في كتابنا نذر العولمة الذي صدر سنة 1998 تساءلنا هل يستطيع العالم أن يقول لا للرأسمالية المعلومالية . في هذا الكتاب نبين أن العالم قد قال لا بالقلم العريض . الأزمات الاقتصادية المتعاقبة، والعولمة، وأدواتها المالية كالمشتقات المالية اعتمدت على مبدأ أن هناك أحمق يولد كل دقيقة، أما العولمة فاعتمدت على مبدأ أن العالم قد أصبح مسرحاً للتفتيش عن هؤلاء الحمقى، وقد وجدوهم في كل مكان . قال صمويل هنتغتنون لم يربح
لغرب العالم بسبب تفوق أفكاره أو قيمه أو ديانته، وإنما ربحه بسبب تفوّقه في استعماله للعنف المنظم، والغربيون غالباً ما ينسون هذه الحقيقة، أما غير الغربيين فلا ينسونها أبداً . الأزمة الاقتصادية الاخيرة وحروب الإرهاب الغربي في العالم الإسلامي مباشرة أو عن طريق الوكلاء كما في فلسطين والعراق وأفغانستان وباكستان وغيرها، هي مسامير في نعش المشروع الامبراطوري الأمريكي الذي جعل من العولمة حصان طروادته .
ما يراه العرب والفلسطينيون في إسرائيل مجرد كيان دخيل أقيم على أجسادهم وأراضيهم المسلوبة، وبدعم مالي أمريكي إجمالي، لا يمكن مجاراته، يقدر حتى الآن ب:160 مليار دولار تحمّلها دافعو الضرائب الأمريكيون، وغطاء عسكري وسياسي لا محدود، بما في ذلك إفشال القرارات الدولية باستخدام الفيتو 42 مرة في مجلس الأمن منذ ،1972 وتوفير الحماية للاحتلال، وتبرير التجاوزات الإسرائيلية في مجال حقوق الإنسان .
تعرض العرب الفلسطينيون لعملية تطهير عرقي منظمة ليعيشوا كلاجئين بالملايين حتى يومنا هذا . أما من استطاع الصمود منهم في الداخل فيعيشون غرباء في أرضهم، ويعاملون كمواطنين إسرائيليين من الدرجة الثالثة . وخلال الفترة من 1948 إلى 1963 تعرضت 531 قرية عربية للدمار الكامل لتصبح أثراً بعد عين، وأصبح التهجير، التعبير الإسرائيلي المفضل للتطهير العرقي، سياسة رسمية للقيادة الإسرائيلية مع فرق في الأسلوب . تعرضت أراضي الفلسطينيين، ولا تزال، للمصادرة لبناء مستوطنات جديدة أصبحت تنتشر الآن في كل مكان في الأراضي المحتلة . ما يتعرض له الفلسطينيون منذ عقود هو عملية إذلال ونزع للصفة الإنسانية قولاً وفعلاً من قبل دولة عنصرية تتحدى بممارساتها سائر القيم التي جاءت بها الأديان، وهي صفة تنسحب أيضاً على حاميتها الكبرى، أمريكا .
وعندما أطلق 30 طالباً من مدرسة يشيفا النار على فتاة عربية لا يزيد عمرها على 13 عاماً وأردوها قتيلة في شوارع إحدى البلدات العربية، وقف الحاخام اسحق غينسبيرغ أمام المحكمة الإسرائيلية مبرراً الجريمة بالقول: ينبغي الاعتراف بأنه لا يمكن المساواة بين دم اليهود ودم غير اليهود . . على شعب إسرائيل النهوض والجهر بحقيقة أن اليهودي وغير اليهودي لا يمكن أن يتساويا لا قدر الله، وعليه فإن أي محاكمة تقوم على مبدأ المساواة بين الاثنين إنما هو تزييف للعدالة .
وصل المشروع الصهيوني وإسرائيل الكبرى إلى طريق مسدود . بل أصبح الصهاينة الأمريكيون مع الصهاينة الإسرائيليين يدركون أن الديمغرافيا (وقنبلة الأرحام الفلسطينية) هي أقوى من قنابلهم الذرية والهيدروجينية، بل أقوى من توأمهم: أمريكا . فهذا رئيس الوزراء وعضو قيادي سابق في الليكود، والرئيس السابق لحزب كاديما إيهود أولمرت، يتحدث عن أشياء مثيرة قد لا تكون مثيرة في حد ذاتها إلا أنها تصبح كذلك عندما تخرج من فم شخص مثل أولمرت .
ومما جاء على لسان أولمرت القول:
علينا التوصل لاتفاقية مع الفلسطينيين، جوهرها الانسحاب الفعلي من معظم الأراضي إن لم يكن منها كلها . سنحتفظ بنسبة من هذه الأراضي إلا أننا سنضطر لإعطاء الفلسطينيين نسبة مماثلة، ومن دون ذلك لن يكون هناك سلام .
. . . بما فيها القدس حيث أتصور حلولاً خاصة لوضع جبل الهيكل والأماكن التاريخية المقدسة . . إن كل من يعتقد بإمكانية الاحتفاظ بكامل المدينة يجد نفسه أمام خيار وحيد هو وضع أكثر من 270 ألف عربي خلف السياج ضمن السيادة الإسرائيلية وهذا خيار غير قابل للتطبيق .
كنت أول من يرغب في بسط السيادة الإسرائيلية على كامل المدينة . وأعترف بأنني لم أكن مستعداً وقتها للتمعن في أعماق الواقع .
فيما يتعلق بسوريا . . ما نحتاجه أولاً هو قرار سياسي . . أتساءل ما إذا كان يوجد شخص واحد في إسرائيل يعتقد بإمكانية عقد سلام مع سوريا من دون التخلي عن مرتفعات الجولان في نهاية المطاف؟
الهدف هو محاولة الاتفاق ولأول مرة، على حدود دقيقة بيننا وبين الفلسطينيين . . حدود يعترف بها العالم أجمع .
دعونا نفترض أن حرباً إقليمية ستنشب في العام أو العامين القادمين وسندخل في مواجهة عسكرية مع سوريا، ليس لدي شك في أننا سنلحق بهم هزيمة منكرة، ولكن ماذا بعد انتصارنا؟ لم الدخول في حرب مع السوريين في وقت نستطيع فيه تحقيق ما يمكن تحقيقه من دون دفع ثمن باهظ؟
ما وجه العظمة في شخص مثل مناحيم بيغن؟ أرسل دايان إلى المغرب للقاء تهامي (مبعوث السادات)، حتى قبل التقائه بالرئيس المصري، وهناك أبلغ دايان تهامي على لسان بيغن باستعداد إسرائيل الانسحاب من سيناء .
ارييل شارون، بيبي نتنياهو . إيهود باراك ورابين بوركت ذكراه، كل من هؤلاء أقدم على خطوة قادتنا في الاتجاه الصحيح إلا أنه في لحظة ما، وعلى مفترق طرق، وعندما تحين ساعة اتخاذ القرار، لا يجد القرار طريقه إلى النور .
قبل فتره جمعتني جلسة نقاش مع عدد من الأشخاص ضمن دائرة صنع القرار في إسرائيل، وفي ختام الجلسة قلت لهم: بعد أن استمعت لكم، أدركت لماذا لم نتوصل لسلام مع الفلسطينيين والسوريين خلال السنوات الأربعين الماضية .
قد نستطيع الإقدام على خطوة تاريخية في علاقاتنا مع الفلسطينيين، وكذلك الأمر بالنسبة لعلاقاتنا مع السوريين . وفي كلتا الحالتين نجد أنفسنا أمام القرار نفسه الذي رفضنا مواجهته بأعين مفتوحة على مدى أربعين عاماً .
عندما تجلس على هذا الكرسي وتسأل نفسك: في أي اتجاه ينبغي علينا توجيه الجهود؟ هل تحقيق السلام هو الهدف، أم تعزيز قدراتنا العسكرية لنصبح أقوى وأقوى وأقوى لنكسب الحرب؟ نملك من القوة ما يكفي لمواجهة أي مخاطر . وعلينا محاولة البحث عن طريق لاستخدام هذه القوة في سبيل التوصل للسلام لا لكسب الحروب فحسب .
تشكل إيران قوة عظيمة . والافتراض القائل إن عجز دول مثل أمريكا وروسيا والصين وبريطانيا وألمانيا عن معالجة الملف الإيراني بينما يستطيع الإسرائيليون ذلك، ومن أننا سنفعل هذا الأمر، ليس سوى مثال على افتقار البعض لسائر درجات الوعي والإدراك .
عندما أقرأ التصريحات الصادرة عن جنرالات إسرائيل السابقين أتساءل في نفسي: كيف حصل أن هؤلاء لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً؟ .
لم يكن أولمرت وحده هو الذي توصل إلى النتيجة أن حلم إسرائيل الكبرى قد انتهى، ولكن حتى المحافظين الجدد (من اليهود) قد وصلوا إلى القناعة نفسها بأن هذا الحلم قد وصل إلى طريق مسدود، خصوصاً بعد ثماني سنوات من سماحهم ل إسرائيل - ذلك الكلب المسعور - بالانقضاض على الفلسطينيين . أصبحت المسألة الديمغرافية - والتي يسميها الديمغرافيون اليهود بقنبلة الأرحام - ضاغطة، وثماني سنوات من القهر لم تزد الشعب الفلسطيني إلاّ صمودا . البعض اقترح حل الدولتين، والآخر حل الثلاث دول كما اقترحه جون بولتون، لكن المهم أن الكل وجد أن إيجاد الدولة الفلسطينية على الطريقة الإسرائيلية قد أصبح ملحّاً . كتب جون بولتون:
دعنا نعترف بأن بناء سلطة وطنية على أنقاض منظمة التحرير الفلسطينية قد فشل، وأن مشروع الدولتين لم ينطلق . لقد قتلت حماس ذلك المشروع، ولربما الأرض المقدسة لا تتسع إلى بعثين . لذلك علينا البحث عن مشروع الدول الثلاث بحيث تعاد غزة إلى مصر، والضفة الغربية إلى الأردن بطريقة أو أخرى . وحيث إن مصر والأردن مرتبطتان بمعاهدتي سلام مع إسرائيل، فإن إعادة غزة والضفة لتلك الدولتين يضمن السلام بطريقة أوتوماتيكية . أما قضية وضع قوات أو مراقبين دوليين فلن يكون كافياً، فما نحتاجه هو دول تملك أجهزة أمنية .
وهذا الاقتراح لن يكون محبباً من مصر والأردن واللتين أرادتا أن تنفضا يديهما من المسألة الفلسطينية . لذلك فيجب عدم تحميلهما هذه المسؤولية وحدهما، بل مساندة جامعة الدول العربية والغرب بالطريقة التي تمت فيها مساندة النظامين المصري والأردني من الولايات المتحدة لسنوات عديدة . وعلى إسرائيل قبول الحكم الإداري للأردن ومصر إلا إذا أرادت إسرائيل نفسها أن تقوم بهذه المهمة، وهو أمر لا تريده إسرائيل .
لقد أوضحنا أنه لن يكون ممكناً لأي رجل سياسة أمريكي الوصول إلى مناصب رفيعة من دون مؤازرة أصحاب النظام والسلطة الحقيقيين وبارونات المال العالميين، وقوى الظل للمؤسسة الحاكمة سواء كان الدعم مالياً أو سياسياً أو تسويقكم للوصول إلى تلك المناصب . وبذلك يمكن الاستنتاج أن الصعود الصاروخي لباراك أوباما من قوة الظل هذه ستكون نتائجه أن يحاول فرض حل الدولتين أو الثلاث دول، وبهذا يصبح أوباما رجل سلام، كما كان الحال مع أرييل شارون، والذي سماه جورج بوش رجل سلام بعد مجزرة مخيم جنين . وكما بينا، فإن الإدارات الأمريكية ما هي إلاّ إدارة تنفيذية للمضي في تطبيق سياسات وأجندات المؤسسات صاحبة السلطة الحقيقية في الظل، والتي تقف من وراء ستار تُعلق كل أوساخ أجندتها على الرؤساء وإداراتهم، لاعنة أوساخهم مع الجماهير، داعية الجماهير للصبر حتى يأتي الرئيس القادم . . . وهكذا .
كان المشروع الصهيوني، وكما شرحنا سابقاً، قد تحرك وبثبات باتجاه أقصى اليمين من الخط الاشتراكي في البداية، مروراً بحزب العمل الذي أطلق على جابوتنسكي لقب: فلاديمير هتلر، وأتهم أنصاره المتحمسون بالفاشية، ومنها إلى مرحلة الإرهاب الموجه للفلسطينيين والبريطانيين لاحقاً، وصولاً إلى تتويج المشروع بإقامة الدولة عام ،1948 غير أن الدولة الجديدة أريد لها أن تكون بلا حدود، فقد تركت لعملية التوسع كلما سنحت الفرصة، الأمر الذي لا يخفيه المؤرخون والقادة السياسيون في إسرائيل . ثم كانت حرب 1967 ليحل دعاة التوسع والتشدد تجاه العرب محل المعتدلين نسبياً . الواقع أن سياسة التوسع كانت موجودة ومنذ البداية، ولكن كأجندة خفية لتتحول إلى سر مفتوح مع قفز تلامذة وأنصار جابوتنسكي إلى السلطة عام 1977 . كان جابوتنسكي من المنادين بسياسة القوة مع الفلسطينيين بهدف خلق جدار حديدي نفسي يصعب تخطيه في المستقبل، لكن هذه السياسة فشلت في تحقيق أي شيء في أوساط الجماهير بشكل عام . حتى أطفال فلسطين انتفضوا ضد الاحتلال بسلاحهم الوحيد المتاح: الحجارة . لاشك في أن الجدار الحديدي الذي أقامه جابوتنسكي وأتباعه اختفى إلى الأبد مع الصورة التي تناقلتها وسائل الإعلام عبر العالم للطفل الفلسطيني ابن السابعة، وهو يقفز على دبابة ميركافا إسرائيلية وبيده المرفوعة حجر . حل جدار فصل آخر أقامه شارون محل جدار جابوتنسكي، ولكن على أرض الواقع على طول الضفة الغربية، وحتى هذا الجدار سينهار يوماً ما حتى في حالة تطبيق رؤية أولمرت الخاصة بالعودة لحدود 1967 مع بعض التعديلات .
قاد حزب العمل حروب إسرائيل الكبرى كافة، وكان رابين هو من أصدر تعليماته بتكسير عظام الفلسطينيين في الانتفاضة الأولى . قاد وزيرا حرب إسرائيل من حزب العمل حربي لبنان وغزة . . . ويقولون إن هذا الحزب هو حزب الاعتدال كأن في إسرائيل والصهيونية شيء اسمه اعتدال . سيأتي إلى الحكم في إسرائيل الأكثر حماقة وتطرفاً، وستحاول الولايات المتحدة وأصدقاؤها العرب المعتدلون أن يحموا هؤلاء من حماقاتهم . . . وهذا ما سيحاوله أوباما على كل حال . . . قامت الصهيونية على الكذب وتم بناؤها فوق رمال متحركة . الآن بدأ الإسرائيليون أنفسهم بكشف هذا الزيف، في الوقت الذي بدأ بعض العرب بالهرولة للاعتراف بهذا الكيان .
وطبقاً للمؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند الأستاذ في جامعة تل أبيب مؤلف كتاب: متى وكيف وجد الشعب اليهودي، فإن قبيلة الملكة المحاربة وغيرها من القبائل المحلية ممن اعتنقت اليهودية هي المصدر الرئيسي الذي انبثق عنه اليهود الإسبان . ويشكل البحث في أصول يهود شمال إفريقيا ومن أنهم قبائل محلية اعتنقت اليهودية ولا علاقة لها باليهود القدامى الذين نفوا من القدس، أحد المواضيع الرئيسية موضع البحث في كتاب ساند الجديد .
ويحاول المؤرخ الإسرائيلي في كتابه المذكور البرهنة على أن اليهود الذين يعيشون حالياً في إسرائيل وأماكن أخرى في العالم ليسوا من نسل اليهود القدماء ممن سكنوا مملكة يهودا خلال فترة الهيكلين الأول والثاني . ويرى المؤرخ شلومو ساند أن اليهود حالياً ينتمون لشعوب عدة اعتنقت اليهودية على مدار التاريخ، وفي زوايا عدة من حوض المتوسط والمناطق المتاخمة . ليس يهود شمال إفريقيا وحدهم الذين تحولوا من الوثنية لليهودية، فهناك أيضاً يهود اليمن (بقايا مملكة حميَر في شبه الجزيرة العربية ممن اعتنقوا اليهودية في القرن الرابع)، واليهود الإشكناز في أوروبا الشرقية (لاجئون من مملكة الخازار ممن تحولوا لليهودية في القرن الثامن) .
وطبقاً للمؤرخ الإسرائيلي فإن وصف اليهود على أنهم: أمة معزولة منفية هائمة على وجهها . . عبر البحار والقارات، وصلت نهاية الأرض قبل أن تنقلب على عقبيها، بفضل جهود الصهيونية، عائدة بموجات جماعية إلى وطنهم اليتيم، ليس سوى أسطورة وطنية . وكغيرها من الحركات القومية الأخرى في أوروبا، ممن تخيلت ماضياً ذهبياً رائعاً اخترعت خلاله ماضياً بطولياً في محاولة لإقناع نفسها بأنها كانت موجودة منذ بزوغ التاريخ (الإغريق أو القبائل التيوتونية على سبيل المثال) . . وهذا ما حصل مع تفتح أول براعم القومية اليهودية باتجاه الضوء الساطع المنبعث من مملكة داوود الأسطورية .
يعتقد البرفيسور ساند بأن الشتات اليهودي ليس سوى اختراع . وفي هذه الحالة يطرح التساؤل التالي نفسه: ما دامت قصة الشتات مختلقة، فهل يكون الفلسطينيون هم سلالة سكان مملكة يهودا؟، يجيب ساند على ذلك بالقول: ما من سلالة تحافظ على نقائها على مدى آلاف السنين، ومع ذلك فإن احتمالات أن يكون الفلسطينيون هم سلالة الشعب اليهودي القديم هي أقوى بكثير من احتمال أن أكون أنا أو أنت من هذه السلالة .
كتب آفي شليم:
إن مطالعة سجلات إسرائيل خلال العقود الأربعة الماضية توصل إلى النتيجة بأن إسرائيل هي دولة مارقة . . . الدولة المارقة تُعرف بأنها تلك الدولة التي تخالف القانون الدولي بشكل دائم، وتمتلك أسلحة دمار شامل، وتمارس الإرهاب أي ممارسة العنف ضد المدنيين للوصول لأهداف سياسية . إن هذه الشروط تنطبق على إسرائيل تماماً وعليها الاعتراف بذلك، فإسرائيل لا تنشد التعايش السلمي مع جيرانها لكنها تبغي الهيمنة العسكرية، وإنها تقوم بإعادة أخطائها في الماضي ولكن بشكل مأساوي في كل مرة .
فبعدما لم تعجبها انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني الحرة، والتي نجحت فيها حماس، قامت إسرائيل بسجن عدد من أعضاء هذا المجلس المنتخب، وكذلك عدد من أعضاء حماس الوزراء في حكومة السلطة الفلسطينية . عن ذلك كتبت الجريدة اليومية الإسرائيلية هآرتس ليس هذا فعلاً خاطئاً فقط، باعتقال الناس للمساومة عليهم كرهائن هو عمل العصابات وليس الدول .
في وصفه لأخلاقيات الرأسمالية التي تشكل العمود الفقري لإمبراطورية أمريكا العالمية، كتب البروفيسور ليستر ثارو من جامعة MIT يقول:
تعد الجريمة، طبقاً لأشد التعبيرات قسوة في أخلاقيات الرأسمالية، مجرد نشاط اقتصادي آخر، مع فرق واحد هو أن من يتم إلقاء القبض عليه بالجرم المشهود يدفع ثمناً باهظاً هو السجن . ليس هناك من شيء محرم فعله، كما أنه لا وجود للواجبات أو الحقوق إذ لا وجود هناك سوى لتعاملات السوق .
كثيراً ما قادت ممارسات الرأسمالية الأنغلو-ساكسونية ولا تزال إلى: الحروب والمذابح الجماعية والجرائم الفعلية، على حد تعبير البروفيسور ثارو، ليس في فلسطين فقط بل حتى داخل أمريكا . وهنا تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 40 مليون أمريكي مصنفون تحت خانة الفقراء في بلد يعد أغنى بلاد العالم على الإطلاق . وبالمقارنة تصل نسبة الفقر بين فئة الأطفال الأمريكيين إلى 4 .22% بينما لا تتعدى 1 .5% في الدنمارك، و4 .4% في بلجيكا، و 3 .4 % في بريطانيا، و6 .2% في السويد . كما أن 1% فقط من الأمريكيين يملكون أكثر مما يملكه 80% من بني وطنهم . ويتوصل ثارو إلى نتيجة مؤداها:
فرغت الساحة العالمية للرأسمالية بعد أن تخلصت من منافسيها الرئيسيين في القرنين التاسع عشر والعشرين . . الفاشية والاشتراكية والشيوعية التي اختفت عن الساحة . . ومع ذلك وحتى مع تراجع المنافسة إلى كتب التاريخ، فإن هناك ما يعمل على زعزعة أسس الرأسمالية من الأعماق .
في عددها الصادر بتاريخ 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2005 نشرت مجلة هارفارد كريمسون نص محاضرة لأحد أشهر المؤرخين في العالم، إيريك هوبسباون جاء فيها:
قد تشيع الإمبراطورية الأمريكية فعلياً: الفوضى والبربرية وانعدام النظام أكثر مما تنشر السلام والنظام . ويعتبر هوبسباون أن مشروع الإمبراطورية الأمريكية سينتهي إلى الفشل الحتمي . ويضيف: هل ستتعلم الولايات المتحدة دروس الإمبراطورية البريطانية، أم ستعمد إلى محاولة الحفاظ على دور عالمي آخذ في التآكل، من خلال الاعتماد على قوة سياسية وعسكرية فاشلة لا تفي بالمتطلبات والأهداف الحالية التي تدعي الحكومة الأمريكية أنها مصممة لأجلها؟ .
سيكون من المثير للاهتمام الانتباه لحقيقة لجوء هوبسباون لتعبير البربرية في وصفه للنظام الحالي الذي يحكم الولايات المتحدة، وهو وصف سبقه إليه أحد رموز حزب الشعب الأمريكي عام ،1890 وقتها قال الناشط الحزبي المذكور: أي دولة تضع حقوق الملكية فوق حقوق الإنسان إنما تمارس البربرية .
نحن وآخرون كثر مع تقدير هوبسباون القائل إن اللعبة قد وصلت نهايتها فيما يتعلق بالولايات المتحدة . . وكذلك المشروع الصهيوني، فنحن نعيش عصر الانهيارات المفاجئة، سواء بالنسبة للشركات الأمر الذي بدا جلياً في الانهيار الاقتصادي عام 2008 أو ما آلت إليه الإمبراطورية السوفييتية، وكذلك فإن إسرائيل بالرغم من تعاظم قوتها العسكرية والنووية لم تربح حرباً واحدة بعد حرب ،1967 وإن قوة ردعها قد عفا عليها الزمن حينما فشلت في تحقيق أهدافها في جنوب لبنان ضد حزب الله، بل وعندما فشلت في تحقيق أهدافها ضد المقاومة في غزة، والتي كانت تعاني ظلم الحصار من القريب قبل الغريب .
بعد ستين عاماً من تأسيس إسرائيل وامتلاكها مئات القنابل الذرية والهيدروجينية والصواريخ والأقمار الصناعية، بل وامتلاكها القرار السياسي لأقوى دولة في العالم، تساءلت كبريات المجلات الأمريكية على غلافها (التايم 19/01/2009) هل تستطيع إسرائيل استمرارية العيش؟ فهل يا ترى هذا هو الوقت المناسب لأن يهرول بعضنا مستجدياً ما أسموه ظلماً بالسلام، تُعهد فيه أعمال الكناسة والحراسة إلى دولة فلسطينية منقوصة السيادة، وتقوم بأعمال المقاول الأمني لحماية دولة بدأ أصحابها ومواطنوها يشكّون في إمكانية ديمومتها أو شرعيتها؟
ليست المشكلة بالنسبة للفلسطينيين والعرب هي إسرائيل، أمريكا الصغرى، والتي تم وصفها من المفكرين والقادة الإسرائيليين أنفسهم بأوصاف منها الدولة المارقة، أو دولة الإرهاب، أو الكلب المسعور، المشكلة هي في الولايات المتحدة - إسرائيل الكبرى .
كتب إيهود سبرينزاك، الأستاذ في الجامعة العبرية يقول: لم تحقق الدولة اليهودية استقلالها عام ،1948 بصورة طبيعية كنتيجة حتمية لمرحلة من الكفاح ضد الاستعمار البريطاني في فلسطين . بل كانت ولا تزال إحدى أكثر الدول غير الطبيعية في تاريخ الدول حديثة العهد، والتي ظهر معظمها على خارطة العالم إبأن الحقبة الاستعمارية، وأضاف: لم تكن إسرائيل ما بعد 1948 بتلك الدولة الديمقراطية المثالية، حيث بقيت السلطة فيها وعلى مدار سنوات طويلة في يد حزب واحد . . فقد بقيت الأقلية العربية، التي حصلت لاحقاً على حق التصويت وانتخاب ممثليها في الكنيست، ولسنوات طويلة خاضعة للحكم العسكري الصارم . . . .
لو وافقنا على استنتاج أستاذ الجامعة العبرية هذا بأن إسرائيل هي مولود غير طبيعي، فالمرء يمكن أن يستنتج أن مثل هذه المخلوقات نتيجتها هي الموت غير الطبيعي .
تبين دراسة أعدّتها وكالة المخابرات المركزية تم تسريبها إلى أعضاء مختارين من الكونغرس عدم إمكانية إسرائيل من المحافظة على الوضع الراهن، إذ بينت تلك الدراسة أن في فترة أقصاها عشرون سنة سيكون لدى إسرائيل خيارات فيما لو نفذت حل الدولتين الآن، فهي إما أن تُصبح دولة ثنائية الجنسية سيصبح اليهود فيها أقليّة، أو أن تصبح دولة فصل عنصري لن يقبل العالم بها، وهي في كلتا الحالتين ستصل بالمشروع الصهيوني إلى نهايته .
عن المؤلف
* د . عبدالحي يحيى زلوم أنهى دراسته الجامعية الأولى والعليا في الولايات المتحدة في الهندسة والإدارة . أسهم في الأعمال التأسيسية للعديد من شركات أوبك الوطنية . ألّف ثمانية كتب بالعربية وخمسة بالإنجليزية، وترجمت كتبه إلى لغات اخرى ومنها الألمانية وكانت موضوعاتها عن النفط والاقتصاد السياسي .