يؤمن الكثير من أفراد المجتمع بأن الأمثال الشعبية التي تتوارثها الأجيال صالحة لكل زمان ومكان، وأنها حية لا تموت. وهناك فريق معارض لهذا الرأي يقول إن الأمثال الشعبية وليدة ظرف أو حالة أو طقس تزول بزواله. فريق ثالث محايد يشير إلى وجود نوعين من الأمثال الشعبية الأول يرتكز على العقيدة الإسلامية أو على ما ورد في القرآن الكريم، وبرأيهم لا تزول كونها بنيت على قواعد أساسية، والثاني وهو الذي يزول بزوال الواقعة أو الحدث الذي نبعت منه، وبالتالي لا تتوافر لديه قواعد أساسية . الأمثال الشعبية ومدى صلاحيتها للاستمرار من عدمه محور هذا التحقيق .
د . فاطمة الصايغ، أستاذة التاريخ، أكدت أن الأمثال الشعبية لا تموت كونها أحد فروع التاريخ والتي يعتمد عليها في تعرفنا إلى ثقافة الشعوب وتاريخها وتقاليدها وأزيائها .
وقالت: إذا أراد أي باحث أو مؤرخ أن يتعرف إلى ثقافة أحد الشعوب يمكن أن يجد حاجته، في الأمثال الشعبية التي وجدت من خلال الأحداث والكلام والمواقف التي يمر بها الناس في حياتهم اليومية وتتوارثها الأجيال بإسقاطات جديدة لأنها مأخوذة من البيئة، وكل إنسان بطبيعة الحال يتأثر بواقعه ومحيطه .
وتضيف إذا تحدثنا عن ماهية ما يجري اليوم في تغييرات في مجتمعنا نرى الأمثال الشعبية مازالت سائدة وحية كونها جزءاً من ارثنا . هذا بالرغم من اشكالية عدم معرفة الجيل الجديد بها، خاصة في ما يتعلق بالمصطلحات القديمة المحلية، فإحدى الفتيات سألتها عن المشاهرة واستغربت قولي ولم تفهم معنى هذه الكلمة التي تعني الراتب الشهري للأسف .
فإن جيل اليوم مقطوع عن ما يحدث في مجتمعه ليس فقط من ناحية التراث وانما أيضاً معنوياً واجتماعياً .
وتعتب الصايغ على الأمهات والآباء قائلة: في إحدى المناسبات الشعبية وقفت أم وطفلتها أمام إحدى السيدات اللاتي يقمن بصنع الخنفروش وهي حلوى شعبية قديمة تصنع من السكر والطحين والزعفران وسألت الطفلة أمها عن اسم الحلوى فأجابت إنها بان كيك ولم تقل لها الأسم الأصلي .
وعلى مستوى التوثيق لهذا الموروث، تشير الصايغ إلى مشكلات تكمن في أن البعض يضع العراقيل أمام الباحثين المتطوعين . وتقول: هذا حدث معي مع أحد القائمين على مراكز الأبحاث ليعرقل مشروعي لتوثيق القصص والأساطير الشعبية في الإمارات .
واقع
ترى موزة الخيال، مديرة مركز ريادة التابع لمكتب حرم صاحب السمو حاكم الشارقة سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي أن الأمثال الشعبية تعكس ثقافة وواقع المجتمع، ولأنها نابعة منه، لذلك تتغير بتغيره .
وترفض اعتبار الأمثال ثابتة ومناسبة لكل الأوقات، وتقول: في وقت من الأوقات مرت الإمارات بمرحلة لم يكن أهلها يواجهون تحديات، وكذلك كانت الأسرة أكثر تماسكاً من الآن، وكانت العلاقات المجتمعية قائمة على المودة والرحمة والتواصل بين أفرادها .
كما أن المهن كانت محدودة ولم توجد تنافسية بين الناس، وكل هذه الأوضاع فرضت نوعية محددة من الأمثال جعلتنا مسالمين كما هو الواقع آنذاك، منها: مد لحافك على قد ريلك، واعطِ الخباز خبزك لو بياكل نصفه وغيرها من الأمثال التي لا تتناسب مع واقعنا اليوم الذي تغير كما الحال في العالم كله . وتضيف: زادت الإمكانات البشرية والمادية وتطورت كل مجالات الحياة، ولم يعد ينفع أن اعطي خبزي للخباز لأني استطيع اليوم أن اجهزه بنفسي من دون مساعدة . من هنا، تؤكد الخيال أن الأمثال القديمة كانت مناسبة وصالحة للفترة السابقة . ليس فقط على الصعيدين الاقتصادي والمهني، بل أيضاً على الصعيد الاجتماعي، لأنها كانت مجحفة بحق المرأة إلى حد كبير . وتدلل على ذلك بالمثل الشعبي ايش قايل ما طلقت في خير أي لو فيها خير ما طلقها زوجها وتقول اليوم لا يمكن الرضا بهذا المثل، لأن المرأة أصبحت عاملة ومؤثرة في مجتمعها مثل الرجل تماماً ولم تعد فرداً خانعاً منكسراً على نفسه .
وأضافت موزة الخيال أن الموروث الشعبي ليس معناه أن نعيشه كما كان في السابق وإنما بالإمكان تطويره وتسليط الضوء على القيم الأخلاقية التي كانت سائدة قديماً .
قدوة
محمد الظفري مذيع في اذاعة نور دبي ويقدم برنامجاً عن التراث الشعبي، يشير إلى أنه تربى على سماع الأمثال الشعبية من أجداده الذين كانوا يتداولونها يومياً فيما بينهم . ويوضح أن بعض الأمثال اندثر، لكن تطبيقها كأسلوب حياة مازال موجوداً، وبرأي محمد، فإن الأمثال الشعبية حية لا تموت، وأن الحداثة لم تلغها . ويقول: هذا لا يعني أننا نعيش الماضي، ولكننا نتعلم ونقتدي بتجارب السابقين وأقوالهم وأمثلتهم التي لاتزال صالحة .
ويضيف: الأمثال الشعبية تنتقل من جيل إلى آخر من خلال الأهل وكبار السن، لكنها ليست بديلاً عن وسائل العصر ولا تشكل مانعاً لتطور الحياة، بل هي دروس وعبر تفيدنا في حياتنا اليوم كشباب، ويجب أن نكون حريصين على هذه الأمانة ونقلها بدورنا إلى الجيل المقبل .
مناهل
أحلام بن جرش، عضوة المجلس الاستشاري بحكومة الشارقة، رأت بأن الأمثال الشعبية لم تأتِ من فراغ، بل هي من صميم الحياة التي عاشها أجدادنا ولخصوها في حكم وعبر بالرغم من عدم كونهم متعلمين، بل اكتسبوا خبراتهم من الحياة، إضافة إلى منهل أساسي لهم وهو القرآن الكريم الذي حفظوه والشعر الذي كانوا ينظمونه .
وبحكم عملها كمساعدة عميد شؤون الطلاب في جامعة الشارقة ومعايشتها لواقع الشباب عن قرب، قالت أحلام بن جرش: ليس صحيحاً ما يشاع عن أن الشباب لا يعرف الأمثال الشعبة أو أنه لا يؤمن بها، فهناك الكثير من هذه الفئة تتفاخر بحفظها للكثير منها بالرغم من كلماتها المبحرة في المحلية وبعضها لا يعرف الشاب معناها . وهذا لمسته، ليس فقط بين الطلبة الإماراتيين، بل أيضاً بين معظم الطلبة العرب في الجامعة، فمعظمهم حينما يريد التعليق على موضوع ما يعلق قائلاً، على قول جدي ليمنح كلامه المصداقية والتأكيد، وترى أحلام بن جرش أن الأمثال الشعبية لا تموت بسبب حرص الآباء على نقلها من جيل إلى آخر، إلا إذا كانت الأسرة مفككة .
وتوضح أن الكثير من الأمثال الشعبية مأخوذ من القرآن الكريم والسنة، وبالتالي هي حية وصالحة لكل زمان ومكان، بالإضافة إلى أن الإمارات حريصة على الاهتمام بالتراث المعنوي والمادي وتحافظ عليه بما فيه من أمثال شعبية .
التراث
زكية النقبي، أخصائية اجتماعية في مدرسة سلمة للتعليم الأساسي والثانوي بأم القيوين، ترى أن الأمثال الشعبية لاتزال حية، خاصة في المناطق البعيدة عن المدن، وتوضح أن هذه المناطق لم تتأثر كثيراً بالانفتاح والثقافات المتعددة، لذا تبقى العلاقات الاجتماعية فيها قائمة على التبادل الإنساني والألفة والمحبة بين الناس ويلجأ الجميع إلى التراث المحلي .
وتقول: الأطفال مثلاً مازالت لعبهم قديمة وأغلبها له علاقة بالبحر، وكذلك حال الأمثال الشعبية التي لا يمر يوم إلا ويأتي على ذكرها شخص في أكثر من مناسبة .
وتعتبر أن الذي لا يفتخر بماضيه وتراثه ويحتفظ به ويتوارثه من جيل إلى جيل آخر، لن يكون له قيمة وهوية وتاريخ . وتشير إلى أن الإمارات من الدول التي تحفظ قديمها، بل وتعزز التراث فيها، إذ لا تمر مناسبة إلا وتبرزه .
ولا ترى أن الشباب بعيدون عن ماضيهم، بدليل ما يظهر في كل الاحتفالات .
حليمة عبدالله الصايغ، مزخرفة الخناجر ومهتمة بالتراث المحلي، تعتبر أنه لا يمكن تعميم دوام الأمثلة الشعبية، فهناك ما يزول منها، موضحة أن النماذج الدائمة مأخوذة من العقيدة الإسلامية وليست من التجارب البشرية التي تزول مع الوقت . وترى أن هناك أمثلة تحد من قدرات البشر منها مد ريولك على قد لحافك، موضحة أنه يحد من الطموح ليبقى الأمي أمياً . وتعتقد أن مثل هذه الأمثلة نابع من تجارب شخصية ولها دور سلبي في تطور المجتمعات، ولا تتناسب مع ما وصل إليه العالم العربي، خاصة الإمارات التي كسرت كل القواعد وحولت الصحراء إلى طبيعة غناء . وتشير إلى أن جيل اليوم متعطش لمعرفة تراثه، والدليل، برأيها الاقبال على مشاهدة المسلسلات الخليجية التي تدور موضوعاتها عن الحقبة السابقة ومسلسلات الكرتون التي تتناول نفس المضمون أو تضم مصطلحات محلية يتعلمها الأطفال بكل سهولة .