يشكل هذا الكتاب وعنوانه «حكايات سوداء من الغرب الإفريقي.. شهادات كبرى في الإنسانية» مرجعاً أساسياً في دراسة الحكاية الشفهية الإفريقية، وتحليلها من منظور أنثروبولوجي وأدبي، حيث ينطلق الباحث الأنثروبولوجي رولان كولين من فرضية مفادها أن الحكاية الشفهية الإفريقية، ليست مجرد نصوص متداولة شفهياً، بل هي ذاكرة ثقافية متكاملة، تحمل في طياتها قيماً اجتماعية وأخلاقية عميقة، وتشكل منظومة معرفية تستحق التحليل النقدي والمنهجي.
الحكايات الشعبية مرآة لوعي الجماعة، وليس مجرد مادة للترفيه أو التجميع الفلكلوري، ويمكن النظر إلى هذا الكتاب على أنه جزء من نقاشات منتصف القرن العشرين حول الهوية والثقافة وحقوق الإنسان، خاصة في سياق ما بعد الاستعمار، حيث يحاول كولين كشف المعنى الإنساني الكامن في التراث الشفهي، وربطه بالقيم الأخلاقية والاجتماعية المتجذرة في المجتمعات الإفريقية، بعيداً عن النظرة الاستشراقية التي كانت سائدة في تلك الفترة.
الحكايات الشعبية مرآة لوعي الجماعة، وليس مجرد مادة للترفيه أو التجميع الفلكلوري، ويمكن النظر إلى هذا الكتاب على أنه جزء من نقاشات منتصف القرن العشرين حول الهوية والثقافة وحقوق الإنسان، خاصة في سياق ما بعد الاستعمار، حيث يحاول كولين كشف المعنى الإنساني الكامن في التراث الشفهي، وربطه بالقيم الأخلاقية والاجتماعية المتجذرة في المجتمعات الإفريقية، بعيداً عن النظرة الاستشراقية التي كانت سائدة في تلك الفترة.
3 مستويات
لا يمكن قراءة هذا الكتاب الذي ترجمته إلى العربية توحيدة علي توفيق بوصفه تجميعاً نصياً للحكايات أو تعليقاً عليها، بل هو بناء مركب يقوم على تداخل ثلاثة مستويات، تتساند في ما بينها لتنتج خطاباً معرفياً مضاداً للمركزية الأوروبية، هذا التداخل يمنح الكتاب قيمته التأسيسية في حقل الدراسات الأنثروبولوجية للأدب الشفهي.
يحاول كولين كشف المعنى الإنساني الكامن في التراث الشفهي وربطه بالقيم الأخلاقية والاجتماعية المتجذرة في المجتمعات الإفريقية، بعيداً عن النظرة الاستشراقية التي كانت سائدة في تلك الفترة.
تصنف الحكايات عادة في خانة الأدب التقليدي، بمعنى أنها تلعب دور العامل الحافظ للتراث والتقاليد والثقافة، ويصف كولين الشخص الإفريقي بأنه يحكي كما يغني ويرقص، وكما يضرب طبول (التام تام) وهو ذات الفن في كل ربوع إفريقيا، بدءاً من الحد الجنوبي للصحراء وحتى الكاب، ولكل القرى حكاؤوها المشهورون، وكما يعرفون الرقص جميعا، فإن الأفارقة يجيدون الحكي بالسليقة. يحافظ الإفريقي على الحاجة الحيوية للسهرات الجماعية، فهناك ساعات محددة للحكي، وقد تأثر البيض الذين خبروا الحياة اليومية للإفريقي بالحظر العام للحكي أثناء النهار، وهذا الحظر الذي توارثه الناس هناك له أسبابه الغامضة، وهم يكتفون بتبرير أن آباءهم كانوا يفعلون ذلك دائما.
تشابهات
يشرح الكاتب كيف تتشابه سهرات الحكي في كافة أنحاء إفريقيا، باستثناء تعديلات طفيفة تتعلق بالخصوصية المحلية، ومنها ما هو عائلي، ومنها ما هو رسمي حيث المشاركة الأكبر عدداً والتنظيم المعقد، فقبائل (البوبو) تقيم أمسياتها فوق أسطح المنازل، ويتحلق الحاضرون حول المدفأة على شكل مروحة، العجائز في الصف الأول بالقرب من المدفأة، ثم يأتي الرجال، فيما تجلس النساء في الصفوف الخلفية.
يتحول الكتاب إلى دفاع عن التعدد المعرفي، وإلى دعوة لقراءة التراث الإفريقي من داخله، لا من خلال مقاييس خارجية فتداخل المستويات الثلاثة: المتن الحكائي، التحليل الأنثروبولوجي، السياق الفكري، يجعل من هذا العمل نصاً مركباً يتجاوز التصنيف البسيط، فهو ليس كتاب حكايات، ولا دراسة نظرية صرفة، بل مشروع تأويلي يعيد تعريف العلاقة بين السرد والمعرفة.
رؤية
يؤكد كولين أن إفريقيا ظلت مجهولة للرجل الغربي أمداً طويلاً، لا يعرف لها حدوداً، وكان يظن أنه لا يربطها به رابطة دم أو لغة أو فكر أو مصير، وفي تلك الأثناء لم يكن يرى منها سوى الرأس، وهو الجزء المسمى شمال الصحراء، أما بقية الجسد فقد ظل متوارياً.
يومها لم تكن إفريقيا تمثل للرجل الغربي إلا وجوداً مادياً، أو جاراً عارضاً في التجمع العالمي، وقد أسهمت المسافات الطويلة، التي لم يكن الإنسان متأهباً للتغلب عليها، في حصار علاقات الجوار إلى أقصى درجة، وطوال تلك القرون لم يشيد الغرب سوى عوالم مثيرة من الأساطير.
وجاءت المرحلة التي اتسعت فيها طموحات الملاحين البيض، الذين بدأوا بالالتفاف حول القارة، وهنا تأسست علاقات عابرة بين المسافرين والشعوب الساحلية، سرعان ما توارى الفضول المتواضع لصالح الفائدة التجارية.
صكوك اتجار
أما في مرحلة الحضور الاقتصادي لإفريقيا في العالم، وهو حضور طويل أفسده استغلال الإنسان وتبديد الثروات، فقد استخدم الرجل الأبيض صكوك الاتجار على الأفارقة والسلع جميعاً. أما ثالثة مراحل الحضور الإفريقي في العقل الغربي، فكان حضوراً روحانياً، لم يبرز إلا ببطء نتيجة جهود كبيرة من التعاطف الإنساني، للتغلب على التخوف الذي تولد عن الأفكار السلبية، في محاولة لتجاوز جراح زمن الجهالة والاحتقار.