حلول ما بالقوة العسكرية فإنها لن تتأخر . أما إذا رأت أن الحل العسكري غير ممكن، فإنها تلجأ إلى الحلول السياسية . لكن أسارع إلى القول إن الرهان الإسرائيلي الحالي هو على القوة العسكرية والحرب .

الواقع أن الجمود الحالي هو عجز القيادة العسكرية الإسرائيلية عن ايجاد الجواب الكافي لكيفية مواجهة المقاومة وخير دليل على ذلك أنها لا تزال تجرب منظومة الدفاع المضادة للصواريخ حتى الآن، والتي لم تثبت نجاعتها وما يمنع اندلاع الحرب هو معرفة أن صواريخ حزب الله قادرة على إصابة تل أبيب وابعد من ذلك منطقة ديمونة حيث المفاعلات النووية . من يتابع السجال السياسي الداخلي يكتشف أن القرار بالحرب متخذ، لكن تنفيذه مؤجل بانتظار جهوزية الجيش الإسرائيلي لشن حرب ناجحة . يبدو أن السؤال يطرح عن انعكاس حرب يوليو/ تموز على الواقع العربي والإقليمي؟ والحقيقة أن تحالف المقاومة مع سوريا وإيران، يشكل عاملاً رادعاً إضافياً للحرب، لأن هكذا تحالف يدخل في الحسابات الإسرائيلية .

من جهة ثانية فإن الموقف العربي العام مازال ضعيفاً ومتردداً، وآخر الأمثلة على ذلك منح الجامعة العربية فرصة أربعة أشهر للمفاوضات مع إسرائيل تنتهي في سبتمبر/أيلول المقبل، ولا شيء في الأفق يوحي أن التسوية ستحصل خلال هذه الفترة، وبالتالي أتوقع أن تنعقد قمة عربية استثنائية في أكتوبر/تشرين الأول المقبل عسى أن يتكلم القادة العرب استراتيجياً وأن يتغلبوا على خلافاتهم ففي ظل الانقسام العربي لا استراتيجية عربية، والتفام هو الشرط الأول لأي رد عربي على التشدد الإسرائيلي .

وماذا غيرت في الواقع اللبناني؟

أعادت الحرب صياغة توازن القوى في لبنان وليس في تغيير المفاهيم السياسية لا في لبنان ولا في الدول العربية .

ما جرى في لبنان أن كل القوى اقتنعت بعدم القدرة على تغيير الستاتيكو القائم داخلياً وإقليمياً، واقتنعوا بالعمل بهذا الستاتيكو، وتشكل حكومة الوحدة الوطنية هي ترجمة لاستحالة تغيير الستاتيكو وبما أن الحرب مستبعدة في المدى المنظور فإن الستاتيكو مستمر لبنانياً وإقليمياً ودولياً .